إميل أمين

الكريسماس.. زمن الأفراح والأعياد، حتى وإن ظلل «كورونا» العالم من حولنا، بغلالة رقيقة من الكآبة، لكن ديسمبر، ظل وعلى مدى القرون، يحمل بهجة هذه المناسبات للبشرية.
وراء الكريسماس قصص تاريخية، وسيسيولوجية، حكايا من بطون الشعوب، وتراث من أحاجي الإنسانية، إنه ليس مجرد احتفال ديني بمولد السيد المسيح، وأول علامة استفهام تقابلنا في الطريق، هي المتعلقة بموعد ميلاد السيد المسيح، وهل كان في الشتاء بالفعل؟
الشاهد أنه لا يمكن أن يكون كذلك أبداً، والقول الأنسب، أنه كان قريب من أواخر الصيف، والدليل على ذلك أن الروايات الإنجيلية تشير إلى أنه في ذلك الوقت، أي وقت الميلاد، كان رعاة يرعون قطيعهم في الجبال، والمعروف أن منطقة فلسطين التاريخية تشتهر جبالها بالثلوج والبرد القارس في ديسمبر، ما يعني أنه لا يوجد هناك كلأ ولا مرعى للخراف، وكذلك لا يمكن للرعاة أن يظلوا في مثل هذه الأجواء المناخية القارسة في هذا التوقيت من السنة.

شتاء أوروبا المظلم ينير
لماذا اختار الأوربيون الشتاء وأواخر العام كموعد للاحتفال بأعياد الكريسماس؟
هناك روايات تاريخية متنوعة، لكن أقربها إلى الصحة يرتبط بالمناخ والبيئة، فقد كانت تلك الفترة أكثر أوقات أوروبا وحشة وظلاماً، حيث البرد القارس، والظلام الدامس، ولهذا فقد ذهب الأوربيون إلى استغلال هذه الفترة وتحويلها إلى العكس، من خلال الأنوار والزينات والاحتفالات.
وربما ساعدهم على ذلك تحول الإمبراطورية الرومانية، في زمن الملك قسطنطين إلى المسيحية، وصدور ما عرف بـ «مرسوم ميلانو»، الذي جعل الإمبراطورية تتسامح مع المسيحيين، وتسمح لهم بالعبادة كما يرون، ومن غير أن يقتلوا ويصلبوا، أو يلقوا للوحوش الضارية في حلبات التسلية الرومانية التقليدية.
كان الوثنيون في روما القديمة يحتفلون في 25 ديسمبر من كل عام بما يسمى «عيد الانقلاب الشمسي»، أو «عيد الشمس التي لا تقهر»، ولهذا ذهب المسيحيون الأوائل إلى إبدال هذه المناسبة بعيد مولد السيد المسيح، واعتبروا شمس البر تشرق على الناس من خلال رسالة المحبة والسلام التي جاء لينشرها على الأرض، ولكي تبدد ظلام الظلم والعنف، القسوة والألم والصراعات التي كانت سائدة في ذلك التوقيت.

معنى وجذور 
كلمة كريسماس، عبارة عن لفظ مزدوج مكون من مقطعين الأول هو «Christ»، تعني المسيح وهي مأخوذة من اللغة اليونانية «كريستوس»، فيما الجزء الثاني من الكلمة وهو «Mas»، وهذه لها جذور في اللغة الهيروغليفية القديمة، وتعني يلد، فعلي سبيل المثال «تحتمس» بالفرعونية تعني المولود من تحوت، أو «رعمسيس» أي المولود من الآلة رع آله الشمس عند الفراعنة، ومن هنا جاءت كلمة «ماس» بمعني مولد السيد المسيح.

