نسرين درزي (أبوظبي)

مع حاجة الشباب إلى مبادرات متخصصة تدعم مواهبه في مجال الثقافة العربية، ارتأت «فنيال للإعلام» ومقرها دبي، إطلاق برامج «بودكاست» متخصصة، تضمن التقاطعات بين الحياة الفردية لجيل الألفية وثقافة الانتماء للمجموعة، من خلال تقديم محتوى صوتي ملائم بأسلوب متفرد يلقى صدى بين الجيل الجديد. ومما يشجع على نجاح هذه المبادرة أن دولة الإمارات واحدة من أكثر المراكز ديناميكية للشركات الناشئة في المنطقة، مما يزود رواد الأعمال الشباب بقدر هائل من الفرص لبناء مشاريعهم الخاصة، وتنفيذ أفكارهم على أرض الواقع، وكلها مؤشرات تبشر بالمزيد من المبادرات الداعمة للمواهب الإبداعية، والمساعدة على تنمية القطاع المحلي للمحتوى.

مبادرة برنامج «بودكاست» المعروفة باسم «ميلينيال ميرورز» تتنوع بين فلكلور الحكايات الشعبية مثل «ألف ليلة وليلة» و«جحا»، وقصص الفنانين الصاعدين المواكبة لتطورات العصر، وقد انبثقت عن «فنيال للإعلام» التي تأسست أواخر عام 2018 من فكرة ولدت بعدما أطلق مشاري العنيزي، أحد المؤسسين لبرنامج الـ«بودكاست» الذي شكل خطوة نوعية كدليل على اهتمام النشء بالتعبير من خلال المحتوى الصوتي المحلي، وقد تعاون في ذلك مع شريكيه ليلى حمادة وماجد القاسمي، لابتكار مجموعة واسعة من محتوى الـ«بودكاست» العربي، والبدء في تسويقه بأسلوب يعزز استدامة القطاع الإقليمي.

سرد القصص
وتحدث مشاري العنيزي، المدير الإبداعي في «فنيال ميديا» عن هدف تأسيس البرنامج للقضاء تدريجياً على السلبية التي طغت على القصص من منظور العالم، وعليه جاءت فكرة الـ«بودكاست» كوسيط رائع لتحقيق ذلك. وقال: «نحن نحتاج إلى نقلة نوعية، ولابد من المساهمة في تغيير الحكاية العربية بحيث تعكس حقيقتنا، ولن نتمكن من ذلك إلا عبر سرد القصص الأصيلة والصادقة من منظورنا الخاص». 
وأشار العنيزي إلى السعي الدائم لتفعيل مشاركة الشباب في إنتاج العروض، وهي الفئة التي ينتمي إليها جميع المنتجين والممثلين لدينا حتى إننا نجري في أحد عروضنا مقابلات مع موسيقيين محليين من الشباب للحديث عن أعمالهم.
ويُعد مشاري هو الدافع الإبداعي الرئيس وراء هذا المشروع الذي بدأ مع «بودكاسته» الأصلي، (Millennial Mirrors)، وهو مدرب معتمد وحائز درجة الماجستير في ريادة الأعمال من جامعة «ساوثامبتون».

  • ليلى حمادة
    ليلى حمادة

جسر معاصر
وذكرت ليلى حمادة، وهي شريكة في «فنيال ميديا»، أن العروض التي يتم إنتاجها تشكل تجارب صوتية غامرة، تحلّق بالمستمعين إلى أماكن مختلفة وتستمد من الثقافة العربية حكايات جاذبة تلقى صدى إيجابياً بين الشباب في المنطقة، وأوضحت أن الرسالة من وراء البرنامج تتلخص في ابتكار محتوى يساعد على إعادة التواصل مع حضارة العالم العربي وتراثه، وأضافت قائلة: «نود أن تشكل حكاياتنا جسراً بين أنماط العيش المعاصرة لشباب اليوم، والتقاليد الاجتماعية الغنية التي لا تزال تشكل مكوّناً رئيساً لثقافتنا، وبفضل إعادة تطويع القصص الكلاسيكية بأسلوب حديث يتماشى مع الأجيال الشابة، فإننا نعزز الحيز الخاص الذي يكفل بقاء المحتوى العربي التقليدي مزدهراً». 

