شريف عرفة

ما يميز كثيراً من الناجحين الذين عرفتهم عن قرب أو تأملت تفاصيل حياتهم، هو اندماجهم التام في عملهم الذي يقومون به، إخلاصهم وتفانيهم فيه لدرجة اعتباره أمراً شخصياً لا يمكن فصله عن هويتهم الذاتية.. كانت المعمارية الكبيرة زها حديد تردد دوماً أنها لا تجد فارقاً بين حياتها الشخصية وعملها، بعد أن تلاشى الخط الفاصل بينهما بالتدريج ليصبح العمل هو حياتها.. نمط متكرر نراه كثيراً، ويساعد في توجيه كافة طاقة المرء الذهنية في عمله، وهو ما ينعكس في تحقيق نجاح مهني قد يفوق من لا يتبنى هذه العقلية..
إلا أن له أضراراً جسيمة ينبغي أن تؤخذ في الحسبان..
ليس النجاح دائماً.. بل كرسم بياني يتذبذب صعوداً وهبوطاً.. رغم أن قصص الناجحين تركز على نجاحاتهم، إلا أن إخفاقاتهم ربما تفوقها في كثير من الأحيان.. بدءاً من إخفاقات آينشتاين ونظرياته الخاطئة، وصولاً لإخفاقات شركة جوجل ومشاريعها الفاشلة الكثيرة «جوجل بلَس على سبيل المثال لا الحصر»..
ليس النجاح أبدياً، لأن الفشل جزء من التجربة.. الأديب الناجح قد يخفق في روايته القادمة، والمدير الناجح قد يترك منصبه في يوم من الأيام، واللاعب المحترف قد يخسر فريقه.. هذه طبائع الأمور.. لهذا، فإن توحد الإنسان مع منصبه، أو شهرته، أو إنجازه، يؤدي لاضطراب تقديره الذاتي صعوداً وهبوطاً مع تفاوت النجاح المهني المتقلب بطبيعة الحال، والذي قد يحدث لأسباب خارجة عن إرادته أصلاً.. لا ينبغي لتقديرك الذاتي أن يكون نابعاً من مصدر خارجي.. من مبيعات كتبه أو حصوله على ترقية أو فوز فريقه.
فما العمل إذن؟
حافظ على هويتك الذاتية، وتذكر دائماً أنك لست عملك.. ولست منصبك.. ولست تصفيق الناس لك ومباركتهم لنجاحك.. أنت الحقيقي هو من تجده حين تخلو لنفسك بعيداً عن مكتبك أو ملعبك أو ساحة إنجازاتك، وكل هذه الضوضاء..
فمن أنت؟ هل تعرفه حقاً؟
لو وجدت أن هذا الشخص قد ضاع في غمرة الانشغال في العمل، فقم بإنقاذه من وسط ركامك النفسي.. انفض عنه غبار العمل وأعباء الحياة واستعد نفسك.. هذا ضمان حقيقي لجعل معنى حياتك وتقديرك الذاتي نابعاً من ذاتك، لا من البيئة الخارجية.
هناك من يستعيد إحساسه بذاته عن طريق التأمل، أو الصلاة، أو ممارسة هواية أو نزهة يومية على القدمين في حديقة.. كان الرئيس الأميركي جيمي كارتر يهوى النجارة وصنع الكراسي، وتوم هاكس يحب جمع الآلات الكاتبة القديمة، كان الروائي د. أحمد خالد توفيق يهوى الموسيقى والرسم..
كثير من الناس يكتئبون حين يتركون مناصبهم أو يتخلى جمهورهم عنهم.. إلا أن كثيرين يجدونها فرصة لممارسة أمور أخرى يحبونها، والاختلاء لأنفسهم التي يعتبرونها منبع التقدير الذاتي ومعنى الحياة.