إبراهيم الملا

«حال الكرى عنّي وملّت مضاجعي / وانهلّ دمعي من عياني سواكبه
إلى من دعاني له غريم وصابني / خلّ دعاه البال والقلب هاج به
همٍّ تِبَلّاني طويلٍ وضرّني / غدّارْ وانهلّت عليه مصايبه
مِنْ حبّ رعبوبٍ ليا في حشاشتي / مزج الرضايب من عجايب شرايبه»

يأخذنا الشاعر الكبير «يعقوب الحاتمي» في قصيدته هذه إلى مساحة تعبيرية خصبة، يتجلّى فيها خياله الشعري المتضامن مع التشكيل البصري واستدعاء التفاصيل الدقيقة لحالات العاشق وتحولاته تبعاً لمجريات الهوى بمدّه وانحساره، وهياجه وخفوته، واضطرامه وهدأته، فهو يبدأ قصيدته انطلاقاً من اللبس وبعيداً عن التبيان، واصفاً نفسه وهو قابع في وسط الليل وفي منتصف العتمة، يتخطّفه الأرق، ويجافيه الكرى حتى ملّت منه مضاجعه، ويزداد الأمر سوءاً مع انسكاب دموعه الفائضة من أعماق جريحة، فهي دموع أقرب إلى النزيف بتأثيره الافتراضي ودلالاته النفسية، ويؤكد الحاتمي في البيت الثاني من قصيدته عنف هذا التحوّل المضادّ للطبيعة الفطرية لدى البشر، عندما يشير إلى أن المصاب بداء الغرام، هو شخص في حالة هياج مستمر ولا فرق عنده بين ليل ونهار، ونوم واستيقاظ، فكل الأوقات واحدة وكل الأماكن محاصرة بضباب الوجد، ووحشة الغياب، مضيفاً أن الهمّ الطويل أضرّه وانهالت عليه مصائبه، وأن سبب هذه البلوى هي المرأة الرعبوب «البيضاء والممشوقة القوام»، والتي يشبه رضابها لذيذ الشراب وعجيب الراح، وهي التي استقرّت صورتها في الجوف والحشا، وما عاد هناك مهرب أو منفذ للخروج من هذا المصاب أو تخفيفه.

يكمل الحاتمي قصيدته العذبة قائلاً:
«رضاه يشفيني وهجره يضرّني /‏‏ يدعي فؤادي مشعلات لهايبه
لو هو درى بي ويدري بعلّتي /‏‏ ما ظن يتعبني ولا القلب شاهْبَه
خلٍ تِولّى فوق مَجْدٍ تعلّى /‏‏ كم با تِسلّى ومْرِضي من سبايبه
دنى لي وأدنى لي صوابه وصابني /‏‏ بنبْله رماني من عجايب مآربه»

