نوف الموسى 

عندما يسرد الرواة عن الفنون الشعبية في الإمارات، فإن طرحهم يختلف قليلاً في أبعاده عن التحليل النوعي، وتفسير الباحثين في المجال، فالراوي يقدم لك الحكاية، وطقوس الممارسة الفنية والفعل الأدائي، مثل شخص يحن لطفولته العفوية، يُخبرك ماذا رأى من آبائه وأجداده، بشكل مباشر وحيّ، ولكنه لا يقحم المعنى، أي لا يسعى لإضفاء غاية معينة، من حضور الفن، بقدر ما يود أن تفهم حبه لتلك الممارسة الفنية، التي كان يشعر من خلالها بالانتماء، والإحساس العالي الرفيع بالمتعة وهو يؤديها، حتى وإن لم يحصل على مردود مادي، فأغلب الفنون الشعبية نشأت من رغبة داخلية لأُناسها، ومشاعر وجدانية عميقة أرادوا التعبير عنها، لذلك جاءت صافية ومكتملة.
ومن بين تلك الفنون الشعبية المتفردة، التي وثق فيها، «الاتحاد الأسبوعي»، أصوات الرواة وأبعاد قصصها هو فن «الوهابي»، الذي يمارسه أهالي المناطق الزراعية بإمارة رأس الخيمة، والذي كان يُعرف بينهم سابقاً بفن «الرمسة»، وهي مفردة إماراتية تدل على الصوت المسموع المرتبط بـ «الكلام والقول». 
الراوي محمد علي راشد المعمري، عضو في مجلس إدارة جمعية النخيل للفن والتراث الشعبي، وصف اللحظات التي كان يسمع فيها صوت «طبل الوهابي»، والنشيد والقصائد التي كانت تؤدى من قبل أهل الفن، قائلاً: كان يقارب عمري بين 7 إلى 8 سنوات، كنت أذهب مع والدي وأخي وأحياناً عمي، في مناسبات الأعراس، ولا أشارك لصغر سني، واكتفي بأن أتفرج عليهم، وأتعلم منهم، وبعد أن استهويت الفن، بدأت بإلقاء «الشلات».
ويتابع المعمري: قبل إنشاء جمعيات الفنون الشعبية الأمر كان مختلف، حيث إن فن «الوهابي»، كان مرتبطاً بأسماء المناطق، فمثلاً في إمارة رأس الخيمة، وتحديداً في مناطق «العريبي»، و«الحديبة»، و«الغب»، و«شمل»، و«الرمس»، و«القصيدات»، و«الحيل»، و«الفحلين»، جميعهم يؤدون الفن بنفس الأداء والإيقاع، بينما في مناطق «شعم»، و«الجير»، و«غليلة»، و«خورخوير» يكون فيها الإيقاع أسرع، وقد تختلف فيها قليلاً تنغيمة الشلة.
يسرد المعمري أن فن «الوهابي» يبدأ بدعوة يقدمها أهل منطقة معينة، للمناطق الأخرى، بحسب المناسبة، موضحاً أن «الوهابي» كان يقدم في 4 مناسبات أساسية وهي: الاحتفالات الوطنية، والأعياد الإسلامية، حفلات الزواج، في تطهير الأولاد أو ما يعرف بـ «الختان»، وتؤدى دائماً بعد صلاة العشاء، وفي السابق، - قبل إشهار الجمعيات - كان يقوم صاحب المناسبة، بعمل ما نطلق عليه «فواله» تتضمن أكلات شعبية خفيفة، مثل: «الخبيص»، و«الهريس»، وغيرها المعروفة لعدم مقدرتهم المادية من تقديم وجبة العشاء للمجموعة الكبيرة التي تقدم هذا الفن، مضيفاً المعمري أنه بعد تحسن وتبدل أوضاع الناس بدأوا يقدمون دعوة عشاء للمشاركين من أهالي المناطق، وقد يستمر أداء «الوهابي» في المناسبة الواحد على مدى يوم ويومين، وأحياناً يصل إلى أسبوع. 
مضامين «الشلات» في فن «الوهابي»، بحسب المعمري تتنوع بين قصائد فيها «السلام والترحيب»، و«البعد الوطني»، و«المدح والرثاء»، و«الغزل»، و«العتاب»، أو ما يسمى بـ «الرد على شتيمة»، وقال المعمري حول أداء فن «الوهابي»: لنفترض أن أهل منطقة «الغب» قدموا دعوة لكل المناطق على «رمسة»، يكون بداية الأداء في وضعية الجلوس، يصل فيه عدد المشاركين في الفرقة الواحدة من 30 إلى 40 شخصاً، من إيقاعيين وشعراء ومؤديين، حيث يجلس جميع أعضاء الفرقة على السجادة المخصصة، ينتقل إبان ذلك ضاربو الطبول وبعض أعضاء الفرقة للجلوس بقرب الشاعر، للبدء في إلقاء أبيات القصيدة «الشلة»، وتتكون من بيت واحد يتكون من شطرين، ويسمى «البداية والردة»، يبدأ ضاربو الطبول أولاً بشكل خفيف، ثم يبدأ الشاعر بإلقاء الشطر الأول من البيت ويردده مرتين أو ثلاث مرات حتى يفهمه أعضاء الفرقة الجالسين بالقرب منه، ويبدؤون بترديد شطر البيت الملقى عليهم، ثم يبدأ بعدها بإلقاء شطر البيت الثاني، حتى يفهمه الجميع. 

