نوف الموسى

شاعر «الشلّة»، يتوسط الجلسة، تحت شجرة الغاف، وأطياف ضيّ القمر تنساب بخطوط رفيعة بين أغصانها المتدلية. كعادتها «الغافه» كريمة بكل شيء، حتى في الليالي الصافية، تهدي القصيدة فضاءً للبوح. وفي حضرة الشاعر، يُسأل عن الصوت: «شل يا شاعرنا» يقصد به: ارفع القصيدة بالصوت، اجعلها تعلو بنفخة الروح عبر الأحبال الصوتية، لتكن مسموعة، ومغناة. في تلك اللحظة تماماً يُنصت الجالسون لكل تفاصيل الجمل اللحنية للصدر والعجز في كل بيت شعري واحد، وبينهم شعراء تتأهب قريحتهم الشعرية، ويبدعون في أنفسهم الرد على القصيدة، بعد تماهٍ تام مع جّل المسموع، مرددين صدى الأصالة في عمق الصحراء الفسيحة، مشكلين بذلك روح القصيد عبر عوالم الموروث الشعري الإماراتي.

«الشلة» في الإمارات لها مسارات لا نهائية، تقودها البحور الشعرية، شكلت معالمها ضمن الفنون الشعبية، ويحتمل حضورها مناسبات عدة، ولكل «شلة» معنى يقوده المكان والحدث والغاية والتجربة الوجدانية للشاعر، فقد عُرفت بين جيل الشباب الحالي، بأنها «الشلة»، عموماً، دونما فهم وإدراك بأنها تشمل على أنواع مختلفة، وتؤدى بفنيات جمالية متفردة، تقوم على إعطاء بنية الكلمة في القصيدة، ما يناسبها من اللحن الحيّ، أوضح حولها الشاعر الإماراتي مبارك بالعود العامري أنها تشمل: «الونه» و«التغرودة» و«الردحة» و«العازي» و«التشــوليب» و«الرزفة» و«الهمبل» و«اللولاي».