منصة للمبدعين
جمهور الـ«بودكاست»، هو من جيل الشباب الشغوف بثقافة الاستماع، ولاسيما المقيمين في المنطقة ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاماً، وتميل الكفة باتجاه الفئة العمرية الأصغر سناً والتي تتمتع غالباً بعقلية أكثر اهتماماً بالمسائل الرقمية، ولا يزال انتشار الـ«بودكاست» في مرحلة النمو بالمنطقة، مما يجعل المستمعين من أوائل مستخدمي هذه الوسائط. إذ لم يعد النشء الجديد يهتم بالاستماع إلى محطات الإذاعة، وإنما يريد الحصول على أي شيء عند الطلب، وامتلاك القدرة على الاستماع إلى المسلسلات التي يفضلها، ومن هنا كان الاهتمام بالمساعدة على تنمية الكفاءات الإبداعية الواعدة في العالم العربي، ومنح الشباب مساحة أكبر للتألق، إذ يوجد الكثير من المبدعين المتميزين في المنطقة، ممن يستطيعون الاستفادة من الـ«بودكاست» باعتباره منصة يسهل الوصول إليها لنشر أفكارهم، ومن غير الضروري أن يكون لديهم، فهم كامل لكيفية البدء بالـ «بودكاست» أو تحقيق الاستدامة المالية بمجرد الدخول في هذا المجال، ولهذا السبب، جاء إطلاق «فنيال استوديو» ليكون منصة للمبدعين الشباب لإنتاج محتوى تدعمه الشركة.

3 فائزين
تشمل أهم إنجازات الـ«بودكاست» باقة من المشاريع، كان آخرها مسابقة شارك فيها رواد واعدون طرحوا أفكارهم الخاصة من خلال عروض جديدة، واستقطبت المسابقة مئات المشاركات القيمة كاشفة عن مستويات عالية من المواهب التي شكلت مصدر إلهام، واختير منها 3 فائزين هم ريم العطاس، وأحمد درويش، وأحمد حامد، ويجري العمل معهم حالياً لتحويل أفكارهم إلى عروض «بودكاست».
وأوردت الفائزة ريم العطاس، حائزة درجة الدكتوراه في علوم وهندسة الكمبيوتر من جامعة «بريدجبورت» التابعة لولاية كونيتيكت الأميركية، أنها متحمسة للتجربة الجديدة وتتحضر بشغف لعرض الـ«بودكاست» التقني الخاص بها، وتعتبره فرصة استثنائية قي مسيرتها، بحيث تناقش من خلاله الابتكارات التقنية وتأثيراتها والإضاءة مع الضيوف، وأحدث الأخبار المعنية بالتكنولوجيا وأدواتها والجدل الدائر حولها، وهي رائدة بيانات في وكالة «ناسا» وخبيرة في الذكاء الاصطناعي والمرشحة النهائية لبرنامج «نساء الابتكار»، ولديها 4 براءات لاختراعاتها، بينها الخوذة الذكية ونظام الواقع المعزز لمساعدة ضعفاء البصر، كما نشرت أبحاثها في أكثر من 20 مجلة علمية ووقائع مؤتمرات ومعالجة الصور والحوسبة السحابية، بما ينسجم مع موضوع أطروحتها حول الروبوتات المعيارية التطورية التي يمكن استخدامها لاستكشاف الفضاء.

  • ريم العطاس
    ريم العطاس

برنامج  طعام
وذكر الفائز أحمد درويش، خبير تسويق وصاحب منصة «ذا فووديز إينك» للتواصل الاجتماعي، التي تم تأسيسها عام 2015، أنه يستعد لبرنامج طعام «بودكاست» حول عالم المأكولات والطعام حيث يضيء في كل حلقاته على طبق أو وصفة أو مطعم جديد، وهو عاشق للسفر والتصوير والاطلاع على ثقافات العالم، ويواظب على كتابة المقالات حول الطعام منذ عام 2004. 
وقال درويش: عندما قرأت إعلان «فنيال ميديا» عن فتح باب التقديم إلى المسابقة، لم أكن واثقاً بفوزي لكوني مبتدئاً في هذا المجال، ولم أصدر سوى 3 حلقات فقط من برنامج «ثلث مشكّل»، إلا أن ثقتي بنفسي دفعتني لخوض التجربة بطاقة إيجابية، معتبراً أن بداية مسيرته في مجال الـ«بودكاست» كانت لحظة مميزة على درب حلمه بأن يحقق «ثلث مشكّل» نسبة استماع عالية في العالم العربي للمهتمين في مجال الضيافة.

