إبراهيم الملا

تلعب الرواية الشفاهية دوراً حسّاساً، ويكاد يكون محوريّاً في تحديد ملامح ومضامين الأدب الشعبي، خصوصاً في الفترات الزمنية المجهولة، وفي المناطق الجغرافية النائية والمغلقة والمنطوية على ذاتها، التي لم تظهر فيها ثقافة التدوين، ولم تكن الظروف المحيطة بتلك المناطق مهيّأة أصلاً لتمكين الوعي التطوري من تجسيد حضوره وتحقيق منافعه، وجني ثمار الاستقرار الاجتماعي، وهو الاستقرار المطلوب لدفع العقلية الفردية والذهنية الجماعية إلى خلق بيئة مستدامة ثقافياً، وقادرة على إنتاج أدواتها المعرفية في سياقها الزمني التراكمي والطبيعي. وعند حديثنا عن الشاعرة سلمى بنت الماجدي بن ظاهر، علينا أن نضع في الاعتبار جملة من المعايير البحثية القائمة على التأويل، أو ما يمكن أن نسمّيه «القراءة المقارنة للسرد الشفاهي»، وهي قراءة تتعامل مع الدلالات والإشارات التي تتضمنها الرواية القولية، وما أحاط بها من تحولات تاريخية وسياسية واقتصادية، وذلك لانتفاء شرط التوثيق العياني، وغياب الشهادة المرئية أو المكتوبة عن هذه الرواية، وعن الفترة التي عاصرتها «سلمى» وتشكلّت فيها موهبتها الشعرية، رغم ما يشاع من أن هذه الموهبة ظلت مقطوعة اللسان وحبيسة واقعها الاجتماعي الصعب والشائك، كما سنذكر لاحقاً. تهيمن فضاءات التخييل على الأحداث والقصص والحكايات التي رافقت حياة الشاعرة سلمى بنت الماجدي بن ظاهر، والتي شكّلت بالضرورة هوية وطبيعة قصائدها، ولغياب التوثيق وندرة المخطوطات في زمن النصف الأول من القرن السابع، الذي عاشته «سلمى»، لم تصلنا منها إلاّ قصيدة وحيدة مكتملة، مع وجود بعض الشذرات الشعرية المتفرّقة، المُحتمل أنها تعود لشاعرتنا، ونقرأ في مطلع القصيدة المكتملة هذه ما يلي: 

«تقول فتاة الحي بنـت بـن ظاهـر
الأمثال ما كـل الفهامـى هذوبهـا
لي سفّت الشعرا حلالٍ مضاعـف
تنقّيت ما بين الخوافـي قلوبهـا
ناسٍ تجادي والجدا مـن عيونهـا
وناسٍ تجادي والجدا مـن قلوبهـا»

تفتخر سلمى هنا بأنها «فتاة الحيّ»، وأنها ابنة الشاعر الكبير «الماجدي بن ظاهر»، الذي لا ينافسه أحد في قول الشعر، ولا يدانيه أحد في اجتراح الحكمة وفي النظرة الشاملة المستوعبة لتقلّبات الدهر وتشكّلات الحياة، بكل أفراحها وأتراحها، ووداعتها وعنفها، وهدوئها وجموحها. إن ربط اسم «سلمى» باسم والدها الشاعر «الماجدي بن ظاهر» الأكثر فحولة وبلاغة، والأغزر إنتاجاً وعطاءً، والأكمل منطقاً وجزالةً، مقارنة بالشعراء الذين أتوا قبله أو عاصروه، أو حتى الذين سيأتون بعده، فيه من دلالات الانتماء العضوي والبيولوجي، ما هو كثير وواضح، خصوصاً أنه أتى في البيت الأول من القصيدة، فصار علامة دالّة ومنصّة شارحة لما سيأتي لاحقاً من أبيات ومن بنى وزنية وإيقاعية، ومن رؤى ومقاصد وتلميحات، ستؤول كلها للمكانة الاعتبارية التي اختصّ بها والدها ابن ظاهر وحده، وفي المقابل يمكن أن نرى، ومن زاوية معاكسة، أن القصد الذي سعت له «سلمى» هو إثبات فرادتها واستقلاليتها، وبحثها عن مساحة إبداعية تمتلكها وتميّزها وتُؤكّد موهبتها الخالصة، بعيداً عن السلطة الشعرية الافتراضية لوالدها، لذلك فإن إيراد اسم الأب في مطلع القصيدة، هو بمثابة التخلّي التدريجي عن هذه السلطة، والنأي عنها وتذويبها في أبياتها التالية، الطويلة في كمّها، والعميقة في نوعها. ولذلك نراها في البيت التالي مباشرة، وهي تعبّر عن وجهة نظرها الخاصة حول الأمثال أو التشبيهات أو المفاهيم الباطنة، التي لا يمكن للعوامّ من الناس تفكيك رموزها والوصول لعمق أسرارها، وتشير «سلمى» أيضاً إلى انقسام الناس إلى قسمين، قسم ينظر «إلى» الأشياء، وقسم ينظر «في» الأشياء، وأن هناك فرقاً كبيراً وقاطعاً بين النظرتين، فالأولى نظرة انطباعية وخارجية وضحلة، وهذا هو الحال الشائع بين الناس، بينما النظرة الثانية، هي النظرة النافذة والتحليلية التي تنطوي على فراسة وخبرة ووعي وفهم، وكأنها نظرة مُصَوّبة من القلب، لا من العين، وهذا حال النخبة والصفوة من الناس.

