نسرين درزي (أبوظبي)

«عزيزي المشترك، لقد اقترب ميعاد استحقاق فاتورتك»، «عزيزي العميل، إن مبلغاً وقدره... للحساب رقم... مستحق الدفع الآن يرجى السداد»، «عزيزي المشترك، لم تقم بدفع الفاتورة الخاصة بك والمستحقة بتاريخ...».. كلها رسائل تذكيرية ترد كل مرة بصيغة مختلفة للإشارة إلى ضرورة سداد بدل الخدمات المقدمة مسبقاً، ومع أن الأمر بدهي، إذ يرتبط باتفاق مسبق يضمن منظومة العرض والطلب، إلا أن ثمة من يمتعض عندما يرده تذكير بموعد استحقاق فواتيره، سواء عبر الرسائل النصية أو البريد الإلكتروني. وإذا كان الأمر منوطاً بعقد مبرم وواضح بين الجهة الخدمية والعميل، لماذا يشعر البعض بالانزعاج؟ وما هو النص القانوني في هذا الخصوص؟ وماذا يقول التقييم النفسي؟.
الابتسامة المثقلة هي القاسم المشترك، الذي عبّر من خلالها الأشخاص عن شعورهم لدى تلقيهم الرسائل الواردة شهرياً من الجهات الخدمية، وذلك على الرغم من اختلاف آرائهم حول المطالبة بدفع الفواتير في الوقت المحدد حسب حجم الاستخدام.
مع أنها ملتزمة بسداد المستحقات المترتبة عليها، إلا أن الموظفة سوزان الريس لا تنكر انزعاجها عند سماع رنين رسالة تطالبها بدفع فاتورة من هنا أو سند من هناك، وهي ترى أن الأمر يتعلق بعدم قدرتها على تنظيم دفعاتها والتزاماتها المالية قياساً بنفقاتها، معتبرة أنه من الأفضل لو أنها توكل أحداً ليتدبر الأمر عنها تجنباً لحال التوتر الذي ينتابها في مثل هذه المواقف.
الأمر نفسه بالنسبة لعبدالرحيم ظريف الذي يعمل في مجال التسويق، إذ يعترف بقلق ينتابه مع اقتراب موعد سداد الفواتير، وقال: إن الجهات الخدمية محقة بتذكير العملاء بواجباتهم، وأنه بمجرد أن يصله التنبيه الأخير يسارع إلى سداد كل ما عليه خشية أن تنقطع عنه أي خدمة ويكون مسؤولاً عن ذلك بسبب تلكؤه.
من جهتها اعتبرت رولا سماحة، متخصصة في مجال الرشاقة والتجميل، أن جدولة الالتزامات والنفقات تجنب الشخص أي تأخير عن سداد فواتيره، وأوضحت أنها تتعامل مع الرسائل التذكيرية بكثير من المنطق، لأنها تدرك مسبقاً حجم الخدمات التي تصلها، وعليه، فإنه من البديهي الالتزام من دون أدنى تأفف أو استغراب، ودفع الفواتير في الوقت المحدد.
واعتبر عبدو إبراهيم، مدير علاقات عامة، أنه بسبب المسؤوليات والضغوط التي يعيشها كثيرون على اختلاف مستوياتهم الاجتماعية، لا بد من تحديد النفقات بحسب القدرة المالية، وذلك بالنسبة له كفيل بالتأقلم مع مفهوم سداد الفواتير من دون تأخير، والتجاوب الكلي مع رسائل الجهات الخدمية المطالبة بشكل منطقي وقانوني بدفع مستحقاتها.
وقال إنه شخصياً يتعامل مع الأمر بشكل تلقائي، لا سيما أن الصيغة النصية التي تصل إلى العملاء عموماً، هي في إطار لائق ولا يشوبها أي تهديد.

عقود مُبرمة
عن المفهوم القانوني لهذه الرسائل تحدثت المحامية الدكتورة حوراء موسى، لافتة إلى ضرورة التعامل بجدية مع نصوصها، وقالت إن مختلف الجهات الحكومية والخاصة تقدم خدماتها مقابل رسوم، كخدمات الاتصالات والكهرباء والماء والمواقف والمصارف وسواها، والتي تُمنح للأفراد بعقود مُبرمة مسبقاً تضمن الإيجاب والقبول، ولأن العقد شريعة المتعاقدين، لابد لمقدم الخدمة أن يلتزم بتوفيرها، كما هو متعاقد عليه وأن يقوم العميل بسداد رسوم الخدمة في الوقت المحدد وحسب الاتفاق.
وأوضحت حوراء أن الجهات الخدمية غالباً ما تقوم بإخطار العميل بضرورة السداد تجنباً لقطع الخدمة والمساءلة القانونية، سواءً تم هذا الإخطار عبر الرسائل النصية أو البريد الإلكتروني أو البريد المسجل، ومن واجب العميل التجاوب معها من دون أدنى امتعاض، إذ أن وسيلة الإخطار هذه ليست مفاجئة، وإنما يكون العميل على علم بها بحيث يتم تحديدها مسبقاً عند التعاقد.
وذكرت أن هذه الرسائل قانونية بالشكل والمضمون ولا تسبب إزعاجاً في ماهيتها، وإنما مجرد إبلاغ بضرورة السداد قبل اتخاذ الإجراءات المتفق عليها في العقد كقطع الخدمة وصولاً إلى المقاضاة، ولا سيما أن للجهة الخدمية كامل الحق بمقتضى العقد باتخاذ الإجراء اللازم في مواجهة العميل المتقاعس عن تنفيذ التزامه متى قامت بدورها بتنفيذ التزامها من دون إخلال.


اختلاف الطباع
وتناولت زينب قاسم الاستشارية النفسية الجانب الشخصي لجهة التفاعل مع نصوص الرسائل التذكيرية لسداد المستحقات، لافتة إلى التفاوت في ردود الأفعال بحسب اختلاف الطباع بين عميل وآخر، وقالت إنه لا بد من الأخذ في الاعتبار عند النظر إلى كل حالة على حده، التغير الجذري الذي طرأ على الحياة وكيف أصبح نمطها سريعاً ومليئاً بالالتزامات والمسؤوليات مما يرفع منسوب الضغوطات النفسية لدى شريحة واسعة من الناس، إذ أن الأشخاص لا يتساوون في السيطرة على مزاجهم ويختلفون عن بعضهم لجهة إدراك المعادلات المحيطة بهم وفي شأن واجباتهم وضرورة اتخاذ القرارات الصحيحة لمواجهة الضغوطات.
وأوضحت زينب أن الشخصيات المنظمة تلجأ دائماً إلى ترتيب دفعاتها وجدولتها زمنياً مستعينة بالوسائل المناسبة لتذكيرها بمواعيد السداد، وهي غالباً لا تنزعج عند تلقي رسائل المطالبة بدفع الفواتير في الوقت المحدد بخلاف الشخصية الاعتمادية التي قد تشعر بالتوتر والغضب عند قراءة الرسائل نفسها.
وشرحت ذلك بالإشارة إلى أن الأشخاص غير المسؤولين ممن يعوّلون على الآخرين في كل شيء بحياتهم، يفقدون الاستقلالية الذاتية ويفتقرون إلى مهارات التواصل والاعتماد على الذات، مما يجعلهم رهينة التوتر عند مواجهة أي التزام.
وذكرت أن حالة الاستفزاز التي يشعر بها البعض من الرسائل التذكيرية أو التنبيهية أو التحذيرية، تصيب فقط الاتكاليين.