ناصر الجابري (أبوظبي)

حاجي عبدالله حسين الخوري، من أصحاب المساهمات المجتمعية البارزة في أبوظبي، جهوده المتواصلة رسخت مكانته كأحد أهم الشخصيات الوطنية التي عُرفت بالبذل والعطاء وحسن الخلق، في صفات كانت انعكاساً لتربية صالحة ونشأة قويمة على الأخلاق الحميدة وتعاليم الدين الحنيف، عرفها حاجي الخوري من عائلته التي شكلت ركناً من أركان المساهمة والعطاء والمشاركة في تأسيس وبناء مجتمع إمارة أبوظبي.

وجد حاجي الخوري، خلال فترة طفولته وشبابه، مجتمعاً عاملاً ومثابراً حوله، أفراد يؤمنون بقدرة أبوظبي على أن تكون واجهة إقليمية في المنطقة، وقبائل متلاحمة ومتكاتفة تجتمع في المجالس وتتناقش في شؤون وقضايا المجتمع، وتترابط فيما بينها لتساعد بعضها بعضاً، كما رأى الهمة العالية التي اتسم بها كل من عاش تلك الحقبة الزمنية، من خلال العمل المتواصل لتوفير متطلبات الحياة والسعي الدائم للتفاني والإخلاص، وهي المفاهيم التي تبلورت في ذهنه وصاغت أفكاره، وعرفها فآمن بها وأدرك جيداً أهمية العمل والتجارة وتقديم كل الإمكانيات المتاحة التي تسهم في تحقيق مقومات المشاركة المجتمعية. 

الشخصية المتفردة
خلال تلك السنوات، ومع الشخصية المتفردة التي امتلكها حاجي الخوري ونجاحاته، استطاع أن يكتسب صيتاً مجتمعياً في المعرفة وتحمل المسؤولية، من خلال تواجده في المجالس المجتمعية التي كانت تعقد في الإمارة آنذاك، وحرصه الدائم على التواجد في المناسبات الاجتماعية، إيماناً منه بأهمية لحمة المجتمع في السراء والضراء، والدور المهم لهذه المناسبات في توثيق الروابط وتعزيز العلاقات والحفاظ على المكتسبات، وتنمية الوعي بأهمية التكاتف بين الأفراد، إضافة إلى أنها تشكل انعكاساً لمجتمع أبوظبي الكبير وفرصة للتباحث في شؤون المنطقة ومستجدات الأعمال والأخبار.  ومع هذه الشخصية المتفردة، والتي عرف عنها الخير، وساد حولها الاحترام والتقدير والثناء، ونجاحاته الاقتصادية، اقترب حاجي الخوري من المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، حيث كان من بين الرجال الذين حظوا بثقة الوالد المؤسس، ومن بين الذين تولوا مهام عديدة، نظراً للإمكانيات والصفات التي تحلوا بها وللاتفاق المجتمعي حولهم وحول رجاحة عقلهم ومشورتهم الخيّرة، وقدرتهم على التعامل مع مختلف التحديات بكل كفاءة واقتدار، فاستحق أن يكون أحد الذين وجد فيهم «المؤسس» الصفات المطلوبة للمشاركة في ميادين البناء والعطاء لأبوظبي خلال الستينيات، وتبوأ المسؤولية في مهام وقطاعات عديدة خلال تلك الفترة، حيث شارك فيها انطلاقاً من قناعته الراسخة بإمكانيات الإمارة وقيادتها.

 قبل الاتحاد
وخلال فترة ما قبل قيام الاتحاد رافق حاجي الخوري الوالد المؤسس في العديد من المهام الخارجية، والتي تمحورت حول التمهيد لبناء الاتحاد والتعريف بفكرته وضرورته وأهميته، فكانت الجهود تتسارع لأجل ترسيخ فكرة أهمية الاتحاد بين إمارات الدولة، والتعريف بدوره المحوري على المنطقة ككل، ومنها المحور الاقتصادي التجاري، إضافة إلى مضاعفة الجهود التي تسهم في توفير الحياة الكريمة للمجتمع، حيث ظهر في تلك المهام الرسمية ما يتمتع به من رأي حكيم خاصة في الشؤون الاقتصادية والتجارية، فكانت تجسيداً واقعياً للنشأة القويمة التي وجدها، فكان مشاركاً وحاضراً في مختلف المهام الرسمية، وأحد العناصر الفاعلة المجتمعية، برفقة آخرين ممن كان لهم الاتحاد هدفاً وطنياً، آمنوا به وبأهميته على الجميع.

المهام الرسمية
شارك حاجي الخوري قبل الاتحاد، في تمثيل إمارة أبوظبي خلال العديد من المهام الرسمية، حيث حرص على تمثيل الإمارة خير تمثيل والتعريف بها وبطموحاتها المتقدة وبآمالها العريضة وبأملها الكبير وبرؤيتها الوحدوية تجاه المنطقة، كما كان مساهماً في التعريف بملامح النهضة المجتمعية في مختلف الميادين والقطاعات، وخصوصاً الاقتصادية خلال تلك المشاركات، مؤمناً بأهمية المؤتمرات في تبادل الخبرات وكسب المزيد من العلاقات والصداقات، والتي كان لها الأثر في تنمية أبوظبي بمختلف قطاعاتها، لجهوده التعريفية بالإمارة وبالتحولات النوعية التي بدأت فيها خلال تلك الفترة. 

بلدي أبوظبي
في عام 1969 صدر المرسوم الأميري الخاص بتعيين أول مجلس بلدي لمدينة أبوظبي، ونظراً للمساهمات المجتمعية التي بذلها ونجاحاته المختلفة والمتواصلة، كان عضواً في المجلس الذي تولى مهام الإشراف على الخدمات العامة والتخطيط العام للمدينة، وتصميم وبناء وصيانة الطرