إبراهيم الملا

رحل عن دنيانا قبل أيام الشاعر الشعبي الكبير محمد بن صقر بن جمعة «1920م - 2020م» عن عمر يناهز المائة عام، وشاعرنا - رحمه الله - والمعروف أيضاً باسم: «ابن صنقور» يعد من الشعراء المتماسّين بقوة مع حيثيات وتفاصيل الحياة اليومية القديمة في الإمارات، وكان لاختزانه الذهني وتواصله العاطفي مع هذه التفاصيل، وهضمه لها حسّياً ووجدانياً، أثر كبير على شعره ذي الخصوصية الفارقة عن شعر أقرانه ومجايليه من روّاد القصيدة النبطية على امتداد الخريطة الجغرافية للدولة.

المشهد الشعري

لعب ابن صنقور دوراً مهماً في إثراء المشهد الشعري المحلّي، وضخّه بالتعابير العجيبة والرؤى المستفيضة، ذات الملمح الساطع، والسبك اللامع، ضمن المناخ الثقافي والأدبي العام، ولم يكن التكلّف ديدنه لتحقيق هذا السطوع والإبهار، حيث اعتمد في شعره على الدفق العفوي، وعلى السيولة التعبيرية الفطرية، لسبر المكامن الخفية والمتوارية لجوهر الأشياء، لا لتكوينها الخارجي فقط، استشعر ابن صنقور قيمة الحوار الداخلي «المونولوج»، والحوار الظاهري بطبيعته التبادلية «الديالوج» مع الشخوص الحاضرين والافتراضيين، ومع الطبيعة والعناصر والكائنات المحيطة به والمشتركة معه بعلائق متعددة الأصناف والتصاوير، متأثراً بتحولاتها، وملمّاً بأبعادها الوجودية، ما دفعه إلى تقمّص أدوارها، ومحاكاتها، واستجلاب بواطنها، وبالتالي لجوئه لاستعارات لصيقة وملازمة لمفردته الشعرية، وكذلك توليفه لصياغات فارهة، حرّرها بعد ذلك، وأطلق لها العنان في سجله الشعري الممتد والمتنوع، المشابه لحال شاعرنا نفسه «المقيم على قلق» والمنشغل بالترحال، الجامح ببصيرته، والمندفع لاكتشاف الأسرار، واقتحام الغامض والمبهم، واستجلاء ما هو عصيّ على التفسير، وما هو مُسَوّرٌ بالعذر والتبرير.
يبوح ابن صنقور بلواعج قلبه وحيرة فؤاده من خلال قصيدة لافتة يحاور فيها طائر الحمام، ويتماهى في مشاكاة متبادلة معه، قائلاً:
«يا الحمامة خذتي فوادي /‏‏ من غناك اللي تغنّينه
من سمعتك فوق لَعْوادي /‏‏ نذكره لي عاد ناسينه
واحترمت النوم وارقادي /‏‏ والمعاش اللي مسوينه
آه أنا ونّيت واهوادي /‏‏ من فراق اللي مودينه»

فترد عليه الحمامة بمنظورها المُستشفّ من قبل الشاعر، قائلة:
«يا محمد يا بن ليوادي /‏‏ لا تلوم النفس مسكينه
ييتني في يوم لعيادي /‏‏ والهوى هذي مياحينه»

تعبّر هذه القصيدة عن مدى الشفافية التعبيرية المحيطة بشاعرنا، والتي أهلته لاستيعاب «منطق الطير»، وهذا الحوار المتبادل بينه وبين الحمامة يؤكد هذا المسلك التوصيفيّ الخاص والمتفرّد في شعر ابن صنقور، فهو يخترق العادي والطبيعي، ليستخرج لنا العلوم الكامنة، والمدارك الخافية، قابضاً على جمرة المعنى، ومحتفظاً بشرارة الوجد، هذه الشرارة المُولِّدة لضوء الإبداع ولحرارته القادرة على إذابة الحواجز السميكة بين المعقول واللا معقول، يبوح الشاعر بآلامه للحمامة المستندة على أعواد الشجر، خصوصاً أن صوت هديلها يذكره بوداعة المحبوب ولطفه، والذي طغت المشاغل وتراكم الأيام على صورته وحضوره، لقد أعادت مشهدية الشجرة المتآخية مع الحمامة، تلك الصورة المفتقدة وتلك المشاعر المتقّدة التي جمعته منذ زمن بعيد مع المحبوب، الأمر الذي يدفع الحمامة لمواساة الشاعر وتخفيف وجعه، مستخدمة صيغة النداء، وذكر اسم الشاعر بوضوح: «يا محمد»، وفي هذا التوليف الشعري سمة عجيبة بلا شك، لأنها تستبدل الكائن المُغاير والمحايد، بكائن آخر ناطق وعارف ومستوعب لمعاناة الشاعر المحبّ، ومحيط أيضاً بما يؤذيه من لسعة الجوى، وحرقة الصبابة.
وفي قصيدة أخرى يمكن إضافتها لهذا السياق المفعم بالإدماج والمماهاة والتداخل الوجداني مع الطيور والحيوانات المستأنسة، يقول ابن صنقور:

