أبوظبي (الاتحاد)

«المالد» أو «المولد» كما اشتهر اسمه، هو الاحتفال بمناسبة ولادة النبي صلى الله عليه وسلم من خلال أداء الأناشيد، وقراءة قصة ولادته صلى الله عليه وسلم، وهو موروث إسلامي قديم، ترجع جذوره إلى استقبال أهل المدينة المنورة للنبي صلى الله عليه وسلم عند قدومه مهاجراً إليها من مكة المكرمة، وفتيات المدينة من بني النجار ينشدن في استقباله:

طلع البدر علينا  من ثنيات الوداع 
وجب الشكر علينا  ما دعا لله داع

«المالد».. يُعتبر من الموروث الإماراتي من الجانب الروحي، حيث المحبة، والتعلق بالقيم الروحية السامية، والتعريف بشخصية نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، وتعليق القلوب بها، والتراحم المجتمعي، والجمال والفن، وهذا هو الإسلام الذي ورثه أهل هذه البلاد منذ عصور، ولم يزل إلى يومنا هذا.
وتعود جذور هذا الموروث إلى أهل التصوف، الذين يقول فيهم العلامة ابن خلدون «وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم طريقة الحق والهداية... فلمّا فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة».
وقد عرف عند أهل التصوف «السماع»، وانتشر بينهم منذ القرون الأولى، واعتبروه وسيلة من الوسائل المباحة للتذكير وجمع الهمة على الخير، وصنف العلماء الكتب في آداب السماع، ونظموا القصائد التي تنشد في مجالسه.
وقد تنوعت طرق أداء هذه الأناشيد بتنوع البلاد، وتنوع اللغات والشعوب التي تعبر عن محبتها للنبي صلى الله عليه وسلم، ومواجيدها الروحية، وهكذا هو الأمر عند أهل الإمارات.

  • «المالد» من الموروثات عند أهل الإمارات (الصور من المصدر)
    «المالد» من الموروثات عند أهل الإمارات (الصور من المصدر)

قصيدة «البردة»
يقام الاحتفال بمناسبة مولد النبي صلى الله عليه وسلم بقراءة بعض النصوص النثرية والشعرية ذات المستوى الرفيع، التي كتبت لسرد قصة ولادة النبي صلى الله عليه وسلم ومجمل سيرته، أو في مدحه وذكر شمائله الشريفة، ومن أشهر النصوص النثرية التي نالت القبول عند العلماء وعامة الناس، مولد «عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر»، الشهير بـ«مولد البرزنجي»، لمفتي الشافعية بالمدينة المنورة زين العابدين جعفر بن حسن البرزنجي (المتوفى سنة 1177هـ/‏‏‏1764م) وهو من الموالد التي تقرأ في مختلف البلاد حول العالم.
أما النصوص الشعرية فأشهرها قصيدة «البردة» للإمام البوصيري، التي تعد علامة لافتة في تاريخ الأدب العربي، وقد ارتبطت بوجدان المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها منذ أنشدت، ولأهل الإمارات عناية خاصة بهذه القصيدة، حيث كان ينشدها الكبار على ظهور الإبل، ويتغنى بأبياتها المنشدون والمغنون، وينظم على منوالها العلماء والشعراء، وقد أقام المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، مبادرة ضخمة باسم «البردة» لإحياء ذكرى الحبيب صلى الله عليه وسلم، لا تزال قائمة إلى اليوم.

إنشاد جماعي
يؤدى «المالد» في الإمارات بطريقتين، الأولى هي قراءة النصوص النثرية، كمولد «البرزنجي» أو غيره من الموالد التي تسرد قصة النبي صلى الله عليه وسلم، وكثيراً ما يقتصر الناس في المناسبات الصغيرة على قراءة قصة المولد من كتاب «البرزنجي».
والثانية تكون بالإنشاد الجماعي للقصائد وكثيراً ما تكون من شعر سلطان العاشقين عمر بن الفارض، أو الشيخ عبدالرحيم البرعي، أو الإمام عبدالله الحداد، وقد تستخدم فيه «السماعات» جمع «سِماع» وهو الدف، ويكون إنشاده بجلوس المنشدين في صفين متقابلين، في أحد الصفين يجلس «النظيم» وهو قائد المجموعة ويجلس معه المنشدون الذين يحملون «السماعات»، وهم الذين ينشدون أبيات القصيدة الرئيسة، وفي مقابلهم يجلس صف «الرديدة» وهم الذين ينشدون «الردة» أو «الدور» الذي يتكرر بعد كل بيت من القصيدة، ويكون البدء بقراءة الردة عادة.
كما يقوم بعض المنشدين بقراءة القصائد بشكل فردي، ويجيبهم الحضور بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وغالباً ما تكون القصائد التي تؤدى بشكل فردي من القصائد المطولة.

«التخميرة»
يقوم البعض بالذكر بالتهليل «لا إله إلا الله» بعد قراءة المولد، ويتخلل ذلك «التخميرة»، وهي الأداء الفردي المصاحب للذكر، وقد تؤدى التخميرة عند أداء «مالد السماع»، حيث يتسارع ضرب الدفوف ويقوم النظيم بإنشاد بعض الأبيات بشكل فردي، ثم تعود المجموعة إلى الأداء الجماعي.
ويقام المالد عادة في المناسبات الدينية، كمناسبة المولد النبوي الشريف في الثاني عشر من شهر ربيع الأول، كما يقام في بعض المجالس بشكل شهري، ويقام أيضاً في المناسبات الاجتماعية المختلفة كالأعراس والانتقال لمنزل جديد وغيرها.