أين حدث الكريسماس الحقيقي؟
يجمع المؤرخون أنه ولد في مدينة بيت لحم، ومعناها بالعبرية «بيت الخبز»، وهي مدينة تبعد عشرة كيلو مترات عن أورشليم «القدس» وترتفع 756 متراً عن سطح البحر.
المدينة لها تاريخ قديم في بني إسرائيل، لأنها شهدت ميلاد الملك داود، أشهر وأهم ملوكهم، وقد تحول موقع ميلاد المسيح إلى كنيسة أثرية مهمة للغاية هي «كنيسة المهد»، وقد بناها الإمبراطور الروماني قسطنطين عام 355 ميلادية، وتعتبر من أقدم كنائس فلسطين والعالم، والأهم من هذا حقيقة أن الطقوس الدينية تقام فيها بانتظام منذ مطلع القرن السادس الميلادي، حين شيد الإمبراطور الروماني «يوستنيان» الكنيسة بشكلها الحالي.
تضم الكنيسة ما يعرف بكهف أو «مغارة ميلاد المسيح» وتزين المغارة نجمة فضية موجودة في المذود المطلي بالمرمر ومكتوب عليها باللغة اللاتينية «هنا ولد يسوع المسيح من العذراء مريم»، وداخل المغارة خمسة عشر قنديلا تمثل الطوائف المسيحية المختلفة.

مغارة الميلاد وحي من الشرق
من الملامح الواضحة والمميزة لزمن الكريسماس، مغارة الميلاد، حيث يرى الناظر ملامح الحدث الكبير في صورة تمثيلية تقرب ما جرى قبل ألفي عام إلى الأذهان.
على أن قصة المغارة تتقاطع مع الشرق، وتحديداً مع فلسطين، وقد كان أول من صنع هذه المغارة في الغرب، المتصوف والناسك الإيطالي الشهير، فرنسيس الأسيزي، المنتمي إلى مدينة أسيزي في إيطاليا من أعمال القرن الثالث عشر الميلادي.
ولفرنسيس قصة طويلة ليس هنا موضعها أو موقعها مع الشرق، إلا أنها وباختصار غير مخل، تعود إلى زمن الحروب الصليبية، كما أسماها الغربيون، أو حروب الفرنجة كما أطلق عليها العرب.
كان فرنسيس من الرافضين للحروب الغربية على الشرق، وجال في بلاد العالم العربي ناصحاً مواطنيه بعدم الدخول في معركة، وقد ارتحل إلى الأرض المقدسة في فلسطين بإذن خاص من السلطان الكامل الأيوبي، الذي صادقه وأحبه خلال لقائه معه في مصر، وهناك ذهب إلى بيت لحم، حيث المغارة الحقيقية.
حين عاد فرنسيس إلى إيطاليا، خطرت له فكرة إقامة مغارة مشابهة لما رآه هناك، لتكون بمثابة الرمز الذي يكمل احتفالات الكريسماس، وبخاصة لأولئك الغير قادرين على السفر وتكبد عناء الرحلة الطويلة في تلك الأيام، ومن هنا ظهرت أول مغارة للميلاد في تاريخ الكريسماس.

الشجرة وبابا نويل
لا تكتمل طقوس الكريسماس، إلا بإضاءة شجرة الكريسماس، وجولات وصولات بابا نويل، القادم من جبال الثلج والريح، وعبر زلاجته التي تقودها الغزلان.
أما الشجرة، فقد تسارع وتصارع من حولها المؤرخون، فيما إذا كانت أوروبية الفكرة أم فرعونية الجذور نقرأ في كتاب عالم المصريات الكبير «جيمس هنري بريستد» والمعنون «فجر الضمير»، أن القصة لها علاقة بعودة إيزيس بالشجرة التي احتوت جثة أوزيريس.
أما بابا نويل وقد عرف باسم «مار نقولا» عند العرب، فقد كان كريماً حيال الأطفال ودفاعه عنهم وإحسانه إليهم ويقال في قضية شهيرة إنه منح ثلاث عذارى فقيرات ليلة عيد الميلاد أموالاً مكنتهم من الزواج... وقد جعلته هذه القصص عن حياته وكرمه شخصاً يرمز إلى سلوكه بالعطف والحنان على الأطفال.
إنها روايات الكريسماس العديدة، والمستمرة عبر التاريخ.. كل عام وأنتم بألف خير.