أبوظبي (الاتحاد)

كيف تتحول أم النار إلى جنة؟.. سؤال طرحته «الاتحاد» في 13 أبريل 1972، عبر تحقيق مصور عن «الجزيرة»، أجراه الصحفي القدير عباس الطرابيلي، وقبل أن تمتد أعمال النشاط الصناعي إليها، كانت أم النار جزيرة صغيرة، أما اليوم فلها شكل يختلف تماماً عما كانت عليه قبل أربعة آلاف عام، نتيجة لعمليات الاستصلاح الحديثة، ولم يبق من معالمها الأصلية إلا المنطقة الأثرية، ولأهميتها خصص متحف العين الوطني إحدى قاعاته لمكتشفاتها التي تشمل أسلحة من النحاس، والكثير من أواني الفخار والقلائد والحلي الأخرى.

قبل 48 عاماً زارت «الاتحاد» أم النار، وكتبت وقتها: 
على هذه الجزيرة وضع الإنسان نظرية جديدة في هندسة وبناء القبور.. واستخدام أدوات معدنية لقطع الأحجار، لم يستخدمها إنسان آخر قبله في شبه الجزيرة العربية، وهناك التقيت بالبعثة العراقية التي تقلب آثار الجزيرة.. وتعيد إليها شكلها الأول..
ومع خبراء البعثة دار حديث.. وحديث.. وما زالت فكرة بعث الحياة إلى جزيرة القبور تهزني.. بحثاً عن مكان ملائم تلتقي فيه الأسر لتقضي ساعات من الراحة بين عبير التاريخ.. وعظمة الأجداد، وسألت خبير الآثار العراقي شاه محمد علي عن الأهمية التاريخية لقبور وآثار أم النار فقال:
- إن قدم المحتويات الأثرية وطريقة بنائها، تعطي لهذه المنطقة وقبورها أهمية تاريخية كبرى.. ونحن نعتقد أن تاريخ جزيرة أم النار يعود إلى 2500 سنة قبل الميلاد..
وأسأله.. كيف حددت عمر هذه الجزيرة التاريخية؟
- إن تاريخ قبور أم النار يعود إلى 27000 سنة قبل الميلاد، وهو نفس عصر فجر السلالات في جنوبي العراق، والدليل على ذلك المحتويات الأثرية، التي وجدت في القبور وخاصة الفخارية، ولكننا نعتقد أن تاريخ الجزيرة نفسها أبعد من ذلك وأقدم، فقد لاحظنا وجود طبقات سكنية تحت الطبقات التي تعود إلى فترة القبور وجدرانها مشيدة بالطين الممزوج.
ويضيف خبير الآثار: الدليل الذي يقطع الشك باليقين هو العثور على أفران لحرق العظام في الطبقات السفلى بالجزيرة، وإذا علمنا أن حرق العظام في هذه القبور عادة قديمة تم الكشف عنها في جنوب العراق، وأنها تعود إلى فترة الورقاء في منتصف الألف الرابع قبل الميلاد.. يتأكد لنا أن تاريخ جزيرة أم النار وآثارها يعودان إلى 3500 سنة قبل الميلاد.

روعة الإنسان
الشيء اللافت للنظر، أن قبور أم النار وهيلي، رغم أنها من أقدم القبور المكتشفة في العالم، تمتاز بطريقة هندسية في البناء لم تعرفها شعوب العالم القديم، فهي تمتاز بالدقة المتناهية والروعة الهندسية، وأسلوب بناء هذه القبور يقوم على أساس الاستدارة والتدرج نحو الداخل بصورة منتظمة، ابتداء من بداية القبر وحتى نهايته، وهذه طريقة صعبة في البناء يصعب السيطرة عليها في تلك العهود الغابرة.
قلت لخبير الآثار العراقي: ولكن من أين أتى إنسان أم النار بالمواد التي بنى بها قبوره؟
قال: اعتمد إنسان جزيرة أم النار على الحجر كمادة رئيسة لبناء هذه القبور، كما اعتمد على ما هو موجود بالجزيرة من مواد.
وعثر - في الجزء الشمالي الشرقي من الجزيرة - على كتل حجرية ضخمة استخرجها إنسان أم النار من جزيرته نفسها، وقطعها حسب احتياجاته، ونحن نرجح أنه استخدم آلات قاطعة معدنية لقطع هذه الأحجار، ويمكنك أن ترى بوضوح آثار القطع على بعض هذه الكتل.

