نسرين درزي (أبوظبي)

لا يمكن الحديث عن جماليات العمارة في قصر المويجعي الذي يمثل بوابة التاريخ إلى مدينة العين، من دون الإضاءة على ظروف تشييده قبل 100 عام، وسرد محطاته البارزة عبر الزمن. إذ إنه بإرثه المتفرد في المنطقة، لا يعد صرحاً عريقاًً وحسب يكشف خطوط الهندسة قديماً، وإنما أرشيف خصب لذاكرة وطن، تركت بصماتها عند فناءاته الفسيحة وبين ممراته والجدران، حتى اعتبر جزءاً من المواقع الثقافية لمدينة العين المدرجة على لائحة التراث العالمي، لما تتميز به من قيمة عالمية استثنائية.

قصر المويجعي الشامخ عند الجهة الغربية لمدينة العين، يسطر ببنائه الطوبي (اللبني) نموذجاً رائعاً لفنون العمارة التقليدية في المجتمع المحلي، وبعبور مدخله المهيب على خطى الأولين، يبدأ ألبوم الاستكشاف حيث تسكن الأصالة، وبالاقتراب أكثر تتضح ملامح العمارة التقليدية، وأعمال الترميم الدقيقة التي حافظت على القصر، وعملت على إعادة إحيائه بصورته الأصلية. 
والبداية من البرج الشمالي الغربي، الذي كان بغرفه العتيقة المتداخلة، يستخدم للسكن، وصولاً إلى البرجين الشمالي الشرقي والجنوبي الشرقي، اللذين شيدا لأغراض دفاعية. وبالتجول بين غرفه بعد خضوعها للترميم، يتلمس الزائر الحالة التي كانت عليها في الأيام الأولى للقصر التاريخي. وهنا تطل من الجدران قصص عن طبيعة الحياة قديماً، في تداخل عصري مع المعرض الدائم الذي أنشئ، ضمن القصر، في العام 2015.

  • فناء القصر المتداخل ما بين الماضي والحاضر
    فناء القصر المتداخل ما بين الماضي والحاضر

آثار طينية
عن أهمية الحقائق المعمارية التي طبعت الصورة الحية لقصر المويجعي، تحدث لـ «الاتحاد» عمر الكعبي، مدير متاحف العين في دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي، مشيراً إلى الذوق الرفيع في بنائه؛ إذ يعد من المواقع الأثرية الجميلة جداً في المنطقة، بحيث كان القرار بتحويله إلى معرض دائم. 
وأوضح أن الدائرة أولت القصر اهتماماً كبيراً، وفقاً لأهميته على النطاق التاريخي والمجتمعي، باعتباره صرحاً وطنياً يتمتع بتاريخ حافل، مؤكداً أن أعمال التنقيب المتتابعة للموقع، للكشف عن الآثار الطينية فيه، تمت بعناية فائقة لدراسة خصائصه، والتأكد من لبنته الهندسية التي مكنت الباحثين من تكوين المعلومات الكافية عنه، للبدء بوظائف الترميم الضرورية، وإنشاء المعرض الدائم فيه. وأوضح الكعبي أن أعمال الترميم شملت أفضل المعايير الهندسية للحفاظ على المباني التاريخية، مع تضمين الموقع عرضاً وافياً للجمهور يظهر الإضافات التي لحقت به، تجنباً لأي التباس بين خطوط العمارة في الماضي والحاضر، إذ إن المعرض ببنائه الحديث يطفو على سطح الأرض بشكل دقيق يراعي الآثار في الأسفل ولا يؤثر عليها، لذلك أتى الدمج بين العمارة القديمة والجديدة بأسلوب سلس وكاشف، يضمن مشاهدة القصر من مختلف جهاته وأبعاده. 
وذكر الكعبي أن المعرض الذي تم استحداثه داخل قصر المويجعي لم يُفقد المكان الطيني نبضه التاريخي ونفحاته الأصيلة، وإنما حافظ، بخطوطه الهندسية الذكية، على فنون العمارة التقليدية التي طبعته منذ القدم. 
وأضاف أنه منذ بداية أعمال التنقيب الأثري في قصر المويجعي في العام 2009، تم التنسيق بعناية فائقة للربط بين الحقائق المعمارية والصور التاريخية والآثار الموجودة فيه، من فخاريات وعملات، إضافة إلى مخطوطات الرحالة والرسائل القديمة والخطابات التي تحدثت عنه، بالتوازي مع الروايات الشفهية لأناس عاصروا مراحل منه. وبناء على كل ما تقدم، تكونت صورة واضحة عن العمارة في قصر المويجعي، وعلى أساسها تم تصميم المعرض الدائم بداخله، لتعزيز القيم التراثية في مدينة العين، ودولة الإمارات عموماً.

