محمد وقيف 

لعل أكثر ما يلفت الانتباه في كتاب أوباما الجديد، «أرض الميعاد»، هو صورة الغلاف: رئيس الولايات المتحدة الرابع والأربعون وهو يبدو واثقاً مطمئناً على نحو لا يشي بأن الكتاب صدر عقب انتخابات مريرة، وسط اقتصاد متدهور ووباء مستعر. واللافت أيضاً أن الصورة تتباين كذلك نوعاً ما مع متن الكتاب، وهو عبارة عن 700 صفحة تشبه في توازنها وحِجاجها وتنظيمها مؤلفها. ويقول أوباما إنه خطط في البداية لمذكرات تقع في 500 صفحة والانتهاء من تأليفها في غضون عام، غير أن الحصيلة النهائية كانت كتاباً ضخماً، الأول من أصل جزأين، تتوقف أحداثه في مايو 2011.

إذا كان كتاب أوباما الأول، «أحلام من والدي»، نُشر في عام 1995، قبل نحو عام من انتخابه عضواً في مجلس شيوخ ولاية إيلينوي، وتعقَّب تاريخَ عائلته وبلوغه مرحلة النضج السياسي، فإن كتاب «أرض الميعاد»، وهو عبارة عن مذكرات لفترة رئاسته، يتميز بقليل من الحميمية وكثير من السياسة، وفيه يسلّط الضوء على أبرز القضايا التي واجهها خلال ولايته الأولى مثل تنشيط الاقتصاد، والرعاية الصحية، والهجرة، والبيئة، والحرب الدائمة في أفغانستان. 
 ويبدو أن أوباما آثر ترك انتخابات 2012، وتخليه عن «الخط الأحمر» الذي حدده في سوريا، ومناقشة الهجمات بوساطة الطائرات المسيرة، من بين مواضيع أخرى، للجزء الثاني من مذكراته. لكن هذا لا يعني أن كتاب «أرض الميعاد» يتحاشى مواضيع معينة، بل إن طوله دليل على ما يبدو إيماناً راسخاً لدى الرئيس الأميركي السابق بأنه إذا وصف ما كان يفكر فيه بتفصيل كاف، وعرض بوضوح كل العراقيل والقيود التي كان يواجهها، فإن أي أميركي عاقل سيفهم ويستوعب لماذا حكم على النحو الذي حكم به. 
في الكتاب يذكّرنا أوباما بالأزمة التي ورثها عن سلفه. فحينما وصل إلى الرئاسة، سعى وراء مساعدة خبراء من داخل المنظومة بدلاً من «مواهب جديدة»، معتبراً أن الظروف الاستثنائية «تقتضي ذلك». ويقول إنه كانت لديه أفكار طموحة لإجراء تغيير بنيوي، بيد أن فريقه كان يشدد على أن أي محاولات لمعاقبة البنوك التي دفع جشعُها وتهورها النظامَ المالي إلى شفير الهاوية، من شأنها أن تتسبب في هلع شامل للأسواق. 
بيد أن تهدئة الأسواق لم تفعل شيئاً كثيراً لتبديد مشاعر الغضب والخوف، وهو ما سارع «الجمهوريون» إلى استغلاله واستخدامه لصالحهم، كما يقول أوباما، في حين اعتبر الرئيس الأميركي أنه من الخطر استغلال مثل تلك المشاعر الملتهبة، مشيراً إلى أن ما كان يمكن أن يكون مفيداً له سياسياً، كان يمكن أن يؤدي إلى إضعاف المؤسسات التي كانت في حاجة للإصلاح وليس الهدم. 
في أبريل 2010، كان أوباما في منزله حين تلقى خبراً مفاده أن انفجاراً وقع في «ديب ووتر هورايزن»، وهي منصة حفر عائمة قبالة سواحل ولاية لويزيانا، وأنها تقذف النار والدخان ويتدفق منها النفط بكميات كبيرة، في ما اعتُبر أسوأ تسرب نفطي في تاريخ البلاد. وقد أظهر مقطع فيديو تحت الماء «النفط وهو يتفجر من الحطام المجاور على شكل أعمدة سميكة مثل قبس من الجحيم»، كما كتب أوباما. فجائية الكارثة وحجمها أصاباه بالصدمة. فحتى ذلك الحين، كان أوباما قد حافظ على «ثقة جوهرية» بأنه «يستطيع دائماً الإتيان بحل من خلال الإجراءات الصحيحة والاختيارات الذكية». غير أن «كميات النفط المتفجرة من الأرض المتصدّعة وفي أعماق البحر العميقة» بدا أنها من صنف آخر، لا ينسجم مع رؤيته الهادئة للعالم. وحتى بعد أن أُغلق الثقب وشُرع في عملية التنظيف، كان شيء ما فظيع قد حدث ولا أحد كان يعرف الحجم الحقيقي للضرر بعد. 
أما على صعيد السياسة الخارجية، فقد كان عبء الرئاسة جلياً في وصف أوباما للحظتي اتخاذ القرار بشأن الترخيص لعمل عسكري، بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة، أولاً في ليبيا في إطار حلف «الناتو»، ثم في الغارة التي أفضت إلى قتل أسامة بن لادن، والتي يختم بها هذا الجزء من مذكراته. وصف أوباما لحظات ما قبل التخطيط والتنفيذ السريين للغارة، كان وصفاً مليئاً بالإثارة والحماسة، لكن أوباما يتوقف في مذكراته عند الارتياح الجماعي المسكّن الذي ساد عقب العملية. 
وبعد قراءته لرسالة تصل عبر البريد الإلكتروني من ابنة أحد ضحايا هجمات 11 سبتمبر، بعد الإعلان عن مقتل ابن لادن، يقول أوباما إنه فكر في الخسائر العميقة التي لحقت بالكثيرين، وفي بسالة المحللين الاستخباراتيين والقوات الخاصة التي شاركت في الغارة الناجحة، والزيادة الفريدة في الشعور الوطني بالفخر ووحدة الهدف: «إن حقيقة أننا لم نعد نستطيع تصور توحيد البلد حول أي شيء عدا إحباط الهجمات وإلحاق الهزيمة بالأعداء الخارجيين.. أعتبرُها مؤشراً لأي مدى لم تحقق رئاستي ما كنت أريد لها أن تحققه، وحجمَ العمل الذي ينبغي القيام به».