بينما كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يطير من غصن إلى غصن عبر بستان «تويتر» بسمائه المفتوحة، وينشر التغريدة تلوَ الأخرى، كان خصومه يعملون من جهة أخرى مع وسائل تقليدية كانت هي السبب، كما قال، في تراجعه وعدم انتخابه أو تغيير نتائج ترشحه في ولايات مثل أريزونا، واتهامه المباشر لجريدتي نيويورك تايمز وواشنطن بوست بأنهما ضده، رغم «أنه السبب وراء زيادة القراءات والمبيعات لديهم، وسيندمون على مهاجمته وانتقاده»، ومثلما فعل مع الصحف الأميركية العريقة هاجم كذلك استطلاعات الرأي في وسائل أخرى.
لقد لعبت وسائل الإعلام التقليدية دوراً كبيراً في تراجع شعبية الرئيس ترامب، وتعبئة المرشحين ليتجهوا للتصويت إلى خصمه الفائز بالرئاسة الأميركية لأربع سنوات قادمة جو بايدن، والذي تلقى سيلاً من التهاني والتأييد من دول عدة بُعيد إعلان النتائج، في الوقت الذي كان فيه الرئيس ترامب يغرد مقرراً اللجوء إلى القضاء والمحكمة العليا من أجل تصحيح الوضع، والدفاع عن حقه في الاستمرار لولاية جديدة، وهو الذي قال متهماً وسائل الإعلام التقليدية بأنه «كان يحارب على مدار 3 سنوات وسائل الإعلام والديمقراطيين وعمالقة التكنولوجيا».
إن لوسائل الإعلام التقليدية بأشكالها كافة، مرئية أم مسموعة أم مقروءة، الأثر الكبير الذي يعمل على تحفيز وإثارة وتغيير اهتمامات ووجهات نظر الرأي العام في كل مكان، ولذا لا غرابة في أن يسطع نجم هذا الإعلام منذ بدء الانتخابات الأميركية، وكما اعتدنا من هذه الوسائل وما تلعبه من أدوار داعمة وتبنٍ لوجهات النظر التي توافق أجنداتها، واستراتيجياتها الإعلامية بمختلف أدوارها. 
من هنا فإن التأثير الذي تركته هذه الوسائل في آراء المرشحين، وما نتج عنه من صعود نجم الرئيس المنتخب بايدن، وأفول نجم الرئيس الحالي ترامب كان واضحاً تماماً، فنحن على سبيل المثال، كمتابعين عاديين لمعركة الانتخابات، كنّا نتابع الأحداث أولاً بأول عبر شاشات التلفزة، وفي السيارات عبر الإذاعات، ولم يذهب أغلبنا لوسائل التواصل التي تفتقد في مساحاتها الصغيرة للمتابعة التحليلية الدقيقة، وقراءة المشهد كما يحدث في لحظته، والذهاب إلى المراسلين بين دقيقة وأخرى، كل ذلك يملكه الإعلام التقليدي، لذا لا عجب في أن يكون في كل مرة الإعلام الأميركي هو اللاعب الأول في الانتخابات، والمؤثر شديد التأثير على اتجاهات المُنتخبين للرئيس الجديد.
وتتنامى أهمية وقيمة وتأثير الإعلام التقليدي في الأحداث الكبيرة التي تُعتبر صيداً إعلامياً سميناً يجذب المتابع، ويملأ الساعات بمواد مُلتهبة على مدار الساعة، عملٌ كبيرٌ لا تستوعبه وسائل التواصل الاجتماعي. وحدها الشاشات التي تجذب المشاهد بين تشويق وإثارة، إنه الإعلام الحقيقي لا أكثر.