تامر عبد الحميد (أبوظبي)

خاض في السنوات الأخيرة بعض صناع السينما، خصوصاً فئة الشباب منهم، تجربة الإخراج في عالم الدراما التلفزيونية المحلية، ورغم الصدى والنجاح الذي حققته هذه الأعمال التي تولوا إخراجها، فإن حضورهم لا يزال «خجولاً»، ولم تستمر تجاربهم الإخراجية الدرامية، وظلوا في قفص الغياب لفترة طويلة، وانصب اهتمامهم نحو صناعة السينما، حيث حققوا من خلال أفلامهم القصيرة والطويلة رواجاً كبيراً، بل وتخطت أغلبها نطاق المحلية.. فما أسباب غيابهم عن إخراج الأعمال الدرامية التلفزيونية؟ وما أهم الإشكالات والعقبات التي تواجههم، رغم أنهم يمتلكون من الأدوات والإمكانات الإخراجية ما يؤهلهم بأن يتصدروا المشهد الإخراجي الدرامي كما السينمائي؟

فهم المنظومة
أكد المخرج والممثل ياسر النيادي، الذي تولى في السابق إخراج مشاهد لندن في مسلسل «ص.ب 1003»، الذي عُرض على قناة «الإمارات» منذ عامين، وعمل مساعد مخرج في مسلسل «زمن طناف»، أن المشكلة الرئيسة التي تمثل عقبة كبيرة أمام صانع الأفلام السينمائية في خوضه تجربة إخراج الدراما التلفزيونية، هو فهم المنظومة، خصوصاً أن الإخراج في السينما يختلف عنه تماماً في التلفزيون، من ناحية سقف الطموحات والميزانية والتوقيت، وغيرها من المفاهيم الأخرى التي يجب أن يكون المخرج على دراية ووعي كبير بها، حتى لا يقع ضحية الصدمة.
وتابع: عندما قررت الإخراج في عالم الدراما، حاولت الاندماج أولاً في هذه الصناعة وفهم ما يحدث فيها، من خلال عملي كمساعد مخرج مع مخرجين كبار مثل باسم شعبو، ويرجع الفضل في ذلك إلى المنتج القدير سلطان النيادي، الذي أولاني هذه المهمة لكي أدخل في عالم الإخراج الدرامي، واكتسب الخبرات اللازمة التي تؤهلني للاستمرار في هذا المجال.

  • عمر إبراهيم خلال تصوير «على قد الحال»
    عمر إبراهيم خلال تصوير «على قد الحال»

لغة السينما
وأوضح النيادي أن الإخراج في الدراما في هذا العصر، أصبح لا يختلف كثيراً عن السينما، خصوصاً أن هناك العديد من المسلسلات التي أصبحت تصور بلغة السينما، ويحرص صناعها على إظهارها بجودة عالية من ناحية التقنيات والنص والأداء، وهناك بعض المسلسلات ذات الجودة العالية التي تم عرضها على منصات رقمية مثل «المنصة»، أما الاختلاف الحقيقي، فيعود إلى آلية العمل نفسها، ففي الدراما الإماراتية التي تنصب في موسم درامي واحد وهو رمضان، يضطر المنتج وفريق العمل وكذلك المخرج في البدء في عجلة التصوير سريعاً، حتى يستطيع اللحاق بالخريطة الدرامية الرمضانية، ما يسبب ضغطاً وتوتراً كبيرين، خصوصاً للمخرج الذي يقف وراءه بالمرصاد عوامل عدة تكون له بمثابة «البعبع»، منها توقيت إنهاء التصوير وسرعة التنفيذ بسبب الموعد المحدد لتقديم العمل للمحطة من قبل المنتج المنفذ.
وأضاف: تمت الاستعانة ببعض المخرجين العرب في الدراما المحلية، لكنهم كانوا مؤثرين جداً، ولديهم الحرص الكبير في ترسيخ الهوية المحلية والحفاظ على الثقافة الإماراتية، أبرزهم عارف الطويل ومصطفى رشيد وباسم شعبو، الذين اجتهدوا للوصل إلى أقرب التفاصيل في العادات والتقاليد الإماراتية الأصيلة، بل وتعلمنا منهم الكثير في هذا المجال.

استراتيجية واضحة
وأكد النيادي أن لديهم الإمكانات والمؤهلات اللازمة التي تؤهلهم لتحقيق الاستمرارية في الإخراج التلفزيوني، ولكنهم بحاجة إلى استراتيجية واضحة، والتي من المفترض أن يتعاون في تحديدها وبوضوح صناع الدراما أنفسهم من منتجين منفذين وقنوات تلفزيونية، من نص كامل وميزانية ووقت محدد لبدء البروفات والتصوير قبل رمضان بفترة طويلة، ووقت محدد أيضاً للتسليم، حتى لا يقع المخرج في فخ الخيال والطموحات، كما يفعل في السينما، ولا يتحقق ذلك على أرض الواقع في الدراما.

