لكبيرة التونسي (أبوظبي)

مشاهد حية لعرض الحرف التراثية التي تقوم بها النساء في أروقتهن المفتوحة بمهرجان الشيخ زايد، تعبر عما كانت تقوم به المرأة الإماراتية في الماضي، والتي لعبت دوراً حيوياً وفاعلاً في المجتمع، وساهمت في مختلف نواحي الحياة، وعملت جنباً إلى جنب مع الرجل، فكانت تقوم بأعمال الزراعة وتربية الحيوانات، بالإضافة إلى توليها شؤون البيت ورعاية الأطفال، والبحث عن وسائل تعينها على أعباء الحياة، فأوجدت الحرف التراثية، وبرعت في شتى أنواعها.

مهرجان الشيخ زايد لا يقف عند حد إبراز التراث فقط، وإنما يتعدى ذلك إلى جعل الحرف والصناعات التقليدية نافذة على الماضي، حيث كانت هذه الحرف التراثية شاهدة على حياة اجتماعية شكلت فيها المرأة محور البناء وأساس الإبداع رغم شظف العيش، تعمل خارج البيت قبل إرسال الشمس خيوط أشعتها الأولى على الأرض، إلى أن تتوارى وتغيب تاركة الفرصة للمرأة لتبدأ في إبداع آخر لا يقل جهداً عما قامت به في النهار، من سدو وتلي وخوص وخياطة، وغيرها الكثير من الصناعات التي لا تزال تقف شاهدة على ما سطرته المرأة من قصص كفاح، وما مثلته من مساندة لزوجها موفرة ملابسها وزينتها من صنع يديها مستغلة ما جادت به الطبيعة آنذاك، فحولته إلى جمال وإبداع، وأضفت عليه من روحها لتجعله تراثاً حياً مفعماً بالمشاعر والأحاسيس.

أعباء ومشقة 
رغم قسوة الحياة قديماً وما أحاط بالمرأة من ظروف اقتصادية واجتماعية، إلا أنه لم يخل أي بيت من الإبداع، حيث جعلت من الصناعات رافداً أساسياً لسد حاجياتها اليومية، لتسطر عناصر الإبداع وتضفي على حياتها رونق الجمال، من صناعة السعفيات وإعادة تدوير الأدوات وبيوت الشعر وغزل الصوف إلى صناعة العطور والبخور، إلى جانب تحملها أعباء ومشقة العمل خلال غياب الزوج في رحلات الصيد أو الغوص والتي كانت تمتد لعدة أسابيع أو شهور في كثير من الأحيان.
لطيفة حامد تتوسط رواقها الذي يحتوي على عشرات الأنواع من العطور، ويأتي على رأسها المخمرية الأصيلة والزعفران، وهي أنواع من الخلطات التي تعرفت على أسرارها منذ صغرها على يد والدتها وجداتها، عندما كن يصنعن زينتهن بأيديهن، مما يعكس الحس الجمالي والإبداعي الذي ميز المرأة الإماراتية رغم شظف العيش.

لمسة عطرية
قالت لطيفة حامد إن المخمرية، كانت جزءاً من حياة المرأة، حيث كانت تختار زينتها بنفسها وتصنعها بما كانت تتوفر عليه من عطور ومكونات، كانت تدمجها مع بعضها بطريقة لا تخلو من الإبداع، وطمرها تحت التراب أو وضعها في مكان مظلم، لمدة تزيد على أربعين يوماً، فكلما زاد تخميرها كانت نفاذة الرائحة وعالية الجودة، وتتكون المخمرية من الزعفران ودهن العود وجوز الطيب والعنبر وغيرها، موضحة أن لكل سيدة لمسة خاصة في صنع مخمريتها، إلا أن الأصل يبقى واحداً وهي العود والمسك والزعفران، موضحة أنه في السابق كانت المخمرية توضع في جرار من الطين وتدفن تحت الأرض.

  • خديجة الطنيجي تعمل على تجديد التراث
    خديجة الطنيجي تعمل على تجديد التراث

وأكدت لطيفة أن يوميات أي سيدة كانت تبدأ من الصباح الباكر مع أذان الفجر، حيث «تشب الضوء» وتعد القهوة وطعام الإفطار، وبعدها يخرج الجميع لرعي الغنم والإبل وجلب الماء والحطب، وخلال المناسبات كحفلات الزفاف، كانت تجتمع أكثر من 10 نساء لخياطة ملابس العروس، وخلط العطور بروح واحدة لتعم البهجة والسعادة.

