إبراهيم الملا

شهدت بلاد «الصير» والحواضر التابعة لها، ما بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر حراكاً ثقافياً ومعرفياً استثنائياً في تلك الفترة التاريخية المحورية بالمنطقة، فبلاد الصير، وهي الاسم القديم لرأس الخيمة، كانت مركز جذب للعلماء والفقهاء والشعراء والمدونين والخطّاطين، كما كانت مركز إشعاع أيضاً لعلوم ومعارف شتى في شؤون الأدب والدين والفلك والجغرافيا والملاحة وغيرها، ومن هنا تأتي أهمية التطرق لشاعر كبير سكن بلاد الصير في القرن الثامن عشر وصار لاسمه صدى غالب، وحضور طاغ في المخطوطات القديمة، والمدوّنات العتيقة، وهو الشاعر محمد بن صالح المنتفقي، والذي ارتبط مع «الصير» برباط وثيق، بعد أن آنسَ المكانُ روحَه، واستحوذ على لبّه وفؤاده، وأصبح معجماً لخواطره، وكتاباً لمشاغله، وقرطاساً يدوّن عليه من حبر أفكاره وفيض أسراره.

بات المنتفقي هو العلامة الدالة، والإشارة الواضحة على ازدهار ثقافة التدوين بالمنطقة في مستهل وأواسط القرن الخامس عشر، وصولاً إلى نهايات القرن الثامن عشر، فكل المخطوطات الواصلة إلينا والموثقة لقصائد المنتفقي وآرائه الفقهية وتجليّاته الصوفية، تؤكد عمق وحيوية وفعالية العمل التدويني في المناطق القديمة بدولة الإمارات، على عكس ما يشاع من سطوة الجانب الشفاهي وحيازته للنصيب الأكبر من ثقافة المنطقة.
كما أن حضور اسم «جلفار» المدينة الساحلية التابعة لبلاد الصير، وارتباطها باسم الملّاح الشهير والشاعر الحصيف أحمد بن ماجد في سجلات ومخطوطات القرن الخامس عشر وما بعده، إنما هو تأكيد لهذا النزوع التوثيقي، والذي طالما سعت الدوائر والنخب الاستعمارية المتوافدة تباعاً على المنطقة إلى طمسه وتجاهله وحتى تشويهه.
تتقاطع سيرة «شاعر الصير» بشقيّها الأدبي والحياتي، مع سيرة شاعرين مهمّين في الإمارات هما: الماجدي بن ظاهر، ومبارك العقيلي، حيث يبدو من الشواهد التاريخية والمرويات الشعرية أن بن ظاهر والمنتفقي كانا يعيشان في الفترة الزمنية ذاتها تقريباً، والمتمثلة في بدايات القرن الثامن عشر، والدليل على ذلك ميلهما المشترك لكتابة القصائد المتوافرة على الحكمة والتأمّل والبصيرة، وكذلك كتابتهما لقصيدة رثاء متقاربة في المضمون والمحتوى، والموجهة لإمام الدولة اليعربية: سيف بن سلطان اليعربي، الملقّب بـ «قيد الأرض»، ويؤكد هذه المعلومة الباحث الدكتور راشد أحمد المزروعي في تقديمه لديوان «شاعر الصير»، قائلاً: لقد استنتجت أن الشاعر الشيخ محمد بن صالح المنتفقي قد عاصر الشاعر بن ظاهر، حيث اتفق الاثنان على رثاء الإمام سيف بن سلطان اليعربي، وهو دليلنا الوحيد على أنهما عاشا في العصر نفسه برغم أن أياً منهما لم يشر إلى الآخر في قصيده، إلا أن الواضح من ذلك أن ابن ظاهر كان يعيش في البادية، بينما شاعر الصير كان يعيش في الساحل، وفي ظل عدم وجود المواصلات وصعوبة التنقل بين البادية والمدن الساحلية خاصة الداخلية، فلم تكن هناك صلة بين الاثنين، أو حتى معرفة».

