محمد نجيم (الرباط)

نظم متحف بنك المغرب بالرباط، أحد المعارض المهمة وغير المسبوقة حول مدينة «أغمات»، التي كانت إحدى العواصم المغربية وعاصمة للتجارة التي تربط بن المشرق والمغرب في العصر الوسيط، وكانت إحدى المدن المغربية التي تُضرب فيها العملات في عهدي الأدارسة والمرابطين.
وتقع «أغمات» على الضفة اليسرى لوادي أوريكة القريب من مراكش، وحسب روايات النصوص العربية القديمة، فإن «أغمات» مدينة أزلية جعل منها موقعها الاستراتيجي بمصب وادي أوريكة بسهل الحوز، موضعاً تتوفر به الموارد المائية الوفيرة والأراضي الخصبة، مما‏‭ ‬مكنها ‬من ‬تطوير ‬فلاحة ‬مسقية ‬على ‬نطاق ‬واسع ‬منذ ‬تأسيسها.
أسهمت ‬التجارة ‬المزدهرة ‬في «أغمات» ‬في ‬تطور ‬نشاطات ‬حرفية ‬هامة، ‬من ‬بينها ‬المنتجات ‬الخزفية، ‬والزجاجية، ‬والجلدية.
واكتشفت ‬مجموعات ‬خزفية ‬راقية ‬ذات ‬زخرفة ‬الحبل ‬اليابس، ‬والعقيق، ‬وبعض ‬الأواني ‬الزجاجية، ‬وكلها ‬مصنوعة ‬محلياً، ‬وقد ‬مكنت ‬التجارة ‬من ‬استيراد ‬منتجات ‬من ‬مناطق ‬بعيدة، ‬خاصة ‬أن ‬سكان «‬أغمات» ‬يفضلون اقتناء ‬المنتجات ‬الراقية ‬خاصة ‬الآتية ‬من ‬إفريقيا. وفي شهادة افتتح بها المعرض ندوته الكبرى، قال الباحث عبد الله فيلي: إذا كان تأسيس مراكش لم يؤد إلى فقدان «أغمات» لمكانتها، فإنه قد حرمها نهائياً من إمكانيات التطور، إذ انتهى بها المطاف، بعد حكم الموحدين والمرينيين الأوائل، إلى التراجع بسبب الأزمة التي ضربت المغرب نهاية القرن الرابع عشر الميلادي، وخلال القرن 16م، استعادت المدينة بعضاً من نشاطها، لكن على منوال مغاير لسابق عهدها.

  • حفريات في أغمات (الصور من المصدر)
    حفريات في أغمات (الصور من المصدر)

حفريات أثرية
وأضاف: «أغمات» تشتهر بكونها مدينة زينب النفزاوية، الشخصية السياسية المحلية التي علا شأنها طيلة ما يناهز نصف قرن من الزمن، موضحاً أنه في سنة 1964، أقيمت بها أبحاث ميدانية مكنت من وضع خريطة للعناصر الأولى لبقايا السور الوسيطي الذي كان يحيط بمجالها، أما الحفريات الأثرية الأولى فلم تنطلق بها إلا ابتداءً من سنة 1997 من خلال برنامج حول «أصول المدينة الإسلامية بالمغرب».
وشهد الموقع أبحاثاً أركيولوجية جديدة بدءاً من سنة 2005، وهي التي تركزت في منطقة الحمام قبل أن تتمدد نحو الجنوب والجنوب الشرقي لتغطي اليوم مساحة تناهز 3000 متر مربع، وكشفت عن القلب النابض للمدينة الوسيطية، حيث تتركز معالمها المعمارية الكبرى: المسجد الجامع ودار الوضوء فيه «القبة»، القصر، والحي السكني الراقي.
أما الباحث في المجال التاريخي والمَتْحفي رضوان خديد، فقد اعتبر أن «أغمات» كانت إلى وقت قريب أسيرة متخيل بسبب انعدام الدراسات الأثرية الشافية، وغلبة المرويات بخصوص وقائع ترحيل الأمير والشاعر الأندلسي المعتمد بن عباد إليها ودفنه بها، حتى صار ضريحه هو كل «أغمات».

  • من المعرض
    من المعرض

مدينة تاريخية 
وعززت كتابات مشرقية ومغربية هذه الصورة المحدودة بخصوص مدينة تاريخية من مدن المغرب، حتى ساد الاعتقاد طويلاً أن أغمات هي الضريح، وصار الضريح هو كل المدينة أو كاد، فإذا كان خبر المعتمد معروفاً ومثار جدل قديم، فإنه ليس سوى نزر قليل من وقائع عرفتها المدينة عبر تاريخها الطويل، وهو للأسف تاريخ افتقد طويلاً للبراهين الأركيولوجية وللأدلة المادية.
وقدم المعرض صوراً عالية الجدوة التقطتها عدسة البعثة الأثرية لتقريب المتلقي من مدينة مغربية كانت إحدى العواصم المزدهرة وقبل أن يطويها النسيان، كما تقدم عينة من الأدلة التاريخية والوثائقية التقنية والجمالية أدلة على أن الحضارة التي تجلت في صورة فاتنة في عواصم المغرب العريقة منشؤها تلك المدن نفسها «فاس، مراكش....» بتفاعل طبعاً مع مؤثرات مشرقية وأندلسية، لكن الأهم أن التربة المغربية ساهمت باستمرار بنصيب أوفى من مظاهر الحضارة.