هناء الحمادي (أبوظبي)

يركز مهرجان الشيخ زايد بمنطقة الوثبة، على استعراض جوانب مختلفة من حضارة دولة الإمارات، والشواهد التاريخية وآثارها على كل إمارة، حيث يشتمل على العديد من الفعاليات التراثية والعالمية، وفقرات تفاعلية تتناسب مع الأعمار كافة، بالإضافة إلى العروض الضخمة والمتنوعة.
يصطحب جناح «دائرة الثقافة والسياحة» بالمهرجان زواره، في رحلة تثقيفية تعليمية ممتعة مشبعة بعبق الماضي، وبصحبة الحرفيين الذين يمارسون الحرف اليدوية، ويتكون الجناح من مجموعة من المحال التي تجسد أمام الزوار صورة حية لعدد من الحرف التقليدية الإماراتية، عبر مجموعة من الورش التي تسلط الضوء على أسرار تلك الحرف.

نظرة عابرة بين الأمس واليوم، على كيفية الاستعداد للزفاف، تؤكد أن ثمة تقاليد وأعراف لا تزال راسخة في المجتمع الإماراتي، رغم سيطرة أدوات الحداثة وتطفلها على مجمل مفردات الحياة، إذ لا تزال الزوجة في المجتمع الإماراتي تستعد لحفل الزفاف في طقوس مارستها الفتيات منذ زمن بعيد، من خلال «زهبة العروس»، وما تحتويه من مستلزمات استعداداً للزفاف.
تُعد «زهبة العروس» واحدة من الموروثات التي تجسد واقع الحياة قديماً، ولا تزال إلى اليوم ماثلة في مراسم الزفاف، وهي عبارة عن موقف يسبق حفل الزواج، يتحدد في زيارة أهل «المعرس» لبيت أهل العروس، محملين بحقائب تضم الملابس والأزياء الخاصة بالعروس، إلى جانب الذهب ومختلف أنواع العطور، والمستلزمات الأخرى المتعلقة بزينة الفتاة. 
وفي الماضي، كانوا يقدمون هذه الأدوات الخاصة بالفتاة عبر «السحارة» أو «المندوس»، وهو عبارة عن صندوق يحتوي على جميع ما تهتم به العروس من عطور وذهب وملابس وحلي، إلى جانب مقتنيات أخرى تستخدمها الزوجة في قفص حياتها الذهبي، مثل المبخرة وأدوات أخرى خاصة بالطهي.

مسيرة كرنفالية
وللتبصر أكثر بملامح الأعراس قديماً، تقول مريم محمد الكعبي عن «زهبة العروس» بنوع من التفصيل: «تتميز الأعراس الإماراتية القديمة برونقها، حيث تبدأ قبل يوم العرس بأيام لتنتهي بصباح «يوم المكسار»، وهو يوم استقبال زهبة العروس، وهو محمول على الأكتاف من قبل أهل العريس والجيران في مسيرة كرنفالية مبهجة، بمشاركة أهالي الحي بأكمله، ليبدأ عرضه في ساحة بيت العروس باستعراض ما جاد به كرم العريس، لتقوم إحدى النساء المعروفات بعرض تلك الزهبة «أغراض العروس» على الحاضرين، في أجواء من الفرح ممزوجة بأهازيج وسعادة الجميع، وتتكون «الزهبة» عادة من ثياب العروس والعطور والهدايا التي تقدم من أهل المعرس، كما عُرضت بعض أنواع «المخاوير» النسائية المصنوعة من الشيفون الناعم والمطرزة بأشكال وألوان زاهية.

نقوش مطرزة
من يجول في جناح «دائرة الثقافة والسياحة» سيعيش الأجواء التراثية المفعمة بطابع العادات والتقاليد الإماراتية التي تحاكي الكثير من الحرف التقليدية، والتي ما زالت الكثير من السيدات يقمن بصونها والحفاظ عليها من خلال عرض حي أمام زوار المهرجان. 
وبابتسامتها المعهودة وكرم الضيافة تستقبل آمنة محمد الرميثي، زوارها في مهرجان الشيخ زايد، وتقول إنها ليست المرة الأولى التي تشارك في المهرجان، بل لها الكثير من المشاركات السابقة والكثير من المهرجانات التي استطاعت أن تبرز من خلالها، الكثير من الحرف التقليدية للجمهور، سواء داخل الدولة أو خارجها، حيث لديها خبرة ما تقارب 30 عاما في الكثير من الحرف التراثية.

