ساسي جبيل (تونس)

لصناعة مشموم الفل والياسمين في تونس طقوس تصعب على الكثيرين، إذ لا يتقنها إلاّ من تمرّسوا عليها منذ الصغر، خاصة أن هذه الصناعة تمرّ بعديد المراحل خلافاً لما قد يبدو عليه الأمر للوهلة الأولى، وذلك بداية من عملية قطف حبات الفل والياسمين من المزارع والحدائق حتى المنازل، التي تزرع فيها هاتان الزهرتان الفواحتان، وذلك في ساعات مبكرة من كل صباح، قبل أن تداهمها أشعة الشمس، على أن يتم نقع كل زهرة بعد ذلك في القليل من الماء حتى لا تذبل ولا تفقد بريقها.

صناعة تقليدية
والمشموم التونسي، الذي يعتبر صناعة تقليدية تعود إلى الثلاثينيات، هو عبارة عن باقة تتكون من أزرار - أو أكمام زهرات الفل أو الياسمين أو كليهما معاً، تتميز ببياضها الناصع ورائحتها الفواحة ويحملها الرجال والنساء على السواء، إما في اليد أو فوق إحدى الأذنين أو في جيب القميص، وما أن تفتح أزهارها حتى تزداد جاذبية عطرها.
ويعتبر الفلّ والياسمين من رموز تونس الجمال والفرح، حيث إنّ لهاتين الزهرتين عشاقهما في كلّ أنحاء البلاد، ما جعل حدائق المنازل تزخر بأشجار الفلّ والياسمين، وخاصة في ضاحية رادس «جنوب العاصمة» التي أصبح للياسمين فيها مهرجانه، وكذلك مدينة الحمامات «60 كلم جنوب شرقي العاصمة»، وأيضاً المنستير وقصر هلال والمكنين وطبلبة ولمطة «وسط شرقي البلاد»، التي انتقلت إليها غراسة الفلّ والياسمين بالتكاثر الزراعي، حيث المناخ الساحليّ المعتدل.
وعادةً ما تزرع هاتان الزهرتان، في الحدائق الخارجية لتمتد على أسوار المنازل، وتطلّ على الشوارع برائحتها الزكيّة ولونها الأبيض الساحر، كما لا يمكن الفصل مطلقاً بين الفلّ والياسمين، حيث ارتبطت النبتتان برباط تاريخيّ قويّ ومتين، جعلتهما يكونا رمز الفرح طيلة العام، وخاصة خلال فصل الصيف التي تتعدد فيه المهرجانات والتظاهرات على مختلفها، فضلاً عن الأعراس بشكل عام.

تصدير
وتعتبر صناعة «مشموم الفل والياسمين» من أهم الحرف التي تشغّل مئات العائلات، والتي يتضاعف عددها خمس مرات وأكثر خلال فصل الصيف خصوصاً، ومن جهة أخرى تساهم هذه الصناعة في الدورة الاقتصادية الوطنيّة، بعد أن أصبحت حرفة تصديريّة، وفق التاجر حسن الحمامي، والذي أكد أن هذه الحرفة تعد قديمة جداً رغم تجددها.

مكانة
وقال محمد عبدالله، وهو أحد أبرز المختصين في تنسيق أكاليل الزهور بتونس: إن «المشموم التونسي» وصل إلى باريس وروما وبرلين وبعض العواصم الأوروبية الأخرى، كما وصل حتى الصين واليابان، ويباع هناك حيث يقبل عليه التونسيون والعرب المهاجرون وأيضاً الأجانب على مختلف جنسياتهم»، مضيفاً أن «المشموم التونسي» في الظروف العادية البعيدة عن طوارئ جائحة «الكورونا»، كان له صيته وإشعاعه العالمي، وبالتالي كان يدرّ الأموال الكثيرة على المصدرين، مبرزاً أنه وبشكل أو بآخر يبقى للمشموم عامة في تونس، ولزهرتي الفلّ والياسمين خاصة حظوة كبيرة ومكانة مرموقة.
وأشار إلى أن أهمية «المشموم» التونسي، جعلت ضاحية رادس، التي تنتشر فيها زراعة الياسمين بشكل كبير تدخل العام 2007، موسوعة غينيس للأرقام القياسية، لصنعها أكبر «مشموم» ياسمين في العالم، وذلك من خلال استخدام أكثر من 23 ألف زهرة ياسمين.