تشير المخطوطات الموثّقة لقصائد المنتقي إلى وجود حركة ثقافية نشطة في شبه الجزيرة العربية جمعت الصير ببلاد عمان واليمن والعراق، وكانت هذه الحركة مشفوعة بطلب العلم والتقرّب من كبار الشعراء والفقهاء للتزوّد من بحر فنونهم ومناهجهم وفلسفاتهم، وكان دون هذه الحركة الكثير من المشّاق، والترحال الصعب، والسفر المنهك، والمواقف الصاخبة، والقصص الأثيرة، ولكن نتائجها كانت غنيّة أيضاً بالخبرات واكتساب المعارف ومجاورة الأتقياء والعرفاء وجهابذة الشعر والأدب.
وإذا كان معنى الصير في اللغة هو منتهى الأمر وغايته، وفي معنى آخر هو الماء الذي يقيم عنده الناس، فإن الوقع الماديّ لهذا المعنى يكون مجسّداً في تلاميذ المنتفقي الذي صار اسمه ملازماً لمحلّ إقامته، فهو بالنسبة لتلاميذه المقربين وأولئك القادمين من أصقاع الدنيا بمثابة الغاية والمنتهى، وهو مورد الماء الفائض عليهم بالحكمة والسحر والجلال، والمستجيب لظمئهم، والمُشبِع لحاجتهم في قراءة شؤون الدنيا، والتبصّر في أحوال الوجود.
ويشير الدكتور راشد المزروعي في تقديمه لديوان «شاعر الصير»، الذي جمعه وحققه الباحث العُماني عبدالله بن قاسم القاسمي، والصادر عن نادي تراث الإمارات في العام 2015 إلى أن الشيخ محمد بن صالح المنتفقي اندثر اسمه لما يقارب من 300 عام، وأن المخطوطات الذي ظهرت مؤخراً أعادت تسليط الضوء على منجزه الإبداعي، وأعادت البريق لمكانته كشاعر ذي مقام كبير في التراث الشعري والثقافي بالإمارات، مضيفاً أننا في أمسّ الحاجة اليوم إلى أن ندرس ما قدّمه مثل هؤلاء الشعراء خلال فترة زمنية قديمة حتى نتمكن من معرفة التطوّر التاريخي للأدب المحلي، وخاصة الشعر الفصيح الذي يجب الاهتمام به وبجمعه ونشره وحفظه، فالشعر الفصيح خلال القرون الماضية يعبّر عن تجربة ومستوى رفيع من الثقافة السائدة في المجتمع المحلي، ولذلك فإن البحث عنه وتوثيقه يعدّ واجباً وطنياً في حفظ تراثنا الشعبي من النسيان.
ويتطرّق المزروعي إلى أصول الشاعر المنتفقي، موضحاً أنها تعود إلى إحدى الأسر العربية المعروفة في البصرة بالعراق، وهم يقطنون «الآجام والقصب التي تقع بين البصرة والكوفة من العراق» وأنه مكث في «لنجة» طلباً للعلم مدة ثلاث سنوات، ولعله من لنجة توجّه إلى «الصير» التي طاب له المقام فيها، فاتخذها وطناً واشتهر بها، وأصبح ينسب إليها، فيقال له «الصيري» أو«ساكن الصير»، وقد أقام فيها وفي رؤوس الجبال مدة حياته، ناشراً للعلم، مجيباً عن أسئلة المستفتيين، مرشداً للعوام، مربيّاً للطلبة، وتذكر بعض المخطوطات أن محل سكنه في الصير كانت في بلدة تسمى «شعم»، وهي بلدة ما زالت موجودة حتى الآن وتتبع إمارة رأس الخيمة وهي تبعد حوالي 30 كم شمالاً من مدينة رأس الخيمة، ثم انتقل بعدها إلى بلدة «بخا» ومكث فيها زمناً، ثم انتقل بعدها إلى «كمزار»، والتي ظلّ فيها مقيماً حتى وفاته رحمه الله عام 1732م على وجه التقريب.

«رحلة إلى الصير» 
في كتابه: «رحلة إلى الصير» الصادر عام 2007 عن المجمع الثقافي بأبوظبي، يذكر الشاعر والباحث الراحل «أحمد راشد ثاني» وجود صلة ملحوظة بين الشاعر محمد بن صالح المنتفقي «ساكن الصير» وبين كبار المتصوفة الحضارمة أمثال «عبدالله الحدّاد»، و«الهندوان»، و«العيدروس»، وأنه أخذ العلم عن عبدالله الحدّاد بالمكاتبة، وعندما توفي الحدّاد، امتدحه المنتفقي في أكثر من منظومة شعرية، وأشار أحمد راشد في الكتاب إلى أن المنتفقي كان صاحب خوارق كثيرة، ومنامات عجيبة، وأنه عُرف بالشيخ الفصيح البليغ.