«حمايم ينّي مراويح /‏‏ كزّن وخزّنّي بالارصاد
هِنْ جرّحَن قلبي تِجَرّيح /‏‏ جرحين ما يِبْرن يا ليواد
من الوِجَل ما بتّ أنا مريح /‏‏ والله ما غضّيت برقاد
ولا بقالي عظمٍ صحيح /‏‏ قصّن علق كبدي ولفواد»

تمتزج صورة الطيور هنا مع صورة المحبوب، فيتحوّل الجَمْع إلى مُفْرَد، وتتشابك الأطياف والمعالم لتصبح واجهة مكثّفة لشخص عزيز حالت الظروف الصعبة والأحوال المعاكسة دون ملاقاته والاجتماع به، يستثمر ابن صنقور في هذه القصيدة الإمكانات السردية لخياله الخصب، لينسج لوحة شعرية تتعاضد فيها الحركة مع اللون وتتواشج في أنساقها البصرية: الحالة الجسدية المنهكة للشاعر، والحالة المعنوية المتصلة بالصورة الواضحة للحمائم الحاضرة، إزاء الصورة المشوشة للمعشوق الغائب، هذه المفارقة المشهدية سيكون لها دور ملحوظ في تعميق مأساته، وإصابته بجرح لا يبرأ ولا يمكن شفاؤه أو تجاوز نتائجه المّفضية دوماً للسهاد والأرق والوَجَل والترقّب.

النشأة
ولد الشاعر محمد بن صقر بن جمعة في منطقة «لِيْمَحَه» في برّ أم القيوين، عام 1920م، وحسب ما يذكر الباحث الدكتور راشد أحمد المزروعي، فإن والد شاعرنا كان يدعى «صنقور»، فارتبط هذا الاسم به، وصار مشهوراً باسم «ابن صنقور» نسبة إلى والده، ويضيف المزروعي أن ابن صنقور عاش بداية حياته في بادية أم القيوين، وتمرّس في حياة البداوة، وركوب الإبل والقنص ومرافقة الرجال، حتى كبر فانضم إلى مرافقي المرحوم الشيخ أحمد بن راشد المعلاّ حاكم إمارة القيوين الأسبق.
وذكر المزروعي أن الشاعر ابن صنقور مارس مهنة نقل «الجريّات»، أي نقل المصطافين على ظهور الإبل إلى مناطق الواحات الزراعية كفلج المعلّا، والباطنة بسلطنة عمان، وغيرها، ثم انضمّ بعد ذلك إلى عمليات الغوص على اللؤلؤ، وكان ذلك في الأربعينيات من القرن الماضي، كبقية أبناء الإمارات آنذاك، موضحاً أن ابن صقر تمتّع بشخصية جذّابة وبطيبة وأخلاق عالية، واكتسب احترام الجميع، وقد تعلّق بالسفر منذ صباه، كما أصبح شاعراً مفوّهاً يشار إليه بالبنان، وأصبحت قصائده على كل لسان في ذلك الوقت، وفي منتصف الأربعينيات، انتقل شاعرنا من أم القيوين إلى دبي، وانضمّ إلى مرافقي الشيخ سعيد بن مكتوم حاكم دبي الأسبق، ثم عمل مع الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم - رحمهما الله - وقد تزوّج هناك واستقرّ في منطقة جميرا.

  • حاكم الشارقة يكرّم محمد بن صقر في الدورة الثامنة من مهرجان الشارقة للشعر الشعبي (أرشيفية)
    حاكم الشارقة يكرّم محمد بن صقر في الدورة الثامنة من مهرجان الشارقة للشعر الشعبي (أرشيفية)

كان الشاعر محمد بن صقر عضواً في مجلس شعراء تلفزيون دبي، بصحبة كبار الشعراء أمثال: الجمري، والهاملي، وابن سوقات، وقد ظل مشاركاً في البرنامج حتى بدايات التسعينيات، ويشير المزروعي إلى سؤاله للشاعر عن سبب تركه للمجلس، فأجابه قائلاً: «لم تعد هناك حلاوة للشعر بعد رحيل الجمري والهاملي»، وتدل هذه الإجابة المكثّفة على مدى حساسية الشاعر ابن صنقور، وتترجم وطأة وثقل الحزن عليه بعد رحيل أقرب أصدقائه من الشعراء الرائعين الذين يصعب تعويض حضورهم الإنساني، وإبداعهم النوعيّ.
ويصف المزروعي أسلوب الشاعر ابن صنقور بالجزالة وحسن الصياغة، فهو يختار الكلمات الجميلة في شعره، وينتقي زبدة التعابير والكلمات، فيخرجها على هيئة قصائد عذبة، مضيفاً أن المتمعّن في قصائده يحسّ بذلك حين قراءتها، موضّحاً أن «ابن صنقور» طرق معظم أبواب الشعر النبطي، مثل الغزل والمديح والشكاوى والاجتماعيات، وأن معظم قصائده أتت بأسلوب الرّدح، والونّة، وقليل منها بأسلوب المقالات، كما اشتهر بالقصائد المربوعة والمثلوثة، وهي الأساليب المميزة لديه.

