هناء الحمادي (أبوظبي)

انطلق مهرجان الشيخ زايد بمنطقة الوثبة في أبوظبي، ووسط حضور جماهيري من جميع الجنسيات والأعمار، توافدوا على ساحة المهرجان في جولات استكشافية بين ثقافات وحضارات العالم عبر أجنحة الدول المشاركة، التي تنوعت إسهاماتها بين تقديم عروض حية من حرفها الشعبية وفنونها الفولكلورية وجوانب من ثقافتها المختلفة، في حين نال الإرث الأصيل من العادات والتقاليد الإماراتية اهتماماً بالغاً من زوار المهرجان الذي يحمل رسائل تعليمية وتثقيفية تهدف إلى صون التراث الإماراتي والاعتزاز به، مؤكداً غنى هذا التراث وأن الإمارات ملتقى الشعوب والحضارات وأن رسالتها إلى العالم محبة وسلام وتسامح، وهو ما حرص منظمو المهرجان على إبرازه في دورته الحالية.

يتمثل التراث الإماراتي في «العادات والتقاليد» المتوارثة من جيل إلى آخر، وتستند هذه التقاليد بشكل أساسي إلى العادات العربية الأصيلة، حيث لا زال أهل الإمارات متمسكين بتراثها العريق وتاريخها، ويفخر الشعب الإماراتي بتراثه الموروث عن أجداده وآبائه، والذي يرسخ لدى أبناء الجيل الصاعد مقومات الهوية وأصالة التراث العربي وسط البيئات المختلفة، التي تضمّ أكثر من 200 جنسية من مختلف دول العالم. وخلال زيارة إلى مهرجان الشيخ زايد يتأمل الزائر تلك العادات في المأكل والملبس والحرف التقليدية، التي تصون التقاليد، ولا زال الكثير من كبار المواطنين يعززون ذلك، من خلال عروضهم الحية في المهرجان لأهم تلك الحرف التقليدية. 

  • معروضات تراثية تزهو في المهرجان
    معروضات تراثية تزهو في المهرجان

صناعة الديين
بكل حب يعمل علي محمد آل علي في حرفته التراثية التي تؤكد مدى براعته في حياكتها، بطريقة تنم عن خبرة طويلة في صناعة «الديين».. ولطالما مثل البحر شريان الحياة في الماضي، إذ كان أهل البحر يعدونه المصدر الأساسي للرزق، وفيه الكثير من الخيرات الثمينة ومنها «اللؤلؤ»، الذي كان يعد الثروة الوحيدة، ولاسيما في ظل تركز سكان دولة الإمارات في المناطق الساحلية للخليج العربي.
ويقول آل علي: في رحلات الغوص، غالباً ما يتكون طاقم السفينة من عدة أشخاص لكل واحد منهم مهمته الخاصة والمكملة للآخر، وهم: النوخذة قائد السفينة والمخطط الأساسي لسير الرحلة، والمجدِّمي، الذي يحل محل النوخذة ويجلس في مقدمة السفينة، والسيب معاون الغواص، والسكوني الذي يمسك دفة السفينة، والمطوع الذي يذكر البحارة بذكر الله ويؤم الصلاة بهم، بالإضافة إلى الصبية الذين يسمون الرضيف، ويقومون ببعض الأعمال المساعدة، فضلاً عن النهام، والطباخ الذي يطبخ لطاقم السفينة.

  • علي محمد آل علي يمارس حرفة عمل الديين
    علي محمد آل علي يمارس حرفة عمل الديين

