رضاب النهار (باريس)

على بعد 60 كيلومتراً من جنوب شرق باريس، ووسط غابات مدينة فونتينبلو الكثيفة، لا يزال قصر فونتينبلو الذي يعتبر أحد أهم وأضخم القصور الملكية في فرنسا، شاهداً حضارياً بتصاميمه الخارجية المذهلة وبديكوراته الداخلية الفخمة القائمة على الطرز المعمارية الأوروبية التي سادت في العصور الوسطى وعصر النهضة؛ وتحديداً الإيطالية منها. 

يتصدّر قصر فونتينبلو الملكي قائمة أكثر الأماكن التاريخية والسياحية البارزة في فرنسا. يقصده السياح سنوياً من كل بلدان العالم ومن باقي المدن الفرنسية ليعاينوا بأنفسهم إبداعات الهندسة التي تمزج بين الفن الإيطالي والذوق الفرنسي الخالص. ولعلّ  شهرة القصر، تعود إلى كونه راكم بين جدرانه تاريخاً من القرون المتعاقبة وسكنه جميع ملوك وحكام فرنسا بدءاً من القرن الثاني عشر حيث أساساته الأولى، وصولاً إلى القرن التاسع عشر حين شهد آخر تعديلاته. لكن القصر لم يبلغ أهميته القصوى إلا في القرن الثامن عشر في عهد نابليون الأول الذي لقّبه بـ «بيت القرون».

  • مسرح الشيخ خليفة بن زايد
    مسرح الشيخ خليفة بن زايد

روح واحدة
يتوزّع القصر على مساحة 130 هكتاراً، ويتألّف من أربعة مبانٍ أو قلاعٍ رئيسة وثلاث حدائق ومتنزه. ويلاحظ مباشرة اختلاف الشكل المعماري للأبنية نظراً لاختلاف عصر بناء كل منها، والأقسام الموجودة فيها والغرض من بنائها. وعلى الرغم من أنه تعرّض للكثير من الإضافات والتعديلات والإصلاحات تبعاً لذوق ورغبة كل ملك سكنه؛ إلا أنه تم الأخذ بالاعتبار ضرورة أن تبقى الأبنية الأربعة التي بنيت في فترات متفاوتة، حاملةً الروح نفسها فيما بينها. ويوحي التصميم الخارجي للقصر المحاط بالأشجار والمياه، بأنه قصر للسكن الخالص لا يشبه على الإطلاق تلك القصور المبنية كحصون بأبراج مشيّدة تنفع في أزمنة الحروب. واليوم، لا يمكن للدهشة أن تفارق زواره منذ لحظة دخولهم إلى حدائقه الضخمة والواسعة وهي: الحديقة الإنجليزية، وحديقة ديان، والحديقة الفرنسية فضلاً عن المنتزه. ولأن القصر بني أساساً من أجل توفير وقت للاسترخاء والاستجمام للملك فرانسيس الأول أثناء قيامه برحلات الصيد في غابة فونتينبلو، يبدو كل ما فيه ساحراً ينبض صفاء وروعة.
يشكّل الفناء الخارجي الرئيس لقصر فونتينبلو عنصراً جاذباً للزوار، يتصدره سلّم حدوة الحصان الذي أمر ببنائه لويس الثالث عشر. ومع مرور الأزمنة، أصبح هذا السلّم رمزاً للقلعة في المناسبات والاحتفالات، ما جعل نابليون الأول يقدّم خطابه الشهير لوداع الحرس الإمبراطوري يوم 20 أبريل عام 1814، على هذا الدرج الذي أصبح اليوم أيقونة بصرية تختصر قصر فونتينبلو في الصور الفوتوغرافية. 

بذخ التصميم
تبدو الأساطير والحكايات الخرافية والتراثية حيةً ومجسّدة في مساحات القصر الداخلية التي تعكس الثراء الفاحش للملوك الفرنسيين من جهة، وتروي بملامحها وأشكالها وألوانها قصصهم وحيواتهم؛ فهو يضمّ مجموعة واسعة من اللوحات الفنية والمنحوتات والقطع الأثرية الموزّعة على الأروقة والأجنحة والمحفوظة ضمن المتاحف الموجودة داخله ومنها متحف نابليون الأول. 

  • زخارف مذهبة تعكس بذخ التصميم
    زخارف مذهبة تعكس بذخ التصميم

يتجسّد إبداع التصميم المعماري للقصر بسيطرة اللون الذهبي على جميع مناظره الداخلية كالممرات والقاعات الرسمية، ما يوحي بفخامة مستمدة من عصر «الباروك» الذي عرف بالمبالغة بالبذخ. أما الزخارف والنقوش على الجدران والأسقف ذات الإكساء الخشبي بتدرجاته اللونية، فتصوّر دقة متناهية في الإتقان والاحترافية وكأن كل جزء منها هو قطعة فنية بحد ذاتها.
وفي الأجنحة الخاصة وغرف النوم، تتحول الألوان لتصبح أكثر تنوعاً وإشراقاً، كالأحمر، والوردي، والأزرق والأخضر. وتتحول النقوش والرسوم الموجودة في الأقسام الرسمية من القصر إلى رسومات تجسّد البشر والحيوانات في مشاهد أسطورية وأخرى توضّح علاقة الإنسان بعناصر الطبيعة. 
 