وتضيف الرميثي: «الكنادير المخورة المزراية والميزع كلها تعتمد على «التلي»، الذي يبقى حاضراً لزينة ملابس المرأة في الماضى والحاضر، حيث يعطي جمالاً للكندورة، حيث لا تستغني المرأة في زينتها عن تلك النقوش المطرزة والألوان الجميلة البراقة حين ترتديها في الكثير من المناسبات». 
موضحة: «غالباً ما تتكون نقوش المخاوير من خيوط التلى الأصلية، التي توضع على «البدلة» أي السراويل، كما توضع على مجموعة من أقمشة المخاوير، التي تتنوع أسماؤها مثل بوطيرة، الرفرف، المزري، دمعة فريد وأبو قلم».
وتحرص الرميثي على إحياء وتطريز العبايات القديمة، التي تتنوع حسب القماش والنقوش، وذكرت أن من أهم أنواعها عباية «أم الخدود»، التي تستخدم فيها خيوط الزري وقماش من الساري أو البشت، بينما عباية «أم الغيطان»، فتُصنع من البريسم وتُستخدم فيها خيوط باللون الذهبي والأسود.

صناعة السدو
وتشارك سامية الجابري بجناح «دائرة السياحة والثقافة»، من خلال حرفة تراثية لتنقل صورة جميلة للحضور والزوار عن حرفة «السدو»، التي ما زالت الأمهات يمتهنها في المهرجانات التراثية. 
وتقول: «يتميز السدو بأشكاله وألوانه الزاهية وزخارفه المميزة، وقد أبدعت المرأة الإماراتية في صناعته، والتي تحتاج إلى وقت طويل وصبر وحس فني من ناحية اختيار تصميماته الهندسية وتناسق ألوانه مع مكونات البيئة الإماراتية، ومنتجاته واستخداماته، وصناعه يسهمون في الحفاظ عليه وصونه للأجيال المقبلة.

  • مريم الكعبي مع «زهبة العروس»
    مريم الكعبي مع «زهبة العروس»

كما أن للجابري خبرة في «زفانة الدعن» الذي يستخدم في صناعة العرشان والخيام الذي كان يصنع في الماضي من مكونات النخلة ومنها «الدعن»، وهو عبارة عن سعف النخيل بالإضافة إلى الحبل الذي يُصنع بدوره من سعف النخيل. 
وتضيف الجابري: «كان يستخدم الدعن أيضاً في صناعة مختلف أشكال البيوت القديمة في الماضي مثل «الكرين» و«اللوجه» التي تشبه خيمة السكن، كما يصنع منه الحوش (جدران حوش البيت - الفناء)، بالإضافة إلى صناعة باب العريش وباب «الزفاره»، الذي كان يصنع من الجريد الخال من السعف».

سف الخوص
تظل الحرف التراثية القديمة نافذة تطل على واقع حياة الأجداد، والذين استطاعوا أن يطوعوا الخامات البسيطة، لإنتاج أدوات ومقتنيات تلبي احتياجاتهم، وتسهل عليهم حياتهم، ومن أهم هذه الحرف «سف الخوص».
وتقول خصيبة عبيد النعيمي: الحرفة قائمة على حياكة أوراق جريد النخل، لإنتاج مجموعة من الأدوات كالمهفة، وهي المروحة اليدوية، السفرة والحصير، والسلال، وأحجام مختلفة من الأوعية لحفظ التمور، وأيضاً حياكة المكبة، وهو غطاء على شكل مخروطي يتم استخدامه لحفظ الطعام المقدم على السفرة.
وحول تقنية ومراحل هذه الحرفة، توضح النعيمي: عادة ما يتم تجهيز الخوص بعد أن يؤخذ من الجزء الأعلى من النخلة، نظراً لكونه أكثر ليونة في التشكيل، وبعد مرحلة تنظيف الخوص وغسله يتم تشريحه لشرائح رفيعة ثم تُغمس في أصباغ طبيعية، ثم تُترك لتجف ثم يُعاد غسلها مجدداً لتكتسب مرونة وليونة أيضاً، حتى لا تترك الصبغة أثراً على الأصابع أثناء التجديل، وبعد الانتهاء من عملية «السفه» أي عملية تشابك الخوص والتحامه مع بعضه البعض بطريقة فنية متناغمة، تبدأ مرحلة الخياطة، أي ربط وتركيب الجدايل مع بعضها البعض وفقاً للشكل المطلوب والأداة المرغوب في صنعها.