الشاعر مبارك بالعود العامري، حصد على لقب شاعر المليون في نسخته الـ 9 ، ويتقن «الشلة» بأنواعها المختلفة، في حديثه لـ «الاتحاد الأسبوعي»، أكد أنه علينا إدراك مسألة مهمة فيما يتعلق بـ «الشلة»، وهي طبيعة الصوت، الذي يمثل رأس الهرم، شارحاً تفاصيل البحور المستخدمة فيها، من مثل «الونه» التي يستخدم فيها بحر «الونه»، و«الردحة» التي يستخدم فيه بحر «الردح» ولحنها يطلق عليه «الطارق»، و«المنكوس» يستخدم فيه بحر «المنكوس»، مروراً بـ «التشوليب» أو ما يعرف بـ «الحدوة البرية»، حيث لفت العامري أن الشاعر يؤديها عند ركوب الخيل، أما «العازي» تستخدم في الحالات الحماسية والفزعات والحروب، وصولاً إلى «الهمبل» التي يطلق عليها «عرضة»، وقال حولها العامري أننا نتشاركها مع الشقيقة سلطنة عمان، بحكم العلاقات التاريخية والثقافية والاجتماعية، وهي شلة مرتبطة بمناسبة استعراضية، تسمى: «وقت مرباع الناقة»، يستعرض فيها راكبو الهجن استعداداً للسباق، وتكون هناك فرق تقدم هذه العرضة. وأشار الشاعر مبارك بالعود العامري، إلى أهم الأسماء التي تحضره ومارست فن «الشلة»: الشاعر محمد بن سوقات، والشاعر سالم الجمري، والشاعر عبدالله بن ذيبان، والشاعر علي بن رحمه، والشاعر عبيد بن معضد، والشاعر أحمد الكندي والشاعر راشد بن حمر عين، والشاعر سالم الكاس، والشاعر محمد الشريف، والشاعر حارب المنهالي، والشاعر حمد بن سرحان، والشاعر حمد بن ركاض، وكثيرون غيرهم. وقدم العامري تفاصيل جمالية لمكونات بعض أنواع «الشلة» من مثل «التغرودة» التي أدرجت في عام 2012 ضمن القائمة التمثيليّة للتراث الثقافي غير المادي للبشرية التابعة لليونسكو، وتُعرف بأنها شعر غنائي يؤديه الرحالة على ظهور المطايا، للترفيه عن أنفسهم أثناء المسير لمسافات طويلة في الصحراء، وهناك معتقد لدى أهل الصحراء بأن هذا الأداء الشعري تتفاعل معه الإبل ويؤثر على سرعة حركتها، مبيناً العامري أن التغرودة الإماراتية الأصلية تكون بقافية موحدة، وبحرها معروف، وتم في الأيام الحالية تحديثها وتطويرها وجعل قافيتها متنقلة، ولكن أصولها أنها كانت تكتب على حرف واحد في الصدر والعجز.
وأضاف العامري نقطة جوهرية حول فن «اللولاي»، المؤدى من قبل قبائل البدو في الجزء الجنوبي من دولة الإمارات منهم «العامري» و«المنهالي» و«الراشدي» و«المحرمي» و«الكثيري»، وهو أنه فن يقوم بعده الشعري على الألغاز. وتابع العامري حول تجربته في مجال «الشلة»، موضحاً أنه استفاد من الوسط الفني، في أن يطور «الشلة» ويلزمها بالتلحين والإيقاع الموسيقي، قائلاً: «كل فلكلور قابل للتطور»، وأضاف العامري أن مسألة التلحين هي مثلها مثل القصيدة، حالة إبداعية بذاتها، بمجرد أن تسمع القصيدة يأتيك الإلهام لماهية اللون الذي يناسبها.
«مقوى على الهجران لني، حالي من الفرقا تهدم، ليته بوصله لي يثني، واطري على باله ويرحم، حتا فنومي مشاركني، والرب لي يدري ويعلم»، عندما تسمعها بصوت الشاعر الإماراتي علي بن عمير الشامسي، وهو يتغنى بلحنها، تستشف حضور الشلة على حياة صاحبها، تشبه إحساسه وقوة صوته، حيث تشكل جزءاً من طبيعة عمله وحياته، يذكر الشامسي كيف كانوا يسجلون «الشلة» في وقت سابق، قائلاً: «كنا نسجل القصيدة على البركة وبعفوية وبإمكانات بسيطة، من خلال استخدام ميكروفون واحد، كنا يومها في تسجيلات «عيناوي»، وبينما نحن منغمسون في التسجيل، تمر بجانب التسجيلات سيارة تاكسي، وتستخدم بوق السيارة، فنضطر إلى إعادة التسجيل مرة أخرى، لذلك كنا نفضل أن نذهب في وقت متأخر لتسجيل القصيدة، يكون فيها السوق غير مزدحم».

تعليم الشباب
أوضح الشاعر خميس بالحرزي الشامسي، أنه لا يمكن تعليم «الشلة» إذا لم يكن الشخص هاوياً حقيقياً لها، لافتاً إلى أنهم سعوا إلى تعليم الشباب والطلبة، ولاحظوا أنه من الصعوبة أن يتعلم الشخص إذا لم يكن محباً لأداء «الشلة»، وهو أساس ممكن أن يبني عليها المختص، لاستكمال تطوير أدوات الشخص المتدرب وتطويره، خاصة أن كل «شلة» تبنى على حدث، وما يعرف عن الشاعر أنه نادراً ما يعبر عن همومه، والقصيدة بالنسبة له المتنفس لمكوناته الداخلية.

التوثيق
استمر حديث الشامسي حول أن «الشلة» في السابق، كان لها أذن تتذوقها، وتفهمها وتدرك جمالياتها، مدركاً بأهمية دورهم في أن يجتهدوا كمتخصصين بشكل أكثر في مجال توثيقها وإثراء تجربتها، خاصة أن المؤسسات الثقافية والمعنية بالموروث الشعبي بدولة الإمارات على استعداد تام لدعم جهود التوثيق، مضيفاً أنه في الوقت الحالي امتلأت الساحة بشباب يؤدون «الشلة»، ويراها شريان حياة التراث، مؤكداً أهميتها في إثراء تجربة الموروث عبر أصوات أجدادنا، والخوف كل الخوف في أن ينقطع عنها أجيالنا القادمة، لذلك من المهم أن تكون «الشلة» بمكوناتها الأصلية، ضمن مكتبات صوتية مختصة، كمصدر ومرجع للأبناء من الجيل الجديد، مبيناً أن الناس الأوائل أغلبهم حفظة، وانتقلت «الشلة» فيما بينهم بالسمع، ويقول حول ذلك: «كانت في «الرزفة» مثلاً، يقدم الشاعر «الشلة» لمرة واحدة، ويحفظها من حوله بشكل تلقائي، بينما قد يكون الشاعر نفسه نسي ما تغنى فيه عبر القصيد».

