قبل أي رحلة، فإن أول ما يتبادر إلى ذهنك، كمسافر، هو التخطيط والاستعداد التام للنجاح ولمعرفة ما سيحتويه البلد من مقومات ومغريات وفعاليات، كما ستحرص على إلقاء نظرة تاريخية فاحصة لوجهتك القادمة، وسيكون لزاماً عليك، أيضاً، القيام ببعض الاستعدادات، من ناحية تحميل بعض التطبيقات والخرائط ومعرفة المطاعم، وغيرها من الأمور التي تهم كل مسافر، لتكون مستعداً، ومتأهباً لأي مطبات غير هوائية قد تصادفك في رحلتك.
وعلى الرغم من كل هذا، فقد يواجه السائح ما يجعل هذا التخطيط كله في مهب رياح عدم التوفيق، وقد يجد نفسه هائماً ضائعاً في بلد غريب لا يعرف به أحد، وهذا ما قد يعتبره (البعض) كارثة، أو مصيبة، ولكني أقولها بكل ثقة: إحدى متع السفر، هو الضياع بحد ذاته، حيث تأخذك خطواتك في طرق وأزقة لم تكن ضمن مخططاتك، وترى نفسك تتلفت يمنة ويسرة، باحثاً عن معلومة عالقة في الذاكرة عن مكانك.
ونصيحتي وبكل بساطة، استمتع بهذا الضياع، واجعله جزءاً من مغامرتك، فهي فرصة يفتقدها المخططون المتشددون في رسم الجداول وتنظيم المراحل، وهي فرصة ستندم، إن لم تستغلها بشكل مفيد. 
الضياع في بلد غريب ليس كارثة، كما تعتقد، ليس أمراً يستوجب المعالجة بسرعة؛ وهو - بكل تأكيد - نوع من أنواع الجرأة المجنونة التي يجب أن يتحلى بها المسافر، والسبب بأنك سترى ما لم تتوقع أو تخطط لرؤيته، وستتعرف على أناس لم تكن لتراهم، لولا هذا الضياع، وستعيش تجربة تضاف إلى مخزونك السياحي، مع الوضع بعين الاعتبار ألّا تبالغ في (الضياع) وأن تعطيه وقتاً محدداً، وتتخذ بعده قراراً بالعودة إلى مرحلة اللا(ضياع)، فكم من ضائع بقي في ضياعه، حتى نسيناه في غياهب السائحين.
ولزيادة الإثارة في رحلاتك، خصص لها يوماً للضياع، نعم كما قرأت: يوماً للضياع، بحيث تأخذك قدماك إلى فضاءات لم تكن في حساباتك، وتتخلى فيها عن خرائطك وجداولك ومخططاتك، وصدقني سيكون هذا الضياع من أمتع اللحظات في رحلتك، وسترى نفسك منبهراً بكتابات على جدران النسيان، مع الوضع بعين الاعتبار، كما ذكرت آنفاً، أن تحتفظ بعنوان فندقك، ورقم هاتف يساعدك على العودة إلى واقعك الجميل. فلماذا لا تجربها؟ اخرج من فندقك، ولتأخذك حاستك السياحية إلى طرقات تبحث فيها عن المجهول، فما رأيكم أن نضيع قليلاً؟
وإذا كنت تريد أن تعرف أكثر عن الضياع وحب اكتشاف المجهول، فاقرأ كتاب «ارتياد جزيرة العرب» للكاتب هوجرث– الذي جمع فيه أسماء من أحبوا الضياع في ذلك الوقت باكتشاف جزيرة العرب، في وقت لم يكن فيه هناك مصادر متاحة، أو معلومات عن جزيرتنا العربية، فكان الضياع وحب المعرفة، هما المحرك الرئيسي لهم لزيارتنا والتعرف علينا.