تتّضح في هذه الأبيات قدرة «الحاتمي» اللافتة على استثمار الطاقة التخيلية للمفردة النبطية ذات المنبع الفصيح، وتوظيفها تالياً لتطوير البناء الشعري ونقله إلى مستوى أكثر بهاء وإشراقاً، سواء فيما يخص الشكل البلاغي أو المحتوى الدلالي، فهو يقودنا نحو المعاني الراقية والتوصيفات المدهشة، متنقلاً برشاقة بين العبارة والمعنى، مستفيداً في ذلك من الخزين اللغوي الوافر لديه، ومن افتتانه الذاتي بالزخرفة والاشتقاق والإبدال والاستعارة والتورية، كما في قوله: «خلٍ تولّى فوق مجدٍ تعلّى» وقوله: «دنى لي وأدنى له صوابه وصابني»، ولأن الفصاحة أشمل من البلاغة، استطاع يعقوب الحاتمي أن يستخلص من البلاغة رحيقها الصافي، بينما غرف من الفصاحة ما استطاع، حتى فاضت عليه الكلمات وازدحم في معيّته القول، وصار شاعراً فريداً ومتفرّداً في المشهدين الشعريين القديم والحديث، مشكّلاً وسط أسماء الشعراء الإماراتيين قامة عالية بنتاجها الخاص، المستفيد من جماليات البيئة المحلية ومكوناتها وتمايزها، واشتباكها بالبيئة البحرية من جهة، وبالبيئة الصحراوية من جهة أخرى، معزّزاً شعره أيضاً ببدائع اللهجة الشعبية وكنوز العربية الفصحى، ليصبح نسيج وحده في هذا المشهد الشعري المتنوع بأغراضه واتجاهاته، خصوصاً أن الفترة التي عاشها الحاتمي أواسط القرن التاسع العشر، كان لها دور حيوي في إثراء تجربته الشعرية وضخّها بمرئيات وشواهد لم يظفر بها شاعر غيره.
وتناول عدّة شعراء وباحثين السيرة الحياتية والإبداعية للحاتمي، منهم الأديب حمد خليفة بوشهاب الذي جمع ووثّق عدداً من قصائد الحاتمي في كتابه: «تراثنا من الشعر الشعبي»، أما الشاعر والباحث سلطان العميمي، فقد أصدر كتاباً في العام 2009م بعنوان: «يعقوب الحاتمي: سيرته وأشعاره» في طبعة ثانية مُزيّدة ومنقّحة، مستنداً إلى مخطوطة لأحد المدونين بإمارة عجمان، ضمت قصائد فصيحة وأخرى نبطية غير منشورة ولا معروفة للحاتمي، وكانت هذه المخطوطة - كما يشير العميمي - هي المحرك الأساسي له للبحث عن المزيد من أشعاره، والبحث عن حياته وسيرته التي كادت تمحى من الذاكرة الشعبية، كما اعتمد العميمي في كتابه على مرويّات عدد من الحفّاظ في إمارة أم القيوين، وهم رواة مارسوا مهنة صيد السمك والغوص، واحتفظت ذاكرتهم بالكثير من قصائد الحاتمي المتعلقة بوصف البحر ومعاناة الغوص، واستفاد العميمي أيضاً من الروايات والقصائد التي ذكرها له ابن حفيد الشاعر وهو عبدالله بن يعقوب بن عبدالله بن يعقوب بن يوسف الحاتمي، والذي أوضح له أن اسم الحاتمي هو لقب عرف به جده الكبير، نظراً لكرمه الشديد وإنفاقه غير المحدود، لذلك شُبّه بحاتم الطائي في كرمه، أي أنه ذو كرمٍ حاتميّ.
ويرد في الكتاب أن الحاتمي هو أول من جمع بين النظم في الشعرين الفصيح والنبطي، وله قصب السبق والريادة في ذلك، وأورد الشاعر طلال السعيد اسم يعقوب الحاتمي بوصفه أحد أبرز الشعراء في الخليج في كتابه «موسوعة أعلام الشعر النبطي بالخليج»، وأن أول ما نشر له من أشعار مطبوعة في ديوان كان من خلال الكتاب الصادر في أواخر الستينيات تحت عنوان: «باقة من الشعر النبطي الناجم عن شعراء الخليج» للمؤلف والشاعر أحمد الهاملي، كما أن الشاعر الإماراتي أحمد أمين المدني كان قد دوّن جانباً من سيرة حياة الحاتمي في كتابه: «الشعر الشعبي في الإمارات: نشأته وتطوره»، بجانب باحثين ورواة آخرين ذكروه في كتبهم ومروياتهم مثل الباحث بلال البدور، والباحث الدكتور حمّاد الخاطري، والراوي علي الشويخ، والراوي حمد بن جمعة بن خميس بالشوك، وغيرهم.
من القصائد التي كتبها الحاتمي باللغة الفصحى، تلك التي يقول فيها:
«جار الزمان وليس فيه منادما /‏‏ يحكي بما يصبو إليه الفاهما
عجب المقال وليس قول نافع /‏‏ فيهم وليس لمثلها متكلّما
جار الزمان وما استدلّ بأهله /‏‏ وأنا الذي من جوره متألما
واحسرتي يا ليتني لو كنت من /‏‏ أهل الزمان الماضي المتقدّما»

وكما يذكر العميمي، فإن قصائد الحاتمي الفصيحة، يمكن وصفها بالشعر «النحوي» في مقابل الشعر النبطي، ذلك أن الشعر النحوي الذي أنتجه شعراء النبط المشهورين محلياً مثل راشد الخضر، وعلي بن قنبر وأحمد بن علي الكندي، وأحمد بن خليفة الهاملي وغيرهم، ظهر أصلاً في بيئات غلب عليها الشعر النبطي، وتخفّ فيه القواعد المتعلقة بالنحو والصرف، ويؤكد العميمي أن الأخطاء التي تقع في القوافي لمثل هذه القصائد الفصحى هي أخطاء نابعة من عدم إتقان معظم الشعراء الشعبيين القدامى للقواعد اللغوية، كما أن الكثير من المخطوطات لم تدوّن من قبل الشعراء أنفسهم، وقد تكون الأخطاء سببها المدوّن نفسه، وكذلك سقوط بعض الكلمات، والنقص والزيادة أثناء عملية التدوين، ما تسبّب في حدوث تغييرات كثيرة في البناء العام للقصائد الأصلية قبل تدوينها.

