خولة علي (دبي)

يواجه الآباء صعوبة في كيفية تقويم سلوك أبنائهم، وتوجيه النصح والإرشاد لهم بأسلوب قد يؤدي إلى نتائج وخيمة، فعملية النقد، وتكرار بعض المفردات الصارمة واللاذعة على مسامع الأبناء، يولد نفوراً وصداً من الأبناء، فتزداد الهوة بينهم، وتزداد حدة العلاقات سوءاً وتوتراً. وأكدت دراسات أن تقبل النصح والإرشاد بحاجة إلى فن وأسلوب مدروس وفقاً لطبيعة الطرف الذي ينتظر منه تغير سلوكه وتصرفاته، فالتربية أولاً وأخيراً فن يجب أن يتقنه الآباء، في التعامل مع أبنائهم.
وتقول عائشة النعيمي «استشارية أسرية»: يساهم الوالدان بشكل كبير في تكوين صورة الذات عند أبنائهم من خلال الأحكام التي يصدرونها على تصرفاتهم، فإذا كانت هذه الأحكام وردود الفعل إيجابية وبناءة ساهم ذلك في رفع ثقة الأبناء بأنفسهم، والعكس صحيح إذا كانت ردود الفعل من الوالدين سلبية يشوبها النقد والتجريح، فإنها ستؤدي لنتيجة أكيدة هي زعزعة ثقة الأبناء بأنفسهم والتي تظهر بضعف الثقة بالنفس أو الإحساس بالذنب أو حتى التكبر والتنمر على الآخرين والقائمة تطول، فإذا كان لتصرفات الوالدين هذا الأثر الكبير فهل يمكننا أن نعتبر ردود الفعل الناقدة والعصبية وغير المحسوبة عنفاً لفظياً، وبالعودة لتعريف العنف اللفظي بأنه كل ما يؤذي المشاعر من سب أو تجريح أو وصف بصفات تولد الشعور بالإهانة أو الانتقاص فبدون أدنى شك أنه عنف لفظي تمتد آثاره عميقاً في بناء شخصية الابن أو الابنة، لذا لا بد لنا كأولياء أمور أن نعمل على تطوير أنفسنا وجعل كلامنا إيجابياً وردود فعلنا مدروسة، وكما نربي أبناءنا نلتفت أيضاً إلى الجانب العميق من ذاتنا، الذي تراكمت فيه الخبرات والتجارب، فنعيد فهمها، ونرتب بيتنا الداخلي النفسي، لنقدم كل جميل لأبنائنا، ونكون قدوة صالحة لهم.

علاج وقائي
وقال الدكتور إبراهيم راشد الحوسني أستاذ الإعلام، إن الانتقاد المستمر، أحد أشكال التنمر اللفظي، ويؤدي لنتائج عكسية، وغالباً ما يثير مقاومة وحفيظة الأبناء الذين يتوقعون الدعم والتوجيه متى ما احتاجوا، لكن الأهم العلاج بشكل وقائي بالقدوة والممارسة الحية والمباشرة، بدلاً من استخدام أسلوب التوبيخ المستمر، الذي يعمل على قتل الروح المبدعة عند الطفل، ويؤدي لخلق شخصية مهزوزة، أو ممتعضة، أو مبالغة في العناد واللا عقلانية، موضحاً أن النتائج الإيجابية تتحقق بالترغيب في الانضباط السلوكي والتحبيب بدلاً من التنفير فيما يقوم به المقتدى به.

انتقاء الكلمات
وأوضحت الكاتبة وأستاذة علم النفس الدكتورة أنيسة فخرو، أن النقد البناء للأبناء مسألة إيجابية، لكنْ لها شروط: الأول أن تكون موضوعية، والثاني: أن تكون صادقة ودقيقة وفِي محلها، والثالث: أن تكون بأسلوب ذكي، والكثير من أولياء الأمور يوجهون كلاماً جارحاً لأبنائهم يصل أحياناً إلى الشتائم وليس نقداً موضوعياً إذا لاحظوا تصرفاً خاطئاً من الأبناء، وهذا أمر حتماً تكون نتيجته سلبية.. مشيرة إلى أنه من المهم جداً أن ينتقد الوالدان التصرف الخاطئ أو الفعل والسلوك الصادر من الطفل وليس شخصه أو ذاته أي الطفل أو الابن.
وقالت: علينا أن ننتقي كلماتنا بدقة، فلا نقول أبداً للطفل إذا أخطأ أنا لا أحبك أو أنت لا تعجبني، بل علينا أن نقول «لا يعجبني التصرف» ونحدد بدقة التصرف غير السليم، ونقول كنت أتوقع أنك ستفعل كذا «ونذكر التصرف السليم».
وأوضحت أنه علينا أن نثبت مفهوماً عند الجميع الأبناء والوالدين معاً بأن الخطأ أمر طبيعي، بل إيجابي لأن من يعمل يخطئ، أما من لا يعمل فهو حتماً لا يخطئ، لأننا من الخطأ نتعلم وعلينا بكل جهد ألا نكرر أخطاءنا... وأخيراً على الأب والأم أن يتفقا على الأسلوب نفسه والتصرف نفسه لا أن يقول الأب شيئاً وتقول الأم شيئاً معاكساً له. 

النصيحة
وأكد الدكتور عبدالله الكمالي «مستشار تربوي»: من جميل الصفات بذل النصيحة للآخرين، خاصة إذا كان الناصح هو الوالد أو الوالدة، فهما ينطلقان من حرصهما على أولادهما، ورغبتهما في أن يريا أولادهما، وقد اتصفوا بالصفات الحسنة الطيبة، والنصيحة إن غلفت بالكلمة الجميلة أثمرت بالنتائج الحسنة، ولكي تكتمل النصيحة علينا أن ننتبه إلى خطأ مهم قد نقع فيه معاشر الآباء، وهو كثرة النقد على كل موضوع وخطأ.
ولفت إلى ضرورة تخير الوقت المناسب للنصيحة وتغليفها بالكلام الطيب الحسن، لأن أنفع الطرق في توجيه الأولاد تغيير أساليب التوجيه، فعلى الأب أن يوجه أولاده بطريقة غير مباشرة، بأن يتحدث معهم ويذكر لهم قصة جميلة، وفي القصة توجيه لهم لعلاج بعض السلبيات بأسلوب مختلف.
وحذر من كثرة نقد طفل أو شاب يفتح عينيه من نومه على وابل من النصائح وقصص طويلة عريضة واتهامات جاهزة، فقد يسبب هذا النقد المستمر عقداً نفسية دائمة عند الطفل الصغير، ولا يمكن أن نتحجج بأننا تربينا بالطريقة نفسها، فالتربية تختلف بين جيلين، فبعض الأساليب التربوية لم تكن مؤثرة على شخصيات الجيل الماضي، ولكنها تؤثر بشكل سلبي كبير على الناس في أيامنا.