سلّم سلامٍ 
«يا ذا النسيم الرايح سلّم على المحبوب، سلّم سلامٍ فايح فيه العطر مسكوب، قله تراني رايح مالي عليه دروب، حالت دونه برايح، فيها الهبوب تلوب» للشاعر الإماراتي أحمد الكندي، ألقاها الشاعر الإماراتي خميس بالحرزي الشامسي، وهو يشرح تفاصيل علاقته بـ «الشلة» في أواخر الثمانينيات، ويذكر كيف أن هناك أشرطة قام بتسجيلها ولم يتم توثيقها، بينما حصدت قصيدة «الهموم» للشاعر علي بن عمير الشامسي، على احتفاء كبير، وهو تعاون جمعهما، وقد أوضح الشاعر علي بن عمير الشامسي مسبقاً لـ «الاتحاد» أن ميلاد القصيدة كان في عام 1986، وأضاف الشاعر خميس بالحرزي الشامسي أن وجود مجموعة من الشعراء بنفس فترتهم، ساهم في تشجيعهم والسعي للتميز والتفرد في مجال «الشلة»، من مثل الشاعر القدير عبيد النعيمي، وتميزه في مجال «التغرودة»، المعروف بشاعر الوطن، والشاعر هادف الدرعي، والشاعر محمد الشريف، والشاعر محمد بن سرحان الدرعي، وهو شاعر نادر في «شلته» كونه لديه صوت متفرد، ويقدم شلة فردية. بمعنى لا يرد من بعده أحد.
وبالرجوع لقصيدة الشاعر أحمد الكندي  يفسر الشاعر خميس بالحرزي الشامسي أهمية وقيمة المفردة وأبعادها التي تتناول البعد الزماني والمكاني، ففي السابق مثلاً، لم تكن هناك قنوات تواصل ومراسلات مباشرة، فكان النسيم والهبوب والطير، جسراً يعبّر من خلاله الشاعر عن إحساسه، لإيصال مراده للشخص المعني بالقصيدة.

التوثيق والانتشار
يدعو علي بن عمير الشامسي، إلى أن الاهتمام بـ«الشلة» يجب أن يكون عبر مسؤولية مشتركة يتحملها الشعراء جميعهم، فاليد الواحدة لا تصفق، والباحث يسعى أحياناً لتجميع القصائد، ويحدث خلال ذلك العديد من الأخطاء في النقل، ويتطلب العودة للشعراء لإتمام التوثيق الصحيح، وهم كشعراء من المفترض يعرفون بعضهم بشكل جيد، ويتحملون أمانة نسب كل «شلة» لصاحبها، ذاكراً موقف أحد الشعراء الشباب أخطأ في توثيق إحدى قصائد علي بن عمير الشامسي المعروفة، أثناء تحميلها على موقع «اليوتيوب».
ويذكر الشامسي أنه في السابق، عندما يبدأ شاعر «الشلة» ويتغنى القصيدة بصوته، كان هناك حضور كامل لمن حوله، أما اليوم، فإن الكل ينشغل بتصوير الشاعر وهو يؤدي، رغم حسناتها في أنها تساهم في التوثيق والانتشار والتأثير، ولكنها بالتأكيد تفتقد سمات جلسة «الشلة» ومميزاتها في التواصل الإنساني العميق بين الشعراء والمستمعين جميعهم، في أن الشاعر يكون مركزاً في الأداء ومتصلاً بحبل أفكاره.
يسرد علي بن عمير الشامسي، تأسيس والده فرقة «الرزفة» والمعروفة «بفرقة بن عمير»، وبالأخص في مناسبات الأعراس، وحرص والده على أن يصطحبه معه، وتأمل وقتها الشاعر علي باهتمام كيف أن «شاعر الفرقة» هو أساسها، ويختار «الرزيفة»، ويضع الألحان القائمة على ارتجال إبداعي، وهو من يبدأ بالقصيدة وينهيها، ويلزم المؤدين بالصف.