أندرو بيرشتاين *

ترى لين تشيني في كتابها «سلالة فيرجينيا.. أربعة رؤساء وقيام الأمة الأميركية»، أنه يتعين علينا الاعتراف بصراحة أن الرئيس جورج واشنطن كان صاحب مزاج صعب. فقد كان وهو أحد الآباء المؤسسين، «يحركه الغضب وكراهيته لأن ينبهه أحد لعدم معرفته بالرأي العام»، وأبدى «القليل من التسامح مع من كان يعتبره ضعيفاً». وفي زمن تأسيس الأمة، كان سكان فيرجينيا البارزون يُنظر إليهم عموماً من غير سكان المنطقة باعتبارهم أشخاصاً متعطشين للسلطة وشديدي الاعتزاز بأنفسهم. واستمرت قبضتهم الشديدة على الرئاسة من عام 1789 إلى عام 1825 لم يفصلها إلا رئاسة لفترة واحدة تولاها جون آدمز القادم من نيو انجلاند. 

وينقلنا كتاب تشيني، وهي زوجة ديك تشيني نائب الرئيس جورج بوش الابن، إلى عصر كان الانتماء فيه لولاية المرء أشد قوة من الالتزام تجاه أهداف قومية. وتولي واشنطن وتوماس جيفرسون وجيمس ماديسون وجيمس مونرو الرئاسة، وهو ما جعل طابع ولاية فيرجينيا واضحاً للغاية في التاريخ القومي. فقد قدمت لنا ولاية فيرجينيا رؤساء أكثر من أي ولاية أخرى. 
وتشيني، من الدارسات المتحمسات للتاريخ وهي ذات عين فاحصة. وحصلت على درجة الدكتوراه في الأدب الإنجليزي من جامعة ويسكونسن في ماديسون ولديها طريقة مشوقة في السرد، وتتجلى خلفياتها الأكاديمية حين تناقش ولع جيفرسون بالإيقاع «الذي يتوافق مع الأقدام الإيقاعية»، وتربط بين هذا وبين دراسته السطحية لعلم العروض الإنجليزي و«أهمية الوقفات في اللغة الشعرية». 
ورغم أن الكتاب يبدأ بإعلان أن أول أربعة رؤساء من فيرجينيا «قادوا البلاد في سبيل تحقيق الاستقلال ووضع الدستور وإقامة الجمهورية»، فإن القارئ يكتشف أن المؤلفة لا تفضل أحداً ولا تواري عيوب الآباء المؤسسين. فينما كان الجنرال جورج واشنطن يستعد للغزو البريطاني لنيويورك عام 1776، تجلت فيه التحيزات لفيرجينيا. فقد وصف الاستغلاليين من سكان نيوانجلاند بالقول إن «مثل هذه الروح الارتزاقية القذرة تعم الجميع». 
أما ماديسون، فحين كان عضواً بالكونجرس، كان هو المسؤول بشكل أساسي عن ظهور حركة انتقادية منظمة لإدارة واشنطن التي شهدت بين عامي 1790 و1792 فرعاً تنفيذياً عاجزاً عن التصرف كحكم مستقل، متجاهلا المواطنين أصحاب الدخول المتواضعة، بينما تحيز بشكل كامل لأصحاب المزارع والمضاربين الأثرياء. لكن في اجتماع خاص، حث ماديسون الرئيس على أن يخدم فترة ولاية ثانية كي يرسخ «الأسلوب والحزم» اللذين أرساهما في الحكومة. وبعد ذلك، سجل ماديسون أن واشنطن اعترض محتجاً على «عدم لياقته للمسائل القانونية والمسائل التي تمخضت عن الدستور». وكان واشنطن قد تقدم كثيراً في العمر ووجد أن هجمات الصحافة لا تطاق. لكنه ظل صامتاً ثم عاد بالإجماع إلى المنصب. 
وجيفرسون في هذا الكتاب رجل صاحب بصيرة ومتخصص في تجنب الصراعات لم يفلح في الركون لحياة الدعة. واعتمد على ماديسون كثيراً كي يكتب للصحافة الحزبية ويخفف عنه الضغط. 
 وفي الفصل الذي خصصته تشيني للكتابة عن الحريات الفكرية، قالت إن طريقة ماديسون «الدقيقة والعملية أبقت جيفرسون مرتبطاً بالواقع». وربما يندهش المرء إذا اكتشف أن صاحب النفسية الأكثر تعقيداً وسط الفيرجينيين الأربعة هو أقلهم شهرة، أي جيمس مونرو. 
وهناك أسباب جيدة للتركيز على هوية فيرجينيا. ومنذ الثورة وما بعدها، كما حددت تشيني، فإن المخلصين للولاية روّجوا لفكرة العمق الفكري والفضائل المعروفة عن الأسماء المعروفة والإرث العائلي الطويل. والقرب من مدينة واشنطن الاتحادية الجديدة بعد عام 1800 لم يضر بالولاية. وفي أول تعداد سكاني قومي، جعل عدد السكان الكبير من البيض الأحرار الولاية هي الأولى بين 13 ولاية. وكان بها 300 ألف نسمة إضافية (أو ما يقارب 40% من إجمالي السكان) من العبيد. ولم يكن الرؤساء الأربعة مكفوفين عن شرور العبودية. وتشير تشيني إلى أن جيفرسون كان يعتقد أنها «خطيئة في حق الرب».  وتساعد الشخصيات الثانوية في الكتاب على إثراء قصة تشيني، فهناك الزعيم المفترض لفيرجينيا في المؤتمر الدستوري وأول وزير للعدل في عهد واشنطن وثاني وزير للخارجية، ادموند راندولف الذي تهاوى من مجد لم يكن يستحقه على الأرجح. وهناك أحد أبناء عمومته وهو النائب جون راندولف الذي بذل كل ما في وسعه كي يحل محل ماديسون مع خوض مونرو السباق ليخلف الرئيس جيفرسون عام 1808. 
ونشر صديق مونرو، وليام ويرت، الذي شغل منصب وزير العدل فيما بعد، كتاباً عام 1803 ذكر فيه أن «الطبيعة لم تهب مونرو عقلا سريعاً أو غنياً»، لكنه يتمتع بـ«بقدرة على التقييم قوية وواضحة». ومثل معظم البشر، تذكر مونرو الإهانة أكثر من تذكره الإشادة. وفي عام 1808، تنبأ ويرت بما قد يحدث وانتقل إلى معسكر ماديسون، وتلقى كبرياء مونرو ضربة أخرى. لكن الأمور انتهت على نحو جيد حين تصالح الفيرجينيان وعين الرئيس ماديسون مونرو وزيراً للحربية والخارجية مما مهد الطريق إلى الخلافة داخل السلالة. 
...........................................
*أستاذ التاريخ في جامعة لويزيانا ستيت