  • راكان
    راكان

أزمة ثقة
من جهته، أوضح المخرج راكان الذي تولى إخراج مسلسل «البشارة» لبطله جابر نغموش منذ عامين وعرض على شاشة «الإمارات»، أن المخرج الإماراتي لديه الكفاءة والإمكانات العالية لإخراج أعمال درامية وسينمائية على أعلى مستوى، وقال: المشكلة الرئيسة تعود إلى عدم ثقة المنتج والقنوات التلفزيونية في المخرج المحلي، رغم أن إمكاناته وقدراته لا تقل شيئاً عن المخرجين الخليجين والعرب، لكن في النهاية تبقى أزمة الثقة وعدم إتاحة الفرص، هي العائق الأكبر لكي يتولى المخرج المحلي إخراج الأعمال الدرامية التلفزيونية، رغم إنجازاته في عالم «الفن السابع».
ويرى راكان أن المخرج السينمائي لديه الرؤية والمؤهلات التقنية الفنية التي تجعله يتولى إدارة إخراج عمل درامي بكل أنواعه، سواء الكوميدي أو التراجيدي والاجتماعي، تحت ظروف وضغوط آلية العمل الدرامي، فعندما تعطى الفرصة وتبنى الثقة، تظهر الإبداعات والقدرات في خلق أعمال درامية تلفزيونية على قدر المستوى.

أقل التكاليف

أكد المخرج عبد الله حسن أحمد، الذي تولى إخراج عملين دراميين في السابق، هما: الإماراتي «رواي الخراريف» عام 2015، والكويتي «بنات الجامعة»، أن ضعف حضور المخرج الإماراتي في الدراما التلفزيونية يعود إلى أسباب عدة، أهمها القنوات التلفزيونية التي لا تدعم المخرج المحلي. وقال: للأسف، أغلب أعمالنا الدرامية يتولاها منتجون منفذون، حسب الميزانية التي رصدت لهم، وعليه أن ينفذ العمل بأقل التكاليف، حتى يعود إليه بالأرباح، لذا يفضل مخرجاً بأقل التكاليف، في حين المخرج المحلي سيكلفه أجراً أعلى من المخرجين الآخرين. وتابع: المخرج الإماراتي محترف ولديه قدرات وإمكانات كبيرة، والدليل النجاحات الباهرة التي حققها في عالم السينما.

تغيير جذري
شدد المخرج عبد الله حسن أحمد، على أهمية تغيير آلية العمل في الدراما التلفزيونية من قبل مسؤولي القنوات، والاستعانة بصناع السينما، من مؤلفين ومخرجين ومنتجين، بهدف تطوير صناعة الدراما المحلية، خصوصاً أنها بحاجة إلى تجديد وتغيير جذري، موضحاً أن الدراما المصرية في السنوات الأخيرة أخذت شكلاً جديداً، وظهرت بمعايير فنية عالية، بفضل دخول المخرجين السينمائيين هذا المجال، لذا فإن دخول صناع السينما الإماراتيين في مجال الإنتاج الدرامي التلفزيوني، سيعززها ويسهم في تطويرها.

  • «راوي الخراريف» من إخراج عبد الله حسن (الصور من المصدر)
    «راوي الخراريف» من إخراج عبد الله حسن (الصور من المصدر)

عائق كبير
أكد المخرج عمر إبراهيم، الذي تولى إخراج عدد من المسلسلات المحلية، منها «حنة ورنة» و«ديمة وحليمة» و«عام الجمر» و«على قد الحال»، أن المخرج السينمائي لديه سقف من الإبداع في إخراج المشهد السينمائي بشكل فني، ويريد أن يحلق بعمله في السماء، بإخراجه بأعلى جودة وتقنيات، والأمر نفسه يريده في الإخراج الدرامي التلفزيوني، لكنه لا يستطع ذلك، لأن المنتج تحكمه الميزانية والوقت المحدد لتسليم العمل للقناة، الأمر الذي يسبب عائقاً كبيراً بالنسبة لمخرج الدراما التلفزيونية، لكن في النهاية المخرج الإماراتي حاضر وبقوة، وحقق العديد من الإنجازات في المجال السينمائي، ويستطع ذلك أيضاً في الدرامي حينما تأتي له الفرصة المناسبة، وفي الوقت نفسه، عليه أن يعتاد على ظروف الإخراج الدرامي التلفزيوني الصعبة، والتي تأتي بالممارسة واكتساب الخبرات، وهذا يتوقف على الدعم المقدم من قبل المنتجين والقنوات على أهمية إشراك وإعطاء مهام للمخرجين الإماراتيين في الأعمال التلفزيونية.

مسلسلات قصيرة
شدد المخرج ياسر النيادي على ضرورة دعم المخرج المحلي، وخلق مشاريع فنية تجمع صناع الدراما المحليين في أعمال مشتركة، مثل تنفيذ مسلسلات قصيرة، لتكون بمثابة فرصة لصانع الأفلام ليدخل هذا المجال ويمارسه عن قرب، خارج ضغوط الموسم الدرامي الرمضاني المحموم، لكي يكتسب المزيد من الخبرات، ويتحمل ظروف الإخراج الدرامي التلفزيوني الصعبة، بتعاون جميع الأطراف.