مخطوطات موثقة 
يشير الباحث الدكتور راشد أحمد المزروعي إلى عدد من المخطوطات الموثقة لنتاجات المنتفقي الشعرية، مثل مخطوطة «المواهب والمنن في مناقب الحسن» للشيخ علوي بن أحمد بن الحسين الحداد «والتي احتوت على ثلاث قصائد من أشعار المنتفقي، وهي: قصيدة «الداعين إلى الهدى الرادعة عن الردى»، ومرثية الإمام قيد الأرض، وقصيدة «يا من تمتّع بالأمل»، وقد أوردها الباحث أحمد راشد ثاني في كتابه «رحلة إلى الصير». أما المخطوطة الثانية التي نوّه إليها المزروعي، فهي: كتاب «اتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان» للشيخ سيف بن حمود، أما الوثيقة الثالثة، فتتمثل في مخطوط مكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي بالسيب بسلطنة عُمان، وبعنوان: «مجموعة قصائد للإمام الشافعي والمنتفقي والخزرجي» ومؤرخ بتاريخ 1938م، وقد تضمن المخطوط ثماني قصائد للمنتفقي هي: «يا من تمتع بالأمل»، و«ظهر الفساد» «القهوة»، «لنجة»، «نفقوا النفاق»، مرثية الإمام قيد الأرض، قصيدة: «سلّم تسلم»، وأخيرا قصيدة «طلبت القرار فلم يحلّ لي»، مشيراً إلى أن الباحث عبدالله القاسمي كان قد عثر على مخطوطة «الرسالة المنوّرة للشيخ المنتفقي في الإجابة على أسئلة وردت إليه من البصرة»، وقد قيّد المنتفقي في آخرها قصيدة منظمة بتاريخ 23 محرم 1135 هـ الموافق لسنة 1722م والرسالة بقلم محمد بن حجه الصحارى العماني نقلها من نسخة المؤلف، وأضاف إليها قصيدة طويلة أخرى للمنتفقي، وهاتان القصيدتان بعنوان: «من اعتاض عن رضوان مولاه»، وقصيدة: «سلّم تسلم».

خواصّ تعبيرية
هنا نماذج من قصائد الشاعر محمد بن صالح المنتفقي، الدالة على تمكنه من الإحاطة بإمكانات اللغة الشعرية، وما تشتمل عليه من خواصّ تعبيرية، ودقة في التصوير وجزالة في النظم والتوليف، والمشيرة أيضاً إلى ميله للتفكّر والاستغراق والنظر السديد في شؤون الدنيا، والخروج منها بنتائج ناصعة، وعِبَرٍ نافعة، وأقوال رائعة، فيقول في قصيدته الشهيرة بمنظومة الوصايا وهي من البحر الطويل ما يلي من أبيات:
«إذا قلت لم أقصد جدالاً ولا مرا
ولم أطلب الدنيا مريداً تكاثرا
ولا مِدْحَة أبغي ولا سمعة ولا
رياء ومن راء يُرَدّ إلى ورا
ولكنّني أوتيت قلباً يميل لل
نصائح وعظا لي وللغير زاجرا
فأجعلها في سلْك نظمٍ أقيمه
على منبر التذكير بالخير آمرا
لترشد من مثلي إلى كل خصلةٍ
تحبّ وترضى باطناً ثم ظاهرا»
ويقول في قصيدة أخرى بعنوان: «يا من تمتّع بالأمل»، وهي من بحر مجزوء الكامل:
«يا من تمتّع بالأمل
يا من تجاهل في الجهل
إن كنت ذا جهل فًسًلْ
يا من تعاما في العمل
عمّن ترحّل ومضى
ومن تصرّم وانقضى
ومن على ظهر الفضا
الخيل جرد والإبل
أين الجبابرة الأولى
واين أرباب العلا
وأين من حل الغلا
وبالبساط يستظل»