ويضيف: كل منهم يقوم بعمل وبأدواته، فعندما يستيقظ البحارة في الصباح الباكر يصلون جماعة، ثم ينهضون إلى العمل، فمنهم من يواصل فلق المحار، ومنهم من يغوص بحثاً عنه، ويقوم «السيب» بسحب الغواص عندما يتلقى إشارة منه، وتسمى تلك الإشارة النبرة، حيث يخرج الغواص وهو يحمل «الديين» وهو كيس مصنوع من خيوط مشبكة به عروة يعلقه الغواص برقبته أو بحبل «اليدا»، وعادة ما يضع الغواص في رجله حصاة من الرصاص تساعده في الغطس إلى قاع البحر، وعندما يصل إلى القاع يتخلص منها، فيسحبها السيب إلى أعلى ويبقى الغواص متمسكاً بحبل الإنقاذ «اليدا»، ويلبس الغواص في أصابعه ما يسمى «الخبط» لحماية أصابعه من الأذى والجروح عند اقتلاع المحار من بين الصخر، وعندما يكون هناك «دول»، وهو حيوان هلامي يلسع لسعة مؤذية، يقوم الغواصون بارتداء «لبس» وهو رداء مكون من قميص وسروال يغطي أجسامهم، ويقيها من تلك اللسعات.  
ويضيف: يمنع الغواصون من شرب الماء الزائد لأنه يؤثر في سرعة وصولهم إلى قاع البحر، فالماء يؤدي إلى انتفاخ بطونهم، وتتم عملية الغطس بالتناوب، فتأخذ المجموعة التي غطست قسطاً من الراحة، وهي وقفة قصيرة يسترجعون فيها أنفاسهم ويجففون أجسامهم، ويمكن لبعضهم أن يتناول فنجاناً من القهوة، ثم يعودون إلى الغوص حتى تحين صلاة المغرب، التي تعلن انتهاء يوم العمل الشاق.

  • سالم الفلاسي في عرض حي لصنع القراقير
    سالم الفلاسي في عرض حي لصنع القراقير

القراقير
ولصيد السمك هناك الكثير من أدوات الصيد التي يستخدمها البحارة، ولكن تظل «القراقير» واحدة من تلك الأدوات التي لا غنى عنها في عرض البحر.. ومن يقترب من سالم محمد الفلاسي، وهو منهمك بعمل ما بيديه من قرقور متوسط الحجم، يكتشف سر تمكنه من هذه الحرفة التي يقدمها في عرض حي أمام جمهور المهرجان. 
ويقول عن ذلك: «الدوابي» أو «القراقير» عبارة عن أقفاص لصيد الأسماك تلقى في البحر، بيضاوية الشكل، تبدو قاعدتها مسطحة من الأسفل، وفيها فتحة خرطومية تسمح بدخول الأسماك إلى الداخل بطريقة ذكية تمنع خروجها من القفص، كما يثبت فيها ثقل أو حجر كي تغطس إلى القاع، وتربط بعلاقة من الأعلى، كي يستدل إليها الصياد عند العودة لاستخراج الأسماك منها، وفي الماضي كانت القراقير تصنع من سعف النخيل، ولكن الآن استبدلت بالأسلاك المعدنية، وطولها يبدأ من نصف متر إلى مترين. ويطلق على كبيرة الحجم «الدوباية»، وتتميز «الدوابي» أو «القراقير» بإمكانية رميها على الشعاب المرجانية والصخور في القاع وسط المياه الضحلة لفترة قد تستغرق عدة أيام، وغالباً ما يكون الطعم في الداخل عبارة عن قطع من سمك السردين.

البزار الإماراتي
وما زالت العادات والتقاليد في الموروث الشعبي الإماراتي تعج بالكثير من التفاصيل، ومنها كيفية إعداد البهارات والطرق القديمة في صناعتها بكل حرفية، وخاصة بطريقة صفاء الشحي، في ورشتها وهي تقدم عرضاً حياً تفوح منه روائح زكية للبهارات المحلية، أو كما يطلق عليها «البزار».