مطالب
في تحقيق صحفي قبل نصف قرن طالبت «الاتحاد» بأن تتحول جزيرة «أم النار» إلى مركز سياحي وأثري، يجذب أبناء البلاد والأجانب على السواء، ليروا حضارة الإنسان الأول الذي عاش هنا.. بل وتتحول إلى مكان جديد للنزهة، يذهب إليه من يريد قضاء إجازة نهاية الأسبوع.. وهذا وذاك لن يكلف كثيراً.
وقالت «الاتحاد»: «مجرد جسر عائم.. أو كوبري صغير يصل بين البر والجزيرة يمكن أن يحقق الهدف.. ورحلات بحرية بقوارب حديثة تخرج من الميناء إلى الجزيرة، واستراحة صغيرة تحيطها الخضرة والزهور، ومكان يجد فيه الزائر شيئاً من الظل.. وجرعة ماء مثلجة».

فن وهندسة
كيف بنى الإنسان قديماً قبوره التي يصل عمرها الآن إلى أكثر من 4500 سنة بطريقة هندسية فريدة؟خبير الآثار العراقي شاه محمد علي، أجاب قبل 48 عاماً قائلاً: القبر رقم واحد الذي عثرنا عليه، وأعدنا ترميمه وتثبيت جميع جدرانه الداخلية بنفس أسلوبه القديم، يدلنا على عبقرية هذا الإنسان الموغل في القدم، فقطر هذا القبر 11 متراً، وقطره من قاعدته المستديرة التي تحيط به من جميع الجهات 11.50 متر، وتبرز هذه القاعدة عن البناء الأعلى بمقدار 25 سم، وبارتفاع 20 سم، وكأنها أقيمت لحماية القبر من شيء ما..

أما الجزء المشيد من الحجر المنحوت فارتفاعه 1.50 متر، ويميل هذا الجدار نحو الداخل وباستدارة من أسفل إلى أعلى بمقدار 11 سم لكل متر.. وهذا مثير للعجب.
أما سمك الجدار الخارجي للقبر فهو 95 سم، منها 45 سم من الحجر المنحوت، والباقي من الحجر الرملي وسمك الجدران المحيطة بالفجوات 90 سم، وتميل هذه الجدران نحو بعضها بمقدار 30 سم لكل متر مكونة - أقبية غير كاملة.
ومن هنا، تستطيع أن تقول: إن إنسان أم النار المبدع هو صاحب هذه النظرية الهندسية الفريدة في بناء القبور.. وهذه حقائق مادية ملموسة، تتربع بها جزيرة أم النار لخبراء ودارسي تاريخ العمارة في الشرق القديم.. وفي شبه جزيرة العرب على وجه الخصوص.

وقبور أم النار تقع في القسم الشمالي من الجزيرة الصغيرة، التي لا تتعدى مساحتها 1.5 كم فقط، وإن كانت هذه المساحة تتضاعف أثناء الجزر، والجزيرة شمالي شرقي العاصمة أبوظبي، وتبعد عنها بحوالي 20 كيلومتراً، ابتداء من منطقة الميناء، والجزيرة لا تبعد عن الساحل عند جسر المقطع إلا بـ 50 متراً فقط، وبدأت قصة الآثار في جزيرة أم النار عام 1958، عندما قامت بعثة دنماركية بالتنقيب عن الآثار فيها، وفي الجزيرة الآن 52 قبراً تنقسم إلى قسمين:
- الأول: قبور كبيرة مشيدة من الحجر المصقول المنتظم، وبالطين وتقسيماتها الداخلية مشيدة من الحجر الرملي الرقيق بشكل منتظم.
- والثاني: وهو الغالب، مبني بقطع الحجر الرملي من الخارج والداخل.
وعثر على موقع سكني أثري يقع شمال شرقي القبور، يشتمل هذا الموقع على معابد ووحدات سكنية مبنية، وكلها تحتاج إلى دراسة وتنقيب لكشف أسرارها ومحتوياتها، وبالقرب من هذه المجموعة السكنية، عثر على عدد من الأفران، التي كانت تستخدم لحرق الفخار والعظام المقدسة.