مخاطبات
يصف الباحث علي العبدان الشاعر ابن صنقور، في دراسة خصصها للفضاءات الجمالية واللغوية في شعره، قائلاً: «نجد في أسلوب ابن صنقور تلاعباً جميلاً ومشوّقاً بأسماء الإشارة، وبتنويعات مختلفة لتحقيق الإثارة لدى المستمع»، مضيفاً أن ابن صنقور يتبع مسلكاً نادراً في بعض قصائده، حيث اخترع مخاطبات على لسان بعض الكائنات الحيّة في حوارات تدور بينها وبين الشاعر، بما يذكّرنا بالأدب القديم، كقصص «كليلة ودمنة»، مؤكداً العبدان أن ذلك يدلّ على سعة خياله، وعمق تصوّراته، ورهافة إحساسه بكل ما حوله.

«ديوان ابن صقر» 
صدر لشاعرنا محمد بن صقر بن جمعة كتاب اشتمل على معظم قصائده، بعنوان: «ديوان ابن صقر» جمعه وحققه الباحث الدكتور راشد أحمد المزروعي، يقع الديوان في 256 صفحة، وصدر في العام 2012 عن نادي تراث الإمارات، يضم الديوان أكثر من تسعين قصيدة، ويرد في مقدمته ذكر عدد من الشعراء الذين عاصرهم الشاعر محمد بن صقر في مسقط رأسه: «أم القيوين»، وهم: راشد بن مكتوم، وآمنة بنت حسن والدة الشاعر أحمد إدريس، وكذلك الشاعر عبدالله بالمر، ومحمد بن علي الكوس وغيرهم، ويرد في مقدمة الديوان أيضاً أن الشاعر «ابن صنقور» عاش أياماً صعبة في بداية حياته، إلّا أنه تجاوز هذه الظروف المعيقة، واستطاع أن يغرف من معين اللهجة المحلية بأبعادها الشعرية والجمالية، ما مكّنه في النهاية من حيازة لقب الشاعر بجدارة واستحقاق، نظراً لما قدّمه من إسهامات قوية في مجال القصيدة النبطية، بما تضمّه من أغراض متعددة وبحور ثريّة ومفردات غاية في التنوع والجمال والسحر.

حوار مع عقرب

للشاعر ابن صنقور قصيدة شهيرة تجمع بين الغرابة والحس الفكاهي، وتوائم بين المستهجن والمألوف، حيث يحاور العقرب الذي لدغة مرتين في يوم واحد، أثناء زيارته لأقاربه في برّ أم القيوين، ويقول في هذه القصيدة الغرائبية:

«يا سيف وش لي بايح /‏‏‏ في خوّانة لِزَمْ
ما للعقرب مدايح /‏‏‏ عوفه ما تنكتمّ
خلّتني م الجنايح /‏‏‏ في فوادي ملتجِم
إن سرت بلعي صايح /‏‏‏ ما يقوى لي عزِمْ»

فيردّ عليه العقرب قائلاً:
«مالك بيضا صبايح /‏‏‏ أرْوَحْك مستهمّ»

الشاعر:
«بالعوفه م الجنايح /‏‏‏ إنتي بنت السقم»

العقرب:
«ماله يدوس الطايح /‏‏‏ الخاطر يحتشم»

الشاعر:
«ما حطّه في ملايح /‏‏‏ لمعزّب يندفن
حشمة زين الفلايح /‏‏‏ عليك كان اتعمّ»

العقرب:
«عندي في الملايح /‏‏‏ رمحٍ ما ينتجم»

الشاعر:
«ما تقهرين الصايح /‏‏‏ ما يقهرون الدمّ»

العقرب:
«حرمتهم م الملايح /‏‏‏ منّه طفاك السمّ»

الشاعر:
«سمّك هبوب الفايح /‏‏‏ ما ظاول باللّحم
لكن عمرك رايح /‏‏‏ كلٍّ ماخذ سهمْ»

تكشف القصيدة أعلاه عن قدرة ابن صنقور في إنشاء حوارات متخيلة مع كائنات الصحراء، مُفْسِحاً المجال للطرف الآخر غير البشري للردّ والدفاع والنقاش، وتعبّر القصيدة أيضاً عن الصفة المميزة في شعر ابن صقور، والمتمثلة في استحضاره للحالة الدرامية الجدلية، المشمولة بالكناية والإسقاط والترميز، منطلقاً من الحكاية الشخصية، والحادثة العَرَضية، إلى مفهوم إنساني أوسع وأشمل تتقاطع فيه الأفراح والأتراح، والمباهج والخيبات، في فضاء تأملي ينضح بالحكمة والقراءة الواعية والمتمعنة في أحوال الدنيا وتقلباتها.