نسرين درزي (أبوظبي)

تُحدث القهوة في النفس مشاعر قوية، وهي أكثر من مجرد مشروب، حتى إن البعض يراها أساساً للتواصل واللقاءات، وهي بالنسبة لعشاقها شغف حقيقي وبداية ليوم مشرق أو جلسة لا تنسى، ويحظى سوق «القهوة المختصة» بمكانة راسخة وأصيلة في ثقافة المنطقة، ولا عجب أن فنجاناً بسيطاً منها يحكم قبضته على تشكيلة المشروبات الساخنة. وبالتعرف إلى رحلة القهوة من حقول القطاف إلى الكوب، تتضح المحطات التي تقطعها حبوب البن على أيادي المزارعين، وصولاً إلى محامص تحضيرها بألف نكهة ونكهة، ويستخدم مصطلح «القهوة المختصة» لتمييزها عن الأنواع التجارية من حيث الجودة، حيث تحقق درجة تتجاوز 80 من أصل 100، مما يحدد سعرها بحسب تصنيفها، غير أن مفهوم «القهوة المختصة» أوسع من ذلك بكثير، ويشمل إدارة كل العوامل المؤثرة في إنتاج كوب رائع المذاق، وكل ما يدخل في تركيبته ويثري نكهته، وغالباً ما يكون لمحامص «القهوة المختصة» سلسلة توريد شفافة وعلاقة مباشرة مع مزارع المنتَج، إن حالفها الحظ، لضمان الحصول على النوعية نفسها، والحفاظ على رضا الذواقة.

عن القصة الكاملة لفنجان القهوة الذي نرتشفه، والتي تختزل المسافة على سعة القارات، تحدثت لـ«الاتحاد» كيم ثومبسون الخبيرة في صناعة «القهوة المختصة»، مشيرة إلى أن دولة الإمارات حققت تقدماً واضحاً في هذا المجال، باحتضانها لأفضل بيوت القهوة، بما يضاهي أصناف «الأرابيكا» الجاهزة، وقالت: «ما لا يعرفه كثيرون أن سر المذاقات اللذيذة لا يقتصر على بلد الإنتاج، إذ إننا مثلاً نشتري حبوب البن من عدة بلدان، ونعمل على تحضيرها بخلطة خاصة تمنحها التميز، حتى يخال للبعض أن النكهة تعود للمصدر الأصلي»، وهذا غير صحيح، فالقهوة الكولومبية، مثلاً، ليست كلها بالمذاق نفسه، أصنافها تختلف باختلاف أنواع البذور، وجودة المزارع، وسلامة التربة، والطقس، وأشعة الشمس، والمطر، وكلها عوامل تؤثر على النكهة تماماً، والأهم من ذلك أنه بمجرد نضوج حبوب البن وقطافها، فإن طريقة معالجتها تلعب دوراً أساسياً في تطور الخصائص التي قد تميز بلد المنشأ. 

مصطلحات جديدة
وأوضحت ثومبسون أنه مع تطور التجارب وخبرات المعالجة، ظهرت مصطلحات جديدة في صناعة القهوة مثل «التخمّر اللاهوائي» أو «النقع الكربوني»، وهي السبب وراء النكهة العميقة التي ترضي الذواقة المتطلبين، وعليه فإن المقاهي الحديثة تسعى بالدرجة الأولى إلى استحضار تلك الأجواء من خلال منصات التقطير البارد، وتقنية «السيفون» والسكب عبر الأقماع، وجودة الماء باعتباره العنصر الأكثر استخفافاً بأهميته في تحضير فنجان القهوة، وفي نهاية المطاف يصعب تحديد من يستطيع تقديم «القهوة المختصة» الأفضل، لأن الأمر شخصي، فالبعض يربطه ببلد المنشأ، أو بالحي الذي يعيش فيه، أو بعامل «باريستا» محترف يعرف كيف يضبط المذاق، لاسيما مع تطور مشهد الضيافة في المقاهي.

عالم ساحر
ومما لا شك فيه أن «القهوة المختصة» عالم ساحر يتيح الإحساس بفسحة خاصة، سواء في مقهى، أو مكان ما تحقق مؤثراته الشعور بالراحة والانتماء، ولهذه الأسباب ذكرت ثومبسون أنها تعمل، ضمن مؤسستها، على تخزين أكياس البن الأخضر وتحميصه لتوفيره إلى هواة احتساء القهوة في منازلهم، لأن شريحة كبيرة منهم تفضل إعداد أكوابها بنفسها، مؤكدة على ضرورة مواصلة التدريبات وتبادل المعارف في حب القهوة، إذ لا يمكن تقديم خلطة مختصة بالشكل المناسب من دون وجود خبراء ماهرين يتقنون فن الإعداد والتقديم، مع أهمية دعم عائلات المزارعين في بلدان المنشأ، لأن تفانيهم في عملهم هو أصل النجاح.
وتأتي غالبية حبوب البن المختصة من دول العالم الثالث، أو البلدان الفقيرة التي تعتبر القهوة أهم صادراتها، ويكافح الكثير من العاملين بحقول البن في تلك الدول لكسب قوتهم، وسداد أقساط ضمانهم الاجتماعي والتزاماتهم المعيشية، ولولا جهودهم، لما توفرت المنتجات بجودة عالية.

خلطة محلية
يظن كثيرون أن «القهوة المختصة» التي تصنعها ثومبسون، هي منتج أجنبي، وأن منشأها نيوزيلندا أو أستراليا، إلا أنها خلطة محلية نشأت وتطورت في دولة الإمارات، وقد بدأت كيم ثومبسون مشروعها باصطحاب حبوب البن معها، ضمن حقائبها، من المحامص المفضلة لديها حول العالم، وتحرص شركتها منذ تأسيسها في يوليو 2007، على استخدام حبوب البن الحائزة شهادات عضوية، وتحميصها على دفعات صغيرة بعد انتقائها من مصدر واحد أو مزيج متعدد المصادر، وتقوم بتحميص حبوب البن العربية من الصنف الممتاز في دولة الإمارات، وتقدم خدمات تدريب معدّي القهوة «الباريستا»، وخدمات استشارات حول التصميم وطابع المنتجات المقدمة في اللائحة، وتحسين سير العمل.