تامر عبد الحميد (أبوظبي)

«ساحرة الجنوب»..«كفر دلهاب»..«جن»..«عندما يكتمل القمر»، بعض الأعمال الدرامية التلفزيونية التي قدمت في السنوات الأخيرة واحتوت على قصص رعب وتضمنت عوالم الخيال والظواهر الخارقة، وحالياً يُعرض عبر المنصة الرقمية «نتفليكس» عمل جديد من هذه النوعية من الدراما التلفزيونية، وهو «ما وراء الطبيعة» الذي يلعب بطولته أحمد أمين والمأخوذ من روايات السلسلة نفسها للكاتب الدكتور أحمد خالد توفيق.
وحسب ما أكده متخصصون، فإن ما تشهده الدراما العربية من تطور كبير في المستوى الفني لتنفيذ المسلسلات، التي تنوعت قصصها بين الأكشن والكوميدي والتراجيدي والاجتماعي وكذلك الوطني، والتي حاول من خلالها صناع الدراما خلق حالة فنية جديدة ومتفردة عبر الشاشة الفضية، إلا أنه لا يزال حضور دراما الرعب والماورئيات، التي تتضمن ظواهر خارقة وقصص ما وراء الطبيعة «خجولاً».. فما سبب ضعف حضورها، وأسباب عزوف المنتجين عند تنفيذها، ولماذا لا يتقبلها حتى الآن بعض المشاهدين في الوطن العربي؟.. أسئلة طرحتها «الاتحاد» في هذا الصدد، يجيب عنها بعض المخرجين والمنتجين وصناع الدراما التلفزيونية.

الدراما هي محاكاة للواقع، ومن واجب صناع الدراما التركيز على جميع الجوانب الحياتية التي تهم كل إنسان، بحسب ما أكده المنتج والممثل الدكتور حبيب غلوم، الذي قال: من المفترض علينا كصناع دراما أن نحاكي في أعمالنا الواقع الذي نعيشه، ونقدم القصص التي تهم الناس وتشغل بالهم، لكن هناك بعض القصص أو الأفكار التي يتقبلها البعض، لأنهم في الأساس لا يقبلون التغيير، ولا يقبلون في الوقت نفسه مشاهدة الأمور السلبية في مجتمعهم، فالحياة في النهاية مبينة على الخير والشر، والصراع بينهما سيظل قائماً حول من سيحقق الانتصار، والدراما طوال تاريخها تحاكي هذا الواقع من خلال القصص المختلفة.
وتابع: أنا مع التغيير وتقديم أنماط مختلفة في نوعية تنفيذ الأعمال الدرامية التلفزيونية، فالتجريب في حد ذاته ضروري، لأنه يؤدي إلى حالة من تغيير ذائقة المشاهد وما تعود عليه من أعمال درامية عربية تقليدية مكررة، يتمحور مضمونها في قالب درامي واحد لا يتغير، لذلك فإن الأعمال الفنية المغايرة مثل الخيال العلمي والفضاء والرعب، شكل جديد من أشكال الدراما في عالمنا العربي، خصوصاً أنه لم ينتج منه إلا القليل، وحضورها يشكل دفعة قوية للمنتجين الآخرين، رغم عدم تقبل البعض لها.

  • مسلسل «ما وراء الطبيعة»
    مسلسل «ما وراء الطبيعة»

الميزانية
وبالنسبة للناحية الفنية والتقنية، أشار غلوم إلى أن أحد أهم الأسباب، التي تجعل حضور هذه النوعية من المسلسلات ضعيفاً، هو إشكالية عدم وجود الميزانية الكافية وعدم توفر الإمكانات التي تجعل الصناع غير قادرين على تنفيذها، وقال: إنتاجياً وتقنياً، لسنا مستعدين لتنفيذ أعمال رعب وعملية وفضاء وما وراء الطبيعة، وأغلب الأعمال، التي قدمت هي محاكاة لأعمال سابقة، ولكن ما قدم من تجارب فهي تحسب في النهاية للدراما العربية، وسنظل بحاجة إلى وقت طويل، لكي نصل إلى التغيير والتطوير والتحديث وتقديم شيء مختلف يكون قاعدة جماهيرية مختلفة.

ثقة الجمهور
من جهتها، نوهت المخرجة نهلة الفهد إلى أن التجارب، التي قدمت في عالم دراما الرعب والماورئيات في السنوات الأخيرة، لا تليق بالمستوى، وقالت: عندما نخطو هذه الخطوة، التي سبقنا فيها الغرب بمراحل، يجب أن تقدم بأفضل التقنيات والمعايير الفنية المطلوبة، وأن يكون العمل مدروساً بعناية ودقة، حتى تكسب ثقة الجمهور الذي لم يتعود على مثل هذه النوعية من الأعمال في عالمنا العربي.