تفاؤل
يستعد الفائز أحمد حامد، لعرض «بودكاست» يناقش الفنون والآداب التي أثرت في التاريخ، ولا تزال تؤثر في أسلوب حياتنا حتى اليوم، وذكر أنه متفائل بنجاح التجربة ورواجها بين الجيل الجديد، الذي يشجعه على متابعة المحتوى الصوتي والتفاعل معه، وقد درس أحمد التمثيل والتصوير السينمائي، كما تخصص في إخراج الفيلم الوثائقي من أكاديمية «استوكهولم» للفنون في السويد، قبل أن يلتحق بدورة لصناعة السينما ضمن مهرجان «فيد» الدولي للسينما في مرسيليا بفرنسا، وحاز أحمد 6 جوائز بعدما عرضت أفلامه في عدة مهرجانات سينمائية حول العالم، كان آخرها مهرجان BBC عربي 2018، منصة الشارقة للأفلام  2019، ومهرجان الفيلم في برلين 2019.

أفكار وبيانات
تخضع عروض الـ«بودكاست» لعملية تقييم دقيقة قبل الإطلاق، مع محاولة دراسة المحتوى الرائج على المنصات الأخرى والتجارب الناجحة في القطاع حول العالم، ويحرص البرنامج على إضافة لمسته الخاصة لضمان التوافق مع الجمهور المحلي، وتكوين قدر كبير من الأفكار والبيانات ومواصلة تحليل أداء العروض المختلفة في الشبكة لتحديد ما يصلح منها للمساعدة في التأثير مستقبلاً على التوجه الاستراتيجي في مجال المحتوى، وتتمثل طريقة الترويج الأفضل للعروض الجديدة، في الإعلان عنها للأشخاص الذين يستمعون إلى برامج أخرى، وتشجيعهم للانتقال إلى اكتشاف عروض الـ«بودكاست»، بالتعاون مع منصات توزيع مختلفة للمساعدة في عملية الترويج، ولاسيما أن مواقع التواصل الاجتماعي أداة مهمة لنشر أخبار البرامج الجديدة.

«البودكاست»
هو عبارة عن إذاعة صوتية أو محتوى صوتي متوفر على الإنترنت، يختلف عن الراديو في إمكانية الاستماع إليه في أي وقت، وليس عند البث المباشر فقط، ويكون ذلك من خلال التطبيقات المختلفة المتوفرة لنظامي iOS وAndroid، كما تتوفر مواقع مختلفة لصانعي Apple Podcast وGoogle Podcast عبر جهاز الكمبيوتر.

3 ملايين تحميل
حققت «فنيال للإعلام» باقة من الإنجازات منذ تأسيسها قبل عامين، حيث تجاوز عدد مرات التحميل 3 ملايين عملية في الشبكة حتى الآن، مع تسجيل قائمة من العروض قيد الإنتاج مما يعزز التجربة ويواكب التطلعات، ويرصد المحتوى المعتمد تحليل مدى نجاح البرامج المطروحة حسب الفئات العمرية، للتمكن من تحديد الجوانب الأمثل للجماهير الأصغر سناً، ومن ثم ابتكار المزيد من الأفكار الجاذبة.

تفاعل كبير
يتوزع جمهور برامج «فنيال للإعلام» في مختلف أرجاء الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا، وتعتبر دولة الإمارات واحدة من أكثر الأسواق أهمية، ولاسيما من خلال التفاعل الكبير الذي يسجل من داخلها كدليل واضح على تعطش الجيل الصاعد لهذا النوع من المحتوى الصوتي.