محمد وقيف

في أبريل 2003، عقب إصداره الأمر بغزو العراق، وقف الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش في غرفة استقبال المكتب البيضاوي، وشاهد صور «تحرير» البصرة على التلفزيون، والتي تُعد البوابة الرئيسية للبلاد، إلى جانبه كان يقف وزير الخارجية كولن باول، الذي كان حذّر بوش من مخاطر خلع صدام حسين من السلطة. كان الدخان ينبعث من مقر جهاز 
الاستخبارات، وسجن المدينة قد فُتح، والناهبون ينهبون المكاتب والكراسي وخزانات الماء من المباني الحكومية. وبينما كان بوش يشاهد الصور، بدت عليه علامات الحيرة والاندهاش، فتساءل: «لماذا لا يهتفون؟». 
وفي كتاب «شن حرب»، الذي يحفل بمثل هذه المشاهد المعبّرة، يبحث روبرت دريبر أوهام إدارة بوش بشأن العراق. ودريبر كاتب أميركي ينشر في مجلة «نيويورك تايمز ماغازين» وهو مؤلف كتاب «واثق جداً»، والذي هو عبارة عن دراسة لإدارة بوش اعتمدت على العديد من المقابلات، بما فيها مقابلات مع الرئيس بوش نفسه. 
ويشير دريبر إلى أن بوش، الذي يبدو أنه كان مستاءً من الطريقة التي وُصف بها في كتاب «واثق جداً»، رفض أن يخصه بمقابلات من أجل هذا الكتاب. إلا أن بوش لم يسع إلى عرقلة وصوله إلى مساعديه السابقين، وقام دريبر بعمل جيد في البحث والتقصي، بما في ذلك إجراء حوارات مع العديد من موظفي الأمن القومي السابقين، وتدقيق وثائق حكومية رُفع عنها خاتم السرية مؤخراً. والواقع أن دريبر لا يكشف عن أي معلومات جريئة أو غير معروفة، لكن يمكن القول إنه يقدّم أكثر رواية شمولية لسير الإدارة نحو الحرب، مؤكداً أن بوش كان بالفعل صاحب القرار في ما يتعلق بالعراق، إذ لم يكن ثمة أي نقاش بشأن عدم إسقاط صدّام. 
دريبر يذكّرنا بأن أسس الحرب كانت أُعدت وأُرسيت في أواخر التسعينيات من قِبل ما يمكن تسميته بالمجمع الصناعي الفكري في واشنطن، إذ وقع حدثان رئيسيان في عام 1998: الأول، هو عندما مرّر الكونجرس «قانون تحرير العراق» واعتمده بيل كلينتون ليصبح قانوناً، وهو مشروع قانون كان المهاجر العراقي أحمد جلبي وحلفاؤه من «المحافظين الجدد»، مثل بول وولفويتز، من أبرز المروّجين له، وقد جعل صدوره من إسقاط صدام حسين سياسةً أميركيةً رسميةً. أما الحدث الثاني، فتمثل في تشكيل الكونجرس للجنة رامسفيلد، التي وفّرت لوزير الدفاع في حينه دونالد رامسفيلد، ووولفويتز وصقور آخرين، منصةً بارزةً لانتقاد وكالة الاستخبارات المركزية الـ«سي آي إيه»، بسبب قصر نظرها المفترض، بشأن الأخطار المحدقة التي تطرحها كوريا الشمالية وإيران والعراق، وركّزت اللجنة بشكل خاص على سيناريوهات كارثية قد تسمح للعراق بالحصول على أسلحة نووية واستهداف أميركا «في وقت قصير جداً». 
في تلك الأيام، لم يكن أي من هذه الأمور يبدو مهماً بدرجة كبيرة، لكن بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر تغير الكثير، واستناداً إلى سنوات من التحذيرات بشأن التهديدات القادمة من الخارج، انضم رامسفيلد ووولفويتز إلى نائب الرئيس ديك تشيني، وشكّلوا جميعُهم فريقاً واحداً من أجل الدفع في اتجاه الحرب وعزل كولن باول المتردد. 
بعض أكثر الفقرات دلالة وتعبيراً في كتاب دريبر، تركّز على الضغوط القوية التي مارسها تشيني وكبير موظفيه «آي. لويس ليبي»، إضافة إلى مسؤول وزارة الدفاع دوغلاس فيث، على وكالات الاستخبارات من أجل دعم، بل فبركة، ذريعة مفادها أن لدى صدام علاقات وثيقة بتنظيم «القاعدة» وأنه يملك أسلحة دمار شامل. ويقدّم دريبر مديرَ الـ«سي آي إيه» السابق جورج تينيت، بشكل خاص، في صورة غير جميلة جداً.