يُكمل المعمري مبيناً المرحلة التالية من فن «الوهابي»، وهي انتقال المؤديين من وضعية الجلوس إلى الوقوف مكونين صفين متقابلين يحملون العصي «الخيزران»، واصفاً الحركة بقوله: يحركونها إلى الأعلى والأسفل، ويتحركون هم إلى الأمام والخلف بخطوات بطيئة، حيث يؤدى الصف الأول شطر البيت الأول، ويؤدي الصف الثاني شطر البيت الثاني، والشاعر يتحرك بينهم يبلغ شطري البيت لبعض الأشخاص، الذين لم يفهموا كلمات البيت، وضاربو الطبول يقفون في وسط الصفين يتحركون إلى الأمام والخلف، ثم يبدأ الصف الأول بالانحناء إلى الأمام، وهو ما يسمى بـ «طيحة الصف»، ينحنون إلى الأمام ويرتفعون قليلاً إلى الأعلى، والعصي موضوعة على أكتافهم لمدة 5 دقائق تقريباً، ثم يرجعون إلى وضعية الوقوف مرة أخرى، ثم يفعل الصف الثاني نفس الصف الأول، وضاربو الطبول يقفون أمام الصف الذي يؤدي طريقة الانحناء، يتحركون خلالها إلى الأمام والخلف حتى ينتهوا ويجلس الجميع على الفراش/‏‏‏ السجاد المعد لهم، مرة أخرى، لأخذ استراحة.
ويوضح المعمري أنه يتم اتباع نفس الخطوات من البداية حتى النهاية، ففي كل دور يقدم يصل مدة العرض إلى 20 دقيقة، إلا أنه يستمر فرق المناطق المختلفة، بحسب عدد الشعراء المشاركين، بالمطالبة بأدوارهم لإلقاء «الشلات»، ما يجعلهم يجلسون لساعات طويلة كانت تصل قديماً إلى الفجر.
تغنى المعمري ببعض الشلات التي تقدم في فن «الوهابي» منها: «ببدي بسلامي والتحية للحاضرين كلهم سوية.. شيبة وشباب كلهم سوية ولهم سلام منا وتحية»، ومن أشهر الشعراء الذين تغنوا بهذا الفن في إمارة رأس الخيمة بحسب المعمري: جمعة عبدالله بن دية، راشد عبيد بن تون، وعبيد حسن العيان، وعلي عبدالله شعرون، وعبدالله علي حياي، وأحمد سليمان المجرن، وعبدالله علي الهف، وحسن محمد الغافري، ومن بين أبرز ضاربي الطبول في فن «الوهابي» وثقهم المعمري: عبدالله علي الغاوي، وعلي عبيد راسين، وراشد مصبح راشد، وأحمد علي إمباسي، وراشد الشايب، وعلي إبراهيم حسن، وعلي بن يوخه، وأحمد سعيد ربيع البوش، ومحمد حميد لخنيب، وحسن محمد الغافري وعلي راشد ربيع البوش. حديث المعمري عن الطبول المستخدمة في فن «الوهابي»، كان لافتاً بعض الشيء، شارحاً كيف كان يتنافس ضاربو الطبول على تزين الطبل والنقش عليه بالحناء، فكل عازف لدية طبله الخاص، وليس كما هو متعارف بالوقت الحالي، أن الطبول تكون ملك للجمعيات، مما تطلب علينا أن نجري اتصالاً هاتفياً مع حسن محمد الغافري، وهو أحد أبرز عازفي الإيقاع، وكانت ردة فعله حزينة، كون أغلب من «يركب» تلك الطبول توفاهم الله، وأن طبل «الوهابي» خاصة، أصبح من النادر صنعة في الإمارات، يقول حسن الغافري: يُصنع الطبل من جلد الغنم، وكنا ندفنه في حفرة تحت الأرض، إلى أن «يخيس» ويسقط الشعر منه، ومن ثم نمده ليتعرض لأشعة الشمس.

