محمد وقيف

يُعد كتاب «الطريق إلى الرقة» باكورة أعمال الكاتب الأميركي الشاب جوردان ريتر كون، وفيه يرسم صورة لشقيقين، هما رياض وبشار القاسم، ورحلتهما إلى خارج سوريا. رياض محام شاب ذهب إلى الولايات المتحدة من أجل تعلم اللغة الإنجليزية في عام 1990 قبل أن يستقر فيها، ومعه شقيقه بشّار (المحامي أيضاً) الذي فرّ إلى تركيا أولاً ثم منها إلى أوروبا وسط الحرب الأهلية السورية في 2016. 

كلمة «الأنسنة» التي كثيراً ما تستخدم للإشادة بقصص المهاجرين واللاجئين يفترض أن تكون غير ضرورية، لأن حقيقة كوننا جميعاً بشر ينبغي أن تكون مسلّمة لا تحتاج لدليل، غير أنه بات من الواضح اليوم أن إنسانية الآخرين أضحت محل شك دائم في الولايات المتحدة وحول العالم. لكن «كون» يدفع إلى أبعد من مجرد أنسنة الأخوين القاسم، إذ يرسم أيضاً صورة لسوريا (الوطن الممزق) وللولايات المتحدة (بلد الاحتضان) كبلدين يتصفان بالتعقيد وتعدد الأوجه، هما بلدان قادران على الكرم والقمع في آن معاً، ولهما تاريخ مترابط في عدة أوجه. 
خلال طفولته كان رياض متشبعاً بتاريخ العائلة وتراثها الذي يعود إلى تأسيس مدينة الرقة على نهر الفرات. وفي المخيمات الصيفية التي تديرها الحكومة، وقع في حبّ نسخة من سوريا يقول إنها لا توجد إلا في دعاية النظام. ولما أصابه الإحباط وخيبة الأمل بعد مذبحة حماة في فبراير 1982 اتخذ قراراً مصيرياً سيغيّر مجرى حياته للأبد، حيث قرر ترك مسيرة مهنية كانت واعدة في مجال القانون والمحاماة ليطارد حلم الهجرة إلى أميركا، والذي كان يستبد بخياله في تلك السنوات.
وإذا كان مسار رياض، من غاسل صحون في لوس أنجلوس إلى مالك مطعم في ضواحي ناشفيل، مساراً أميركياً نموذجياً، أي النجاح الذي أتى بعد ظهور مطعمه «مقهى الرقة» في إحدى حلقات برنامج «غاي فيري» التلفزيوني «مطاعم وحانات»، فكذلك هو الحال بالنسبة للمعاملة السيئة والمعاناة التي تكبدها، لاسيما عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر. وهنا يتساءل رياض: «من المتعصب؟ من الحقير؟ هل يهم الفرق؟». وبالنسبة لرياض فإن بلده الجديد مكان مختلط «يصيبه بالحيرة»، لكنه «منحه فرحاً عارماً» أيضاً. غير أنه بينما يتعلم التعايش مع تناقضات أميركا والتأقلم معها، يشده الحنين إلى الرقة، مدينة الصبا والأحلام. 
وفي غضون ذلك، وحتى اندلاع الحرب الأهلية، كان بشّار راضياً بحياته المستقرة نسبياً في سوريا، والتي تسيطر عليها سلطة مركزية (حيث «للجدران آذان») وكان يؤثِرها على الوطن الجديد لأخيه (أميركا)، والذي وجد فيه حقل ألغام من الأحكام المسبقة عندما زاره ذات مرة. اختار بشّار لنفسه المجال القانوني نفسه الذي تركه رياض، وكان قاب قوسين أو أدنى من أن يصبح قاضياً عندما اندلعت الثورة في 2011. لكنه لا يستطيع تخيل الحياة خارج المنزل الذي عاشت فيه عائلته لأجيال، حتى حينما استعرت الحرب وجاء تنظيم «داعش» إلى المدينة. 
ويروي «كون» قصة الأخوين، القاسم، بقدر كبير من التعاطف، مضيفاً سياقاً ضرورياً لتوضيح الفروق السياسية الدقيقة. ويشير إلى خلفية زوجة بشار، عائشة، المحامية أيضاً والأكثر انتقاداً للحكومة السورية، والتي نجحت في إقناع زوجها بالرحيل في نهاية المطاف، كما يصف المؤلف «شغفها وإرادتها القوية» في تباين مع زوجها الأكثر حذراً واستسلاماً لقدره. ويُبقي «كون» على القرارات معلّقة في الميزان حتى اللحظة الأخيرة، عندما يقدِم بشار وزوجته وأطفاله على خوض غمار رحلة تبدو في الوقت نفسه الحل الخطأ بالنسبة لأسرة لم ترغب أبداً في الرحيل، والخيارَ الوحيد المتاح لهم. 
 ورغم تعقيد آرائهما وتغيرها بشأن سوريا والولايات المتحدة، فإن حب الأخوين للرقة وتعلقهما بها ثابت لا يتزعزع. لذلك يترجم المؤلف ذكرياتهما إلى رسالة حبّ مشرقة لمدينة طمست الحرب معالمها، مدينة كان رياض وهو طفل يسبح في نهرها ويجمع الهدايا من أقاربه، وخلال الحرب كان يفترش الأغطية والوسادات مع بناته في فناء منزل العائلة ليلاً يترقبون سقوط القنابل. إن خسارة تلك الرقة، مرتع الصبا ومهد الأحلام، مؤلمة ولا تُحتمل! 
كتاب «الطريق إلى الرقة» يأخذنا إلى حياتيْ شقيقين يربط بينهما حب لبعضهما البعض وللمدينة التي رأيا فيه النور أول مرة ودمرتها الحرب. إنه كتاب حول أسرة علقت وسط أخطر أزمة في الألفية الجديدة، وحول علاقة أميركا المشحونة والمفعمة بالأمل في آن معاً بمهاجريها، ووقْعِ السلطة والحرب على الأسر العادية. إنه كتاب يلتقط كل مشاعر اليأس والصمود والأمل التي تأتي مع اكتشاف أن البشر يستطيعون أحياناً أن يجدوا لأنفسهم وطناً في بعضهم بعضاً، حينما تخذلهم بلدان الأجداد. 

كتاب: الطريق من الرقة..  قصة أخوة وحدود وانتماء
المؤلف: جوردان ريتر كون
الناشر: بالنتاين بوكس
تاريخ النشر: يوليو 2020

ينشر بترتيب خاص مع خدمة نيويورك تايمز