  • صرح عتيق وسط واحة غناء
    صرح عتيق وسط واحة غناء

أبراج الزوايا 
المهندسون المعماريون وعلماء الآثار والمؤرخون والمنسقون الفنيون، الذين توافدوا على قصر المويجعي لعقود طويلة خلت، استخدموا في ترميمه مواد تقليدية لتجديده، مع ترك أكبر قدر ممكن من أجزائه الأصلية في مكانها. وهم يجمعون على خصائصه العمرانية، المتمثلة أولاً بهيكله المربع الأكثر دلالة على دوره الرئيسي، كمجلس لاجتماع الناس، ويتوقفون عند أبراج الزوايا البارزة للصرح الأيقونة، حتى يكتمل المشهد الهندسي مع بوابته الضخمة المتألقة عند المدخل. 
ويقدم القصر للزوار الفرصة للتعرف إلى تاريخه، من خلال الاكتشافات المبكرة للأدلة الأثرية حتى اليوم، وأهمية الماء كعنصر أساسي لبقائه وازدهاره، إضافة إلى دوره في استضافة الرحالة الزوار على مر الحقبات.

بساطة ملامحه
وعلى الرغم من بساطة ملامحه الأولية، استقى قصر المويجعي وزنه الوطني من كونه شاهداً على حقبات مهمة في تاريخ دولة الإمارات مع تشييده، حسب الروايات القديمة في بدايات القرن العشرين. وبتتبع عمليات التطوير التي شملت القصر لاحقاً، يظهر حجمه التاريخي البارز، وكيف توهجت مكانته منذ تولي المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، منصب ممثل الحاكم لمنطقة العين في العام 1946، وانتقاله للإقامة فيه ليصبح ديواناً لحكمه وبيتاً لعائلته، حيث ولد وترعرع فيه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله. 
وشملت القصر الكثير من الإضافات، حيث تمت مضاعفة مساحة مبنى الديوان، وتمت توسعة المطابخ وغرف الضيوف، حتى تستوعب الأعداد المتزايدة من الزوار. وتم تشييد مسجد بمحاذاة الموقع، وفق النمط المعماري الإسلامي الذي بني على أساسه القصر، بحيث يضفي طابعاً مميزاً على المكان. وتربط قصر المويجعي صلات وثيقة بالمساحات الخضراء في محيطه، ويظهر ذلك من خلال نافورة الماء الحديثة فيه، والتي استوحيت من العلاقة التي جمعته بجبل حفيت وبقنوات الأفلاج التي تروي أشجار النخيل في واحته.

  • إطلالة على القصر الشامخ
    إطلالة على القصر الشامخ

المعرض الدائم
يروي المعرض الدائم الذي تم استحداثه بمعايير عالمية رفيعة، ضمن فناء القصر وعند البرج الشمالي الغربي على مساحة محاطة بالجدران الزجاجية، قصة المكان العريق، ويحتفي بإنجازات رئيس الدولة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، حفظه الله، ويتيح للزوار تجربة مميزة تجمع بين الإرادة الفذة والحكمة والأصالة، وبين الحاضر وازدهاره، والتطلع إلى المستقبل. وقد تم تصميم ساحة المعرض، بالتعاون مع المعماريين المشهورين عالمياً ماتشادو وسلفيتي. 

عدسة عبر التاريخ
ساعد التصوير في الحفاظ على تاريخ قصر المويجعي، من خلال الصور التي التقطت له في الماضي، والتي ساعدت بشكل كبير في عمليات ترميمه. ويقدم «المعرض الدائم» في القصر ورش عمل تعلم الزائر أساسيات تصوير المواقع التاريخية والأثرية على يد خبراء في مجالهم.

21000 نخلة
تعد واحة المويجعي من أصغر واحات العين، وتضم ما يزيد على 21 ألف نخلة، وتشتهر بنظام الري بالأفلاج الذي يعتمد على قنوات نقل المياه من الجبال المجاورة.

  • أبراج شاهدة على عراقة البناء التقليدي (تصوير محمد البلوشي)
    أبراج شاهدة على عراقة البناء التقليدي (تصوير محمد البلوشي)

قطعة نقدية من 1897
تشير عمليات البحث الأثري إلى أن المنطقة التي شيد فيها القصر كانت آهلة بالسكان قبل بنائه، ومن المرجح أن تاريخ بداية الاستقرار البشري في المويجعي، تعود إلى الفترة الممتدة ما بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر للميلاد، حيث تم اكتشاف قطعة نقدية يعود تاريخها إلى العام 1897.

صيانة دورية
يتراوح مناخ العين بين الحرارة الشديدة والأمطار النادرة الغزيرة، ما يدل على أن الجدران الطينية كانت تحتاج دائماً إلى صيانة دورية على مدار تاريخ القلعة، الممتد لقرن من الزمن.

مواقيت
يفتح قصر المويجعي أبوابه أمام الجمهور من السبت إلى الخميس من الساعة 10:00 صباحاً – 6:00 مساءً، وأيام الجمعة من الساعة 2:00 عصراً - 6:00 مساءً.