الكلام الطيب
الراوي محمد أحمد السويري من جمعية «ضاية»، التابعة لـ جمعية الرمس للفنون الشعبية والتجديف، متخصص ويرأس فرقة فن «الوهابي»، ذكر تفاصيل حياتهم في السابق، وتفاعلهم مع الفنون الشعبية، بقوله: أتذكر لدينا في «ضاية» بمنطقة الرمس، كنا نؤدي فن «الوهابي» تحت شجرة الغاف، نجلس هناك ونتغنى بالشلات، وهو شيء يشبه الهوس بالكلام الطيب والغزل، كنت أتغنى بالقصيد، وكذلك أضرب الطبل، كنا نمشي من منطقة «ضاية» إلى أن نصل إلى منطقة «العريبي»، وأحياناً إلى منطقة «شمل»، بمجرد أن نسمع صوت الطبل في مكان ما، كنا نذهب مشتاقين لتأدية الفن.ويتابع السويري: أول ما قمت بأداء أول شله لي، تقريباً كان عمري 25 سنة، كانت ردة فعل الكبار هو التشجيع، كانوا عطوفين جداً، إذا ما رأوا فيك الرغبة يدعمونك لتستمر، في إحدى المرات في احتفالية زواج بمنطقة «شعم»، جاء أحد ضاربي الطبول يقال عنه «أسد» بطبل وعلقه على رقبتي، وقال لي أبد بقول الشلة، وأتذكر كيف بدأت ومن بعدها لم تجاوبني المجموعة، وجاء رجل من شعم، وقال للمجموعة لماذا لا تجابونه، ومدحني على شلتي، ليتفاعل بعدها البقية، كان بمثابة اهتمام ودعم ومتابعة وحب، والجدير بالذكر أن النساء كن يقفن في مسافة بعيدة قليلاً، ويستمتعن بمشاهدة فن «الوهابي»، ومنهن من يدرك المعنى من تلك الشلات والقصائد.

تحديات
في سياق طقوس صناعة الطبول وتفاصيلها في فن الوهابي، قال الراوي محمد أحمد السويري، من جمعية الضاية، التابعة لـ جمعية الرمس للفنون الشعبية والتجديف، متخصص ويرأس فرقة فن «الوهابي» في الجمعية، أن هناك  شخصاً يطلق عليه «أحمدي» توفي رحمة الله عليه، وكان أصله من منطقة «شمل»، ويعمل على «تركيب» طبل «الوهابي».  اعتبر الراوي أحمد علي النوا الشميلي، نائب رئيس جمعية شمل للفنون والتراث الشعبي والمسرح، أن مسألة تعليم فن «الوهابي» مستمرة في الجمعية، إلى جانب جميع الفنون والحرف الشعبية والتراثية، موضحاً أن هناك تحديات بالطبع أبرزها تغير أسلوب الحياة واختلافها، مما يصعب أحياناً على الشباب لارتباطهم بوظائفهم من مسألة الالتزام والمداومة على الفن، رغم جماليته وأثره على النفوس. يذكر الشميلي كيف بدأ بنفسه بعمل طبل صغير، وذهب في مناسبة العيد، وشارك مؤدي فن «الوهابي»: كنت أقف في الأطراف، كوني لست محترف في البداية، بعدها بدأت أتدرج وأدخل بينهم إلى أن وصلت في منتصف الصف، الذي يتطلب أن تكون قادراً على أداء الشلات وإدارة الصف نفسه، فإذا انضممت إلى المجموعة وتموضعت في وسط الصف وكنت غير محترف، فإن ذلك يؤدي إلى تعطيل «يخربط» المجموعة، ما يتطلب على الشخص أن يدرك الشلات ومعناها ومساراتها أثناء ممارسة الفن. 
وأضاف الشميلي، فيما يتعلق بالمعنى من الشلات، وكيف كانت تتم إدارة الموضوع بين مختلف الفرق والصفوف المشاركة من مناطق عدة، فمثلاً إذا بدر من شخص يقدم شلة فيها «شتيمة» أو تعد، يذهب شخص من المعتدى عليهم، لمسؤول الفن المعروف بالمنطقة، ويسأله: هل أقوم بالرد عليه أم أتريث، فيرد عليه المسؤول بأنه سيأخذ له حقه، فيقوم وقتها المسؤول بمعاقبة الشخص المعتدي، بحرمانه من حضور مناسبة الاحتفال نفسها، وأحياناً يخير المسؤول الشخص المعتدي بين «اليابس» و«الرطب»، فالأول تعني الجلد أي بمعنى «الضرب» الثانية أن يقوم بعزيمة الجماعة على العشاء، وعليه أن يختار. وحرص الشميلي على مفهوم مهم، وهو أهمية خلع المؤديين والحضور لأحذيتهم عند الدخول إلى مكان الجلسة احتراماً للمجموعة أثناء تأديتهم فن «الوهابي».