نمط الحكم
إلى ذلك، يقول جون فرانسوا إيبار، رئيس قصر فونتينبلو، إن القصر يترجم نمط الحكم الفرنسي وطبيعته في فترة عصر النهضة وحتى بدايات القرن التاسع عشر من خلال ما يحتويه من مقتنيات معروضة أمام الزوار. ويؤكّد أن الأجنحة الضخمة داخله، وقاعة العرش وقاعات الاحتفالات وحتى المسرح الإمبراطوري هي نماذج تبيّن  البروتوكولات التي كانت متبعة في تلك الأزمنة في بلاط فرنسا. ويضيف « على سبيل المثال، في المسرح الإمبراطوري لنابليون الثالث، المعروف اليوم باسم «مسرح الشيخ خليفة بن زايد»، يتضح البروتوكول جلياً في توزيع جمهور العروض المسرحية ضمن الصالة، الموزعين وفقاً لطبقاتهم الاجتماعية التي لا يمكن التهاون بها.
 كما يعكس جناح الضيوف وجناح البابا وجناح مينتينون أهمية الضيوف وطرق استقبالهم تبعاً لتعليمات محددة جداً».  ويذكر أن مجموعات الخزف الخاصة بالقصر وتحديداً الأدوات المخصصة للطعام، ولا سيما في متحف نابليون الأول، هي بمثابة توثيق لإتيكيت المائدة خلال فترة الإمبراطورية الأولى. أيضاً هناك الهدايا الدبلوماسية المقدمة للملوك والشخصيات الفرنسية المهمة من قبل نظرائهم من دول أخرى، والتي تعكس طابع العلاقات الدولية. ويقول: «من المهم تسليط الضوء على أن قصر فونتينبلو كان مكاناً للترفيه خلال فتراته المتعاقبة. وهو في شكله الحالي يسمح للزوار بممارسة مجموعة من النشاطات الفنية والثقافية والرياضية حتى، مثل ركوب القوارب وأخذ جولة في البركة التي تحيط بالقصر، وحضور المسرحيات المختارة بعناية في مسرح الشيخ خليفة بن زايد».

  • القصر مكون من أربعة مبان تنتمي إلى حقب تاريخية مختلفة (الصور من المصدر)
    القصر مكون من أربعة مبان تنتمي إلى حقب تاريخية مختلفة (الصور من المصدر)

شراكة ثقافية
بعد 100 عام من إغلاق مسرح قصر فونتينبلو الإمبراطوري الذي شيّده المهندس المعماري هيكتور ليفويل، في الفترة ما بين 1853 و1856 بأمر نابليون الثالث، التفتت إمارة أبوظبي في شراكتها الثقافية مع الحكومة الفرنسية إلى ضرورة إعادة ترميمه بالتوازي مع اتفاقية إنشاء متحف اللوفر أبوظبي وعدة مشاريع أخرى بين فرنسا ودولة الإمارات العربية المتحدة.
استمرت أعمال الترميم طيلة 12 عاماً تقريباً على ثلاث مراحل، وخصّص لها نحو 10 ملايين يورو. وفي يونيو 2019 افتتح المسرح رسمياً باسمه الجديد «مسرح الشيخ خليفة بن زايد»، وهو عبارة عن صالة بيضوية الشكل تنقسم إلى الخشبة المزودة بالستائر الخشبية ذات المناظر الطبيعية المبهرة، وقاعة المشاهدة التي تضم 400 مقعد، منها 100 مقعد للاستخدامات الخاصة. ويتألف من ثلاثة مستويات فوق بعضها بعضاً تضمن الفرجة، وفقاً للتراتبية الطبقية للمجتمع الفرنسي. وقد جهّز بمجموعة ممرات وسلالم، بالإضافة إلى الكواليس ومرافق الميكانيكيين والموسيقيين.

عصر الباروك
«باروك» اصطلاح مستعمل في فن العمارة والتصوير معناه الحرفي شكل غريب، وغير متناسق، أو معوج. وقد ظهر هذا الفن للمرة الأولى، وفق «ويكيبيديا»، في روما وساد في غرب أوروبا وأميركا اللاتينية خلال السنوات الأخيرة من القرن السادس عشر الميلادي. ويتميز بالضخامة ويمتلئ بالتفاصيل المثيرة. وفي القرن الثامن عشر تطور الفن الباروكي إلى أسلوب أكثر سلاسة وخصوصية ويسمى بفن الروكوكو. وكان فنانو الباروك يغرمون بالجانب الحسي للأشياء، ويعتنون في وصفها بتفصيل وتنميق.