خارج السرب
وتتذكر الفهد أنها شاركت في ورش كتابة مؤخراً في أميركا، وكانت حول تنفيذ الأعمال الخيالية والفانتازيا مثل «لورد أوف ذا رينج» و«هاري بوتر»، وما حققاه من نجاح وإقبال، وخلال الورشة تحدثوا عن وجود الكثير من نوعيات هذه القصص الخيالية في عالمنا العربي، وتساءلوا عن أسباب عدم تطويرها وتحويلها إلى أفلام ومسلسلات تغرد خارج السرب، لافتة إلى أن هذه الورشة دفعتها في الآونة الأخيرة للبحث عن القصة الخيالية في الخليج والوطن العربي، وقراءتها، ووجدت أنه بها محاور وبداية ونهاية وشخصيات متعددة، يمكن من خلالها تنفيذ العديد من هذه النوعية من الأعمال، كاشفة للمرة الأولى أنها من خلال قراءتها وبحثها، استطاعت كتابة «خروفة» من تأليفها، وتفكر جيداً في تحويلها إلى عمل سينمائي أو درامي، خصوصاً أنها، كمنتجة ومخرجة، تشجعت للفكرة كثيراً، لكن بشرط أن يتوفر لديها الإنتاج الضخم والتقنيات الاحترافية العالية.

أبواب جديدة 
ولفتت الفهد إلى أنه من الضروري في تنفيذ عمل فني رعب أو ما وراء الطبيعة والظواهر الخارقة، أن يتوافر لدى المنتج مقومات، أهمها هو أن تكون الكتابة منطقية، وأن يتم اختيار مخرج يفهم الكثير من العمل التقني والفني، إلى جانب رصد ميزانية ضخمة لإنتاجه وتنفيذه بمستوى يجعل الجمهور يتقبله ويكسب ثقته، وقالت: ليس عيباً أن نطرق أبواباً جديدة في عالم الدراما العربية، ونتطرق إلى موضوعات مختلفة بعيدة كل البعد عن القصص المكررة، وكل ما قدم في الفترة الأخيرة من أعمال درامية تلفزيونية رعب، هي تجارب جيدة هدفها الأساس هو التعلم والاستفادة.

دعم كبير
من جهتها، أشارت المخرجة السعودية شهد أمين إلى أن كل ما قدم من أعمال درامية تلفزيونية تحاكي قصصاً رعب وظواهر خارقة، هي في طور التجريب، وقالت: لدينا العديد من القصص الواقعية والتجارب الحقيقية التي تجعلنا نصدق بـ «ما وراء الطبيعة»، لذا فإن تجسيدها عبر الشاشات، ضمن أعمال فنية، هو التميز والاختلاف، ولكن يجب أن تقدم باحتراف وإتقان وتنفيذ عالي، لأنها تتطلب دعماً كبيراً لكي تخرج بعيداً عن المألوف وخارج نطاق التقليد. وأضافت: أتصور أن ضعف تواجد هذه النوعية من الأعمال، بسبب تخوف المنتجين من خوض التجربة التي لا تزال في طور التجريب، كما ذكرت سابقاً، ولكن إذا وجد صناع العمل الفني الميزانية والإمكانات اللازمة، فبكل تأكيد لدينا في عالم العربي ما يؤهلنا إلى تقديم مثل هذه الأعمال بمستوى مميز ولائق، منوهة هنا لشركة «إيمج نيشن» أبوظبي، التي أشادت بها وبمسؤوليها الذين يدعمون الأعمال العربية بشكل كبير، والخارجة دائماً عن المألوف.

مقارنة ظالمة
أكد المخرج عمر إبراهيم أنه من الضروري الخروج من فلك القالب الدرامي، الذي يحوي قصصاً مكررة في عالمنا العربي، ورغم أن نوعية مسلسلات الرعب والتشويق والغموض والماورئيات، جديدة من ناحية تنفيذها عربياً، وهذا ما يجعلها حديث الناس، فإنه يجب أن تقدم بطريقتنا وبحكايات وقصص أقرب للبيئة العربية لكي يتقبلها الجمهور، وليس بالطريقة الغربية أو تكون مشابهة لأعمال هوليوود التي تربعت على عرش تنفيذ مثل هذه النوعية من الأعمال منذ سنوات طويلة، لأن المقارنة هنا ستكون ظالمة، معتقداً أن صناع الدراما في العالم العربي غير جاهزين إلى الدخول في هذه المنطقة بعد، خصوصاً أن تنفيذها يحتاج إلى ميزانية كبيرة وتقنيات عالية.