  •  إبراهيم الحمادي خلال تدريب الصقر
    إبراهيم الحمادي خلال تدريب الصقر

الصيد بالصقور
يستعرض الصقّار إبراهيم الحمادي فنون الصيد بالصقور في باحة الجناح، حيث يقبل عليه الكثير من الزوار، خاصة السياح الأجانب، الذين يلتقطون عدة صور عبر هواتفهم الذكية للذكرى، وبابتسامة يرحب الحمادي بالضيوف وهو يقدم شرحاً وافياً عن تدريب الطير ونوعه، ويقول: «المرحلة الأولى تتمحور حول تدريب الصقر على الانتقال من الوكر إلى المنقلة، هذه المرحلة هي سهلة نوعاً ما، حيث إن الصقر يستطيع الانتقال من وكره إلى المنقلة دون خوف ظناً منه أنه سيحصل على غذائه، فيستمر الصقار بتكرار هذه الخطوة حتى يتمرن الصقر على الانتقال إلى المنقلة دون خوف، بينما المرحلة الثانية من مراحل تدريب الصقر هي «التلواح»، وهي مرحلة مهمة كي يعتاد الصقر على تحديد هدفه والانقضاض على فريسته، بحيث يقوم الصقار بوضع قطعة لحم على كومة من الريش ويلوح بها في السماء إلى أن ينقض عليها الصقر، والذي يكون مربوطاً مسبقاً بخيط لحماية الصقار لتفادي ما قد لا يحمد عقباه، لأن الصقر ما زال في مرحلة الترويض ولا يمكن الوثوق به، وتستمر هذه العملية لمدة أسبوع، وبعد أن تتم هذه العملية، يهم الصقار بالابتعاد عن الصقر في كل يوم يكرر فيه هذه العملية بـ 50 خطوة، حتى يعتاد الصقر على تحديد هدف صاحبه، ويكون جاهزاً للصيد.

  • خصيبة النعيمي تمارس حرفة «سف الخوص»
    خصيبة النعيمي تمارس حرفة «سف الخوص»

مهارة الحرفي
تشير خصيبة عبيد النعيمي، قائلة: كل قطعة من هذه القطع تعتمد على غرزة واحدة، إلا أن تقنية العمل تختلف من أداة إلى أخرى، وهذا يرجع إلى مهارة الحرفي ومدى قدرته على نسج وحياكة قطع تلعب دوراً في طبيعة الحياة القديمة، ومن هذه المنتجات التي يمكن صناعتها بهذه الجدايل، السرود «أي السفرة»، وهي عبارة عن قطعة من الحصير عادة ما تكون دائرية الشكل يلتف حولها الأفراد لتناول الطعام، ويتم تشكيل هذه الجدايل حسب الحجم المطلوب، كما تُصنع أيضاً من سف الخوص «الجفير»، وهي عبارة عن سلة يتم حملها أثناء التسوق وعادة ما يتم صنعها عن طريق عمل مجدولة من سف الخوص بشكل حلزوني، وللحرف التقليدية، على حد قول النعيمي، بصمتها وإيقاعها في الكثير من الفعاليات والمهرجانات، فالماضي حاضر بفنونه الذي يجذب الكثير من الناس الراغبين في معرفة وجه من وجوه الحياة ومفرداتها القديمة.