يحتفي كثير من الناس بالطبيعة الإنسانية، وأن البشر في الأصل طيبون متسامحون.. لكن يبدو أن علم نفس الشخصية له رأي مغاير، فلبعض الناس سمات شخصية مخيفة، أشهرها ثلاث صفات كبرى تسمى الثالوث المظلم «سميت كذلك لأنها مرتبطة بالشر».. وهي:
الميكافيلية: أي الميل للتلاعب واستغلال الآخرين، وغياب الرادع الأخلاقي، وتقديم المصلحة الذاتية فوق أي اعتبار.. والنرجسية: أي الشعور بالعظمة والاستحقاق والأنانية وعدم التعاطف.. والسايكوباتية: أي السلوك المستمر المعادي للمجتمع، والاندفاع، والقسوة وعدم التعاطف مع الآخرين.
هذه سمات شخصية راسخة عند أصحابها.. فكيف نتعامل مع هؤلاء الأشخاص إن صادفناهم في حياتنا؟ تواصلنا مع الباحثة النفسية آراثي باثيلام Arathy Puthillam التي أجرت دراسة مهمة عن الموضوع نشرت مؤخراً في دورية «بيرسوناليتي آند إندفيديوال ديفرنسس»..
وسألناها: كيف نتعامل مع شريك حياة أو مدير في العمل لديه إحدى هذه الصفات؟
فأجابت: تخبرنا معظم الأبحاث أن الذين ينتمون إلى الثالوث المظلم يميلون إلى عدم الاهتمام بالعلاقات طويلة الأمد أصلاً. لذا فإن أول شيء قد نرغب في القيام به هو أن نكون حذرين قليلاً منهم «رغم أن هذا قد يتعارض مع كوننا أشخاصا جيدين يمكننا الثقة في غيرنا»، فمثلاً قد يكذب الميكافيليون ويتلاعبون بغيرهم لاستغلالهم والحصول على ما يريدون منهم. لذا فإن وضع حدود لنفسك قد يكون الخطوة الأولى. قد لا تختار - على سبيل المثال - الكشف عن نقاط الضعف لهم، لأنهم قد يكونون على دراية بأساليب التلاعب واختراق ثغراتك الأمنية النفسية، واستخدامها ضدك. هؤلاء الأشخاص يختلفون فيما بينهم حسب السمة التي نتحدث عنها.. فالميكافيليون قراراتهم بطيئة لأنهم أكثر حذراً، بينما السيكوباتيون قراراتهم أسرع لأنهم أكثر تهوراً، وهكذا.
فيما يتعلق ببيئة العمل الحديثة فغالباً ما تتم مكافأة أصحاب هذه الشخصيات للأسف. فكر في السمات المرتبطة بالقدرة التنافسية، أو الكاريزما، أو تولي المسؤولية، أو المطالبة بمزيد من التقدير.. في هذه الحالة، الحرص في التعامل معهم هو الوسيلة المثلى للتعامل.
سألتها: ماذا يفعل الشخص إذا كانت لديه هذه الصفات ويريد تغييرها؟
فأجابت: من المستبعد جداً أن يرغب شخص يتمتع بمستويات عالية من السمات في التغيير، لأنه قد لا يدرك أصلاً أنه يلحق الأذى بالآخرين! هذا صحيح بشكل خاص لأن الافتقار إلى التعاطف هو أحد خصائص الثالوث المظلم، لكن إذا كانوا يرغبون في التغيير لسبب ما، أعتقد أن الخطوة الأولى هي الانتباه لكيفية تأثير سلوكياتهم على الآخرين كإحدى الطرق للمساعدة في بناء إدراك الذات. ومع ذلك، قد تكون هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث لفهم هذا بشكل أفضل.

سؤال: كيف يمكن تتغير هذه السمات للآخرين؟ «على سبيل المثال، في المدرسة والسجون... إلخ»
فأجابت: الثالوث المظلم أقل من أن يتم تصنيفه كاضطراب نفسي، وغالباً ما لا يمكن ملاحظتها بدرجة كافية لتحتاج بشدة إلى تدخل علاجي، لكن يمكن للمرء تطبيق أساليب سلوكية أو عاطفية أو اجتماعية محددة أثبتت فعاليتها. على سبيل المثال، هناك طرق لتعليم الأطفال كيفية فهم وجهات النظر المختلفة ومحاولة تبني طريقة تفكير الآخرين بين الأطفال. وأيضاً، هناك طرق لزيادة الشعور بالامتنان تجاه الآخرين، لكن يظل من الصعوبة تحديد تدريب معين، لأن الأبحاث لا تزال جارية، ومن الصعب تحديد ما يمكن أن ينجح.. فهناك بحث يشير إلى محاولة تعديل السيكوباتية قد تؤدي في الواقع إلى تفاقم الأعراض!
انتهى كلام الدكتورة آراثي.. وما يمكننا استخلاصه من هذه المسألة هو أن الثقة شيء جميل، لكن لا ينبغي منحها لمن لا يستحق.. ليس كل الناس أصفياء السريرة، والحذر واجب ولا ينبغي تسليم نقاط ضعفنا لشخص دون معرفة مسبقة.. ومحاولة تغيير شخصيات الآخرين يتراوح بين الصعب والمستحيل..
فكما يقول المثل الشعبي، إن أفضل طريقة لمواجهة النذل، هي اجتنابه!