  • صفاء الشحي تصنع البزار في المهرجان
    صفاء الشحي تصنع البزار في المهرجان

وتقول الشحي: البهارات المحلية ومطيبات الطعام من أبرز مكتسبات الثقافة الإماراتية والخليجية الناتجة عن تواصلها مع دول منتجة للبهارات، وقد عملت الثقافة المحلية على تطويرها وأضافت إليها لمسات خاصة. وعن رحلة إعداد البهارات تضيف: تبدأ رحلة صنع «البزار» عبر شراء مكوناته الأساسية، وهي السنوت وهو «الكمون» واليليلان «بذور الكزبرة المجففة»، وأخرى إضافية مثل القرفة والفلفل الأسود والكركم والفلفل الأحمر «الدراز»، وتكون جميع تلك المقادير على هيئة حبوب، يتم غسلها وتجفيفها من الماء، ثم يبدأ تجفيفها تحت أشعة الشمس، ويلي ذلك طحنها كلاً على حدة في «المنحاز» وهو الهاون النحاسي أو الخشبي، ثم يتم خلطها بمعايير دقيقة حسب الرغبة، أو اعتماداً على نوع الطبق الذي سيتم تحضيره، ويكون أساسها السنوت واليليلان كمكونين أساسيين، ثم تتم تباعاً إضافة النكهات الأخرى كالقرفة والفلفل الأسود والكركم، علماً بأن زيادة أو نقصان أي من تلك المكونات الثانوية، يؤدي إلى إحداث تغيير في طعم البهار.. مؤكدة: «لا يخلو أي بيت من تلك البهارات، فهي تضيف نكهة مختلفة ومذاقاً طيباً للكثير من الأكلات التراثية التي يشتهر بها أهل الإمارات».

  • للصقر مكانة كبيرة في الثقافة الأصيلة لأبناء الإمارات
    للصقر مكانة كبيرة في الثقافة الأصيلة لأبناء الإمارات

حرفة الغزل
حرفة المغزل من أبرز الحرف التي ما زال الكثير من الحرفيين متمسكين بها، والتي نشاهدها في الكثير من المهرجانات التراثية حفاظاً عليها من الاندثار، باعتبارها واحدة من أهم العادات والتقاليد التي ما زالت تمارس. 
وتقول حبيبة سعيد المنصوري، مشاركة في مهرجان الشيخ زايد: «اعتمد غزل القطن والصوف على أداة بسيطة هي المغزل المصنوع من أشجار (العوسج أو السدر) وهو دليل استثمار الأجداد لمفردات طبيعة بيئتهم البرية، بحيث كان المغزل مصنوعاً من أغصان وأخشاب الأشجار المحلية». وتعتبر مبرمة المغزل أداة الحياكة الرئيسة، وهي قطعة مصنوعة من أعواد الشجر المشذب الأملس، ويكون في أعلاها قطعة حديدية تسمى «السنارة» حيث تكون وظيفة المغزل الأساسية هي برم الصوف والقطن وشعر الماعز وغزله، والمغزل يباع في دكاكين السوق الشعبي بأسعار مناسبة، تشجيعاً لاستخدامه وإحياء التقاليد المتصلة به من غزل وتوضيب خصلات الصوف، ليتم بعدها استخدام منتجات الصوف والقطن المصنوعة يدوياً ومحلياً.

صناعة السدو
بالانتقال إلى الحرف التقليدية نرى مريم المنصوري المشاركة في جناح الاتحاد النسائي العام، تتقن حرفتها، حيث تعمل بصمت وتحرك يديها يميناً وشمالاً أثناء العمل على حرفة السدو.

  • مريم المنصوري تتقن حرفة السدو خلال مشاركتها في المهرجان  (تصوير: عادل النعيمي)
    مريم المنصوري تتقن حرفة السدو خلال مشاركتها في المهرجان (تصوير: عادل النعيمي)

وتقول بابتسامة وأمامها عدد من السياح يراقبون حركة يديها: السدو يشبه (النول) المستخدم في صناعة النسيج في بعض الدول العربية، ويتكون من أربع حدائد متصلة ببعضها بعضاً على شكل مستطيل، تشد على السدو الخيوط في الاتجاه الطولي، ثم تستخدم قطعة خشبية مربوطة بالخيوط بشكل عرضي، لإدخالها بين الخطوط الطولية، لنحصل في النهاية على الأشكال والزخارف المطلوبة، مشيرة إلى أن صناعة السدو تتم على وبر الإبل وصوف الماعز والأغنام، ومجموعة من المعدات منها، المغزل والأوتاد الخشبية.
وأوضحت أن المرأة اليوم أساس استمرار هذه الصناعة، والحفاظ عليها، كما أنها الأكثر إتقاناً لها.