وثيقة تاريخية
من القصائد المهمة والشهيرة للشاعر يعقوب الحاتمي، تلك التي ذكر فيها مجريات حادثة الغرق المأساوية لسفينة «العِلِويْ»، وهي من نوع سفن: «البِغَلَة» التجارية المعروفة محلياً، وقد تمت صناعتها في إمارة القيوين، وكانت ملكاً للشيخ أحمد بن عبدالله المعلّا، واسم «العلوي» هنا مشتقّ من العلو والارتفاع، حيث غرقت السفينة أثناء عودتها لمياه الخليج، بعد ذهابها للبصرة ومرورها بالهند، وهي محملة بأجود أنواع التمور وأفخر أنواع الأقمشة الهندية والمقتنيات النفيسة، وكان الموقع الذي غرقت فيه السفينة عام 1904م هو موقع يسمى «شِعْب المروتي» بين اليمن وسلطنة عمان، وشعب المروتي هو بروز صخري تحت مياه البحر مكوّن من الشعب المرجانية الضخمة، وعندما وصلت السفينة، وهي متهالكة ومحطّمة إلى الساحل، تم نهب محتوياتها الثمينة وسرقة كل بضائعها والاعتداء على من بقي حيّاً من روّادها، وبعد معاناة طويلة عاشها الناجون من المأساة، تم نقلهم إلى بلدانهم من قبل بحّارة خيّرين ساعدوهم على تجاوز هذه المحنة الكبيرة، وكان من ضمن الناجين الشاعر يعقوب الحاتمي، الذي أورد في قصيدته: «المروتي» حيثيات تاريخية وتوثيقية بالغة الأهمية للدارسين والباحثين في شؤون المنطقة، ويستدعي الحاتمي في قصيدته هذه مشاهد الكارثة بدقّة، مع ذكر أسماء المناطق التي عبرتها السفينة، والمنظر المهيب للحظة اصطدام السفينة بالشعب المرجانية الضخمة، وكذلك محتويات السفينة، وهوية الجناة الذين نهبوا محتوياتها، ولحظات الرعب والجوع والعطش التي عاشها من تبقى من ركّاب السفينة بعد انجرافها ووصول بقاياها إلى الساحل.
يقول الحاتمي في قصيدته الطويلة «المروتي» التي اخترنا مقتطفات منها:
«عزّات مالٍ تَلِّفَهْ لمروتي /‏‏ وأهله استداروا في بطون الحوتِ
الله واكبْر يوم حلّ قضاهم /‏‏ لجّوْا كما يوم الحشر بالصوتِ
بالصوت نادوا يا إله العونه /‏‏ لَجّوْا جميع وخالجي يدعونه
كم واحدٍ تمّوا هله يلعونه /‏‏ يا اللي ظهر فاز بعمر مبخوتِ
مبخوت لي لاث وظهر ع الساحل /‏‏ وآزم مع الصومال فيهم فاحل
الروح قالت وين أطير وبا حلّ /‏‏ خوفي عليهم من الغرق والموتِ
يا أخوانيه هذا عليكم جاري /‏‏ أمر من الله الكريم الباري
آه يا صناديق غدت سِمّارِ /‏‏ هذاك متروس وذا مصموتِ
باتوا ربعيه يِتِّلون العافي /‏‏ يمشون جمله لا هِدّمْ ولحافِ
واللي يحكي منّا بحسّ خافي /‏‏ وإلا البقايا صامتين سكوتِ»

عاش 90 عاماًً
ولد الشاعر يعقوب بن يوسف بن أحمد آل علي الملقّب بيعقوب الحاتمي في إمارة أم القيوين العام 1815م، وتوفي في العام 1905م تقريباً، وبالتالي فقد عاش تسعين عاماً شهد خلالها الكثير من التحولات الكبرى والتغيرات المحورية في المنطقة.