نافذة على التراث
وهناك مبدعات في مختلف الصناعات، وحارسات للحرف التراثية يعلن حضورهن في مهرجان الشيخ زايد، الذي يمثل نافذة على جانب من حياة المرأة الاجتماعية، فمنهن من اختارت التجديد بدمج أكثر من عنصر تراثي في أداة واحدة لتضفي عليها جمالاً وتبث فيها روحاً مختلفة، دون أن تخرج عن روح التراث الأصيلة، ومن هؤلاء خديجة الطنيجي، التي تعمل على تجديد التراث من خلال دمج التلي مع صواني التقديم، وتزيين السعفيات بخيوط التلي لتزيدها بريقاً، بينما تزين الدلال والمداخن وتلبسها الحلي القديمة من مرتعشة ومرية لتجعلها ناطقة وكأنها عروس تزين جيدها بأجمل الحلي، وهذا الدمج حرك الأدوات التراثية وبث فيها الحياة وجعل منها لوحات ناطقة، ولم تترك الطنيجي أي جانب من الصناعات التراثية، إلا وأضفت عليه لمسات إبداعية مما جعلها رائدة في مجالها ومتفردة فيه، ولا يقتصر عملها على تجديد التراث، وإنما تعمل أيضاً على تدوير المنتجات وتحويلها إلى أدوات تراثية جميلة، مؤكدة أن المرأة في السابق كما الآن مدبرة وتستغل جميع مكونات الطبيعة، ما يدل على أنها كانت مكافحة ومدبرة وتعمل على استدامة الطبيعة، موضحة أن الحياة كانت بسيطة وجميلة ومبهجة، رغم صعوبة الحياة.

  • أدوات تراثية تشكل ديكوراً للبيت
    أدوات تراثية تشكل ديكوراً للبيت

بانوراما الحياة
ما يتم عرضه من بانوراما اجتماعية لمشاهدات الحرف التراثية دليل حي على ما كانت تقوم به المرأة الإماراتية، إلى جانب عملها الأصلي من أشغال داخل البيت وخارجه، وهذا ما ذهبت إليه مريم سالمين مبارك والتي تتقن جميع الحرف التراثية من سف الخوص والتلي وصناعة الدخون والعطور، حيث أكدت أن هذه الصناعات تشكل شاهداً حياً على جهودها وما قامت به في وقت لم تكن فيه الصناعة ترفاً، وإنما حاجة ملحة لتسد به ما تحتاج إليه من ملبس وغطاء ومسكن وأدوات، ورغم ذلك، فإنها أضفت جمالاً على ما تحتاجه، مؤكدة أن المرأة كانت تقوم بصنع المشغولات اليدوية بأنواعها، ورغم اختلاف الصناعات حسب كل مكان، إلا أنها تصب كلها في اتجاه الحاجة إليها.

صبر وجهد
مزنة المنصوري أكدت أن الحرف التراثية، لا تزال تشهد على جمال وإبداع المرأة الإماراتية، رغم صعوبة الحياة الاجتماعية، معتبرة أن الصناعات التراثية تنطوي على جانب كبير من كفاح المرأة وما قامت به لتشكل رافداً أساسياً لصنع السكينة داخل بيتها، حيث كانت المرأة تصطحب الغنم إلى البحر وتغسلها قبل أن تجز صوفها، ثم تذبح خروفاً وتعمل على طهيه، وبعد ذلك تبدأ مراحل أخرى لتهيئة الصوف، وجعله صالحاً لصنع بيت الشعر أو السدو وغيرها من الاستعمالات اليومية التي كانت تشكل أساسيات الحياة آنذاك، فحياتها ثمرة جهد وتعب منذ الصغر، حيث إن الفتاة يجب أن تتقن شؤون البيت إلى جانب الحرف، لتكون قادرة على تحمل المسؤولية الكبيرة عند الانتقال للعيش في بيت زوجها.

  •  مريم محمد تمتلك أسرار الخلطات العطرية
    مريم محمد تمتلك أسرار الخلطات العطرية

خبرة واسعة
المرأة الإماراتية، لم يكن دافعها دائماً توفير ما تحتاجه من أدوات عبر الحرف التقليدية، ولكن أيضاً تبحث عن الجمال، فرغم صعوبة العيش كانت تخصص مساحة للجمال والتطيب والتزين، حيث قالت مريم محمد، والتي تعمل بالاتحاد النسائي العام منذ 30 عاماً، إنها تمتلك خبرة واسعة في صناعة الدخون، وهي حرفة تعلمتها من جداتها وأمها وجاراتها وامتلكت أسرارها، موضحة أن الأمهات في السابق رغم انشغالاتهن الكثيرة، إلا أنهن كن دائمات الإبداع والبحث عن مواطن الجمال، وكن يقسمن أوقاتهن، بين العمل في البيت وخارجه.