إن النزعة الاستقلالية التي تختزنها سلمى في دواخلها، قد تكون نتاجاً لتمردها الذاتيّ تجاه الهيمنة الذكورية بشكل عام، خصوصاً إذا احتكم المجتمّع المُصدّر لهذه الهيمنة على نمط متوارث لا يمكن تعميمه بالمطلق في فترات لاحقة وظروف مختلفة لا تحتمل ضغط التق§اليد وإعاقتها لحركة التطور الاجتماعي التصاعدي، ويمكن أيضاً تفسير هذه النزعة التمردية لدى «سلمى» تبعاً للسياق التأويلي المرتبط برواية حرمانها من قول الشعر مادام والدها حيّاً، وهي الرواية التي تفرّعت إلى عدّة مسارات وأخبار، منها ما يرى أن الماجدي بن ظاهر اكتفى بزجرها عن قول الشعر ما دام حيّاً، وحكاية أخرى تسرد جانباً ينطوي على العنف المعنوي، وهو تهديدها بقطع لسانها إذا قالت الشعر، وحكاية ثلاثة اتخذت مساراً متطرفاً، ينطوي على عنف مجسّد وبشع، وهو أنه قطع لسانها بالفعل عندما تحدته وقرضت الشعر أمامه، أما الجانب الأكثر تطرفاً من ذلك، فيظهر في الرواية المشيرة إلى أنه قتلها فعلاً، فبين حقيقة ما حدث، وبين الاستطراد والتشعّب والتهويل في بنية الحكاية، هناك مساحة هائلة من اللبس والشكّ وعدم التصديق تحيط بالجانب العنيف والمروّع من حيثيات القصّة، خصوصاً أن ابن ظاهر اشتهر بالحصافة والحكمة وغلبة الورع والجانب الديني عليه، الأمر الذي ينفي حادثة قطع لسان ابنته «سلمى» أو تنفيذ عقوبة قصوى مثل القتل، فهي عقوبة لا تتناسب أبداً مع انتهاك بسيط لعرف اجتماعي قد يكون سائداً في زمن ابن ظاهر، كما أنها عقوبة لا تتوافق مع شرط أو عقد عائلي بين أب وابنته يتضمن الامتناع عن قول الشعر، ولا بد أن خيال الرواة قد ذهب بعيداً واشتطّ كثيراً في تداول هذه الحكاية عبر الأزمنة المتعاقبة، وقد تكون العقوبة القاسية الواردة فيها تعبيراً عن وجهة نظر شخصية للراوي نفسه، المتآلف مع النظرة الاجتماعية العامة المقلّلة من شأن المرأة ومن دورها المنافس للرجل، باعتبار أن قرض الشعر وإلقائه والتغنّي به، كان في زمن ما، وفي نطاق جغرافي ما، حكراً على الرجل وحده، ونتاجاً مرتبطاً بالمفهوم الذكوري الاستعلائي وبالتحكّم الأبوي في الشؤون الخاصة والعامة معاً.

في الأبيات التالية من قصيدتها اليتيمة التي وصلت إلينا كاملة، تقول سلمى: 

«وناسٍ تغاضى لو غدا بعض مالها
وناسٍ تِقاصى في عنا ما ينوبها
ولّي ما يـداري فـي الخطا ماشياتـه
شكى العوق من الأجدام وإلاّ كعوبهـا
ولي ما يداري وآغفِ العين صابهـا
غِدا بايداويها سعـى فـي طبوبهـا»

وفي هذه الأبيات تستكمل «سلمى» تقصّيها لشؤون الخلق وأحوال الناس وتمايزهم في الطباع والتصرفات، فمنهم من لا يهتم بالجوانب المادية إذا قصرت عنه، ومنهم من يتأثر بأقل خسارة ويحولها إلى مصيبة كبرى، فيظل يعاني طول حياته، ولا يعرف كيفية تجاوز محنته بالحكمة والصبر والمداراة والتكيّف، وهناك من الناس، كما ترى «سلمى»، لا يحسب عواقب الأمور، ولا يتفكّر في نتائج ومآلات التهوّر والاندفاع، فهو مثل الذي يخوض حافياً في الأماكن الصعبة والوعرة، ويشتكي بعدها من «عوق الأقدام أو الكعوب»، كناية عن الألم والخسران الذي يعاني منهما كل من فقد بصيرته، وأخذته العزّة بالإثم، واسترسل في غيّه وإهماله، وتضرب في ذلك مثالاً آخر للشخص الذي لا يداري عينه ولا يبعدها عن الأذى، ويظل بالتالي منشغلاً طول وقته بمعالجة مرض عينه والبحث عن سبل شتى لعلاجها، مشيرة بذلك إلى أن الحذر واجب لكل من أراد تجنّب المشكلات المعيقة لحياته الطبيعية الخالية من المنغصّات التي كان من الممكن تجاوزها مبكراً، أو معالجتها سريعاً وقت حدوثها.

محطات تاريخية
إن الفترة التي عاشها الشاعر النبطي الأشهر في الإمارات الماجدي بن ظاهر، والمتراوحة بين أعوام 1650 إلى 1750، قد توضّح جانباً من المحطات التاريخية والاجتماعية التي تفاعلت وتأثرت بها شاعرتنا «سلمى»، وكان لها ملمح واضح في قصيدتها، وطريقة سبكها للأبيات، وتضمينها للمعاني، وطريقة تناولها للمفردات المحلية المتقاطعة في كثير منها مع اللغة العربية الفصحى، ولا شك أن مناطق الإمارات الكثيرة التي حلّ بها وارتحل إليها والدها بن ظاهر مثل «الذيد ومليحة في الشارقة، والظفرة في أبوظبي، مروراً بالعين وأم القيوين، وصولاً إلى دهان، والساعدي، والظيت، وزعاب، والخرّان برأس الخيمة» وغيرها من المناطق التي كان لها نصيب في تشكيل الوعي الشعري لديها، والذي ينضح هنا برغبة حثيثة في مجاراة شعر والدها، وإثبات أحقيتها كامرأة قادرة على التعبير عن مشاعرها الأنثوية وقراءتها للواقع من زاوية فلسفية لصيقة بها وبرؤيتها للوجود ولطبائع البشر، وهي بذلك كانت تؤسس لحضور المرأة في المجتمع بفاعلية تتجاوز الوضع السائد، وتقاوم الحصار الاجتماعي الجائر والكبت العاطفي الضاغط، وكان الشعر سبيلها في النضال الشخصي هذا، رغم كل التضحيات التي يجب بذلها، ورغم كل الخسارات التي يمكن حدوثها، خرجت «سلمى» بصوتها الخاص والمتفرّد، فصارت مثالاً وأيقونة وعلامة تتباهى بها النسوة المبدعات.

هالة أسطورية
رغم ما أحاط السيرة الذاتية للشاعرة «سلمى» ووالدها «الماجدي بن ظاهر» من هالة أسطورية، وخوارق مستحيلة، ومن جنوح نحو الخرافة، وما يتشكّل فيها من قصص تصطدم مع العقل النقدي المحايد، فإن النظرة الفاحصة والقارئة لهذه المرويات الخيالية في أغلبها، لا بد وأن تستخرج معاني وحمولات معرفية تعيننا دون شك على رصد واستخلاص نتائج قريبة من الواقع، ومتخلّصة في ذات الوقت من الهوامش الدخيلة والفائضة عن حاجة المتن الحكائي المتعلّق بالأحداث والقصائد الخاصة بابن ظاهر وابنته، والتي نقلتها الألسن وتداولها الرواة وتوارثتها الأجيال، وباتت اليوم بحاجة أكيدة للتمحيص والنقد والمقارنة، كي نقدم أدبنا الشعبي الإماراتي في إطار يتناسب مع نظريات المعرفة المعاصرة وبكل شفافية ودقّة ومهنيّة.