إميل أمين

وراء جدران البيت الأبيض الواقع في 1600 بنسلفانيا أفنيو، حكايا مثيرة، لا عن الرؤساء الأميركيين فحسب، بل عن زوجات الرؤساء، من عند «مارثا واشنطن»، زوجة جورج واشنطن، أول رئيس لأميركا، وصولاً إلى جيل بايدن، القادمة عما قريب جداً مع زوجها جوزيف بايدن الرئيس المنتخب السادس والأربعين للبلاد.
ولا يوجد دور رسمي منصوص عليه للسيدة الأولى في الدستور الأميركي، لكن وقائع التاريخ تعلمنا أن هذا الدور تعاظم، لا سيما بعد الحرب العالمية الثانية بشكل كبير، وأضابير البيت الأبيض تشهد على مرور سيدات عظيمات بهذا البناء، موقع وموضع الحكم الأميركي، وأخريات أخلفهن الحظ.

في تاريخ البيت الأبيض سيدات اكتفين بالأدوار التقليدية كتحضير الاحتفالات الرسمية، أو رعاية بعض الأنشطة الخيرية، ومنهن من قنعن بالعيش على الهامش، وفي ظل الرئيس، مثل روزالين كارتر، ونانسي ريجان، وباربارا بوش، فيما أخريات مثل هيلاري كلينتون لعبن دوراً فاعلاً ومؤثراً في تشكيل ذهنية الرئيس، بل وكدن أن يصلن إلى عتبة الرئاسة عينها.

مسيرة مهنية طويلة
تاريخياً، لم تعمل أي من سيدات البيت الأبيض في أي وظيفة مؤسسية خلال فترة رئاسة زوجها، غير أنه من الواضح أننا أمام زوجة رئيس سوف تحتفظ غالباً بمهامها الوظيفية، ولن تتوقف عن أداء دورها في الحياة العملية.
مسيرة جيل بايدن مختلفة عن كثيرات غيرها من سيدات البيت الأبيض، فقد درست الفنون والآداب، ثم التربية، وتخصصت في تعليم الأطفال من أصحاب الهمم، وفي سن الخامسة والستين نالت درجة الدكتوراه وأصبحت أستاذة جامعية، وقتها لم يعرف الطلاب من يكون زوجها.

انضمت جيل بايدن لأول مرة إلى كلية فيرجينيا الشمالية في عام 2009، بعد مسيرة مهنية طويلة في مجال التعليم، حيث أمضت عدة سنوات في تدريس اللغة الإنجليزية في مدارس عامة مختلفة في ولاية ديلاوير الأميركية.
اهتمت جيل بايدن خلال مسيرتها المهنية بالعديد من الأعمال الاجتماعية، فأسست ما يعرف بـ «منظمة بايدن غير الربحية لصحة الثدي»، وشاركت في تأسيس برنامج أصدقاء الكتاب، وشاركت أيضاً في تأسيس مؤسسة بايدن، وتعمل كناشطة في منظمة أحذية ديلاوير على الأرض.

هل توسوس في أذن الرئيس؟
عرفت أدبيات السياسة الكلاسيكية تعبيراً مثيراً، «الذي يوسوس في أذن الملك، أخطر من الملك»، فهل ستصبح جيل بايدن المحرك الرئيس لجوزيف بايدن في رئاسته التي يتوقع أن تكون وحيدة من غير ولاية ثانية مأمولة؟
أغلب الظن أن ذلك قد يحدث، لكن على صعيد واحد داخلي، وليس خارجياً، إذ لن نرى لها دوراً واضحاً، أو أصابع ملموسة في بلورة سياسات خارجية، كما كانت تفعل هيلاري كلينتون، بل سنرى لها دوراً فاعلاً وداعماً على صعيد العملية التعليمية في الداخل الأميركي وبشكل نافذ.

كان التعليم دائماً وأبداً على رأس أولويات جيل بايدن، تلك التي تزوجها الرئيس عام 1977 بعد أن، فقد زوجته وطفلته الرضيعة في حادث سيارة عام 1972، وأنجب منها ابنتهما الوحيدة أشلي.
في كافة تصريحاتها كانت جيل تؤكد على أنها ستعطي الأولوية لتعليم ما قبل المدرسة ورياض الأطفال في الفترة المقبلة، وتحمل في واقع الأمر رؤية ثورية تطويرية للعملية التعليمية في الداخل الأميركي، وتقول: «نحن بحاجة إلى برامج قراءة جيدة، ونحتاج إلى المساواة، نحن نتنافس في هذه السوق العالمية، ويجب أن تتحسن مكانة الولايات المتحدة.

ثورة تعليمية
قبل نحو أسبوعين، كان الرئيس المنتخب بايدن يعلن عن تعيينه للمعلم البروفيسور ميجيل كاردونا، وزيراً للتعليم، والرجل مدرس من أصل أميركي لاتيني.
القرار يعكس ولا شك بصمات زوجته جيل، والتي أشارت في تصريحات سابقة لها إلى أنها إذا وصلت إلى البيت الأبيض، فإنها لن تتوقف عن التدريس، والذي وصفته بأنه أمر مهم، وتريد من الناس تقدير المعلمين ومعرفة مساهماتهم ورفع مستوى المهنة.
ولعل الذين تابعوا ما سطره بايدن عن التعليم عبر «تويتر»، يقطعون بأن جيل زوجته تقود ثورة تعليمية في ذهن الرئيس الجديد.

كتب بايدن يقول إنه سيوفر الظروف التي تسمح لكل معلم بأن يكون ناجحاً في عمله ويؤديه بكرامة، ويجب أن يمتلك كل طالب كل الوسائل الممكنة التي تجعله مصدراً لازدهار الاقتصاد الأميركي في المستقبل.
بايدن أكد أن كل معلم يحتاج إلى الموارد اللازمة لأداء مهامه بنجاح مع الحفاظ على كرامته، ولفت إلى أن المدارس تحتاج تجهيزات تسمح بإعادة الدراسة بأمان.
لكن هل ما تقدم من بنات أفكار بايدن؟ حكماً لا يمكن أن يكون كذلك، والمؤكد أنها رؤى جيل المعلمة الدكتورة، ما يجعلنا نفتش في عقلها وما تؤمن به في هذا الاتجاه.

أمة عظيمة بالعلم والتعليم
عبر متابعة تصريحات جيل بايدن، يكتشف القارئ أنه أمام عقلية تؤمن بأن العلم والتعليم هما من مهدا الدرب لأميركا كأمة عظيمة، وحتى الارتكاز إلى القوة المسلحة لن يمضي قدماً إلا من خلال عقول عملية ومعملية قادرة على الإبداع والتجديد يوماً تلو الآخر.

تؤمن جيل بايدن بأن الارتقاء الحقيقي يبدأ من عند العقول، وأن مهمة المدارس الأميركية هي تربية النشء على رحابة الإبستمولوجيا (المعرفة)، والابتعاد عن ضيق الأيديولوجيا (التوجهات النظرية السياسية خاصة)، وتدرك تمام الإدراك أن الجامعات الأميركية طريق بلادها نحو العظمة.
قرأت جيل بايدن بعناية فائقة ذلك التقرير المركزي المثير الذي تمت بلورته من قبل نخبة العقول الأميركية في أوائل ثمانينيات القرن المنصرم، في عهد الرئيس الجمهوري الراحل، رونالد ريجان، والذي عرف باسم «أمة في خطر»، وتناول أزمة التعليم في ذلك الوقت.
واليوم، تجد أميركا ذاتها ومن جديد في مواجهة تحد مماثل، لا سيما أن السباق مع روسيا الاتحادية، والصين الشعبية، أضحى سباق عقول وعلوم، قبل أن يكون سباق مصانع ومنتجات.
تذكر جيل بايدن الأميركيين اليوم أن الصناعة الأميركية اعتمدت على الاختراع والتجديد، وعلى مخرجات العملية التعليمية الأميركية.

هل سيقدر لجيل بايدن أن تغير من شكل أميركا الحاضر؟
المؤكد أن العالم سيرى امرأة رائعة ميزت نفسها في مهنتها وفي الحياة التي تعيشها كل يوم، وتسعى دائماً لرفع مستوى الآخرين، بدلاً من هدمهم.

كلمة حق
من النادر أن تشهد سيدة أولى سابقة بحق أخرى لاحقة شهادة طيبة، غير أن هذا ما فعلته «ميشال أوباما»، زوجة الرئيس السابق باراك أوباما.
في مقابلة لها عام 2016 تحدثت ميشال عما كان عليه الحال عند مشاهدة جيل بايدن وهي توفق بين واجباتها في وظيفتها اليومية، وواجبات دورها كسيدة ثانية.

مع تأكيد فوز بايدن، كتبت ميشال تحت صورة عبر الـ«إنستغرام» تجمعها مع جيل تقول: «لمدة ثماني سنوات، رأيت الدكتورة جيل بايدن، تنجح في إدارة أكثر من مسؤولية واحدة في وقت واحد، من واجباتها التعليمية إلى التزاماتها الرسمية في البيت الأبيض إلى أدوارها كأم وزوجة وصديقة».
وتضيف ميشال: «تعطينا الدكتورة بايدن مثالاً أفضل، وهذا هو سبب شعوري، لدرجة أننا لا نستطيع أن نطلب سيدة أولى أفضل، أنها ستكون نموذجاً رائعاً للفتيات الصغيرات ولنا جميعاً.