إعداد: د. شريف عرفة

هناك من لا ينسى الإساءة أبداً.. ومهما مرت السنوات، تظل هذه الذكرى نابضة في أعماقه لتكدر صفو حياته.. وهناك من يتبع طريق العفو والصفح والمغفرة.. أن تسامح شخصاً أساء إليك، لهو أمر صعب ومعقد، لكنه مهارة من المفيد تعلمها، بل وحتى غرسها في الأطفال الصغار من أجل صحة نفسية أفضل.
هذا ما يؤكده الباحث روبرت إنرايت الأستاذ بجامعة ويسكونسن ماديسون، في كتابه الأكاديمي «العلاج بالمغفرة: دليل تجريبي لمحو الغضب واستعادة الأمل» الصادر عن الجمعية الأميركية لعلم النفس.. عبر فصول هذا الكتاب نجد أدلة عملية على كون المغفرة أمراً مفيداً للصحة النفسية وتحقق الكثير من المكاسب النفسية.. لدرجة أن في الإمكان استخدامها في العلاج النفسي للتعامل مع طيف واسع من الاضطرابات النفسية مثل الاكتئاب والقلق والإدمان.. بالإضافة لتحسين العلاقات الأسرية والزوجية.

علاقات أفضل
اجترار الضغائن وتذكر الإساءة واستعادتها في كل لحظة يعيق الزوجين عن الحفاظ على مشاعر طيبة تجاه بعضهم بسبب زلات ولت وانتهت، ومسامحة الوالدين على تقصيرهما البشري في طفولتنا أمر ضروري ليواصل المرء المضي قدماً في رحلة نضجه النفسي.. وهكذا.

مفيد للأطفال
يتعرض الأطفال أحياناً للأذى أو الخيانة من قبل الأطفال الآخرين.. وينصح الكتاب بتعليم الأطفال التسامح والمغفرة لمساعدتهم على تصور حلول سلمية للمشكلات، بدلاً من الصدام، بالإضافة لمساعدتهم في التعافي النفسي من جراء الإساءة..
فقد وجدت الدراسات أن الأطفال والمراهقين الذين يتعلمون الغفران، يصبحون أكثر تسامحاً وأملاً تجاه الغد، وتعاطفاً مع الغير.. بالإضافة لتقليل فرص إصابتهم بالاكتئاب ومشاعر الغضب، والرغبة في العدوان والعنف.. بالإضافة لزيادة السعادة في الحياة عموماً، وكذلك تحسين الأداء الدراسي أيضاً!
لكن.. ما معنى أن تسامح شخصاً أساء إليك؟

حدود المغفرة
المغفرة لا تعني التخلي عن الحق.. أو السكوت عن الإيذاء.. بل تعني التخلص من الأذى الشديد والمشاعر السلبية، مثل: الحزن، والغضب، والاستياء، والغل، والبغض، والكراهية، والوقوع في دوامة الانتقام المتبادل والرغبة في الإيذاء والتشفي.. لأن هذه المشاعر تؤذي صاحبها وتأخذ حيزاً كبيراً من تفكيره وطاقته وتمنعه من الاستمتاع بحياته وطي صفحة الماضي.
باختصار، ضع الأمور في نصابها.. فالمغفرة لا تعني الاستمرار في علاقة مؤذية مع شخص مستغل أو سيئ الخلق، بل تعني تنقية قلبك من البغض والكراهية بعد انتهاء هذه العلاقة!

التدريب
مفتاح التحلي بهذه المهارة النفسية هو أن تعامل الناس بما أنت أهل له، لا بما هم أهل له. فسلوكك عنوان أخلاقك أنت وليس انعكاساً لأخلاق غيرك. بدءاً من سن السادسة، يمكن تعليم الأطفال أشياء مثل: عندما يغفر الناس يصبحون لطفاء مع الذين ليسوا لطفاء معهم. عندما يغفر الناس، فإنهم يحاولون إظهار الاحترام للذين لم يظهروا الاحترام لهم. عندما يغفر الناس، فإنهم يحاولون أن يكونوا كرماء مع الذين لم يكونوا كرماء معهم. عندما يغفر الناس، فإنهم يحاولون أن يكونوا محبين لأفراد أسرهم حتى لو لم يكن أفراد الأسرة لطفاء دائماً.. تهدف هذه الأمثلة لتوضيح أن الإنسان الجيد، لن يصبح سيئاً في تصرفاته لمجرد أن الآخرين سيئون.. فالطفل المتنمر في المدرسة، يمكننا تجنبه والابتعاد عنه وعدم اللعب معه، بدلاً من الانشغال بكراهيته والرغبة في الانتقام منه والاعتداء عليه.. بل يمكن الشعور بالشفقة تجاهه لسوء تربيته مثلاً!
قد يبدو هذا المفهوم جديداً على البعض، لكن قد تكون له تداعيات مفيدة على صحتنا النفسية حين يتم تطبيقه في السياق المناسب، حسبما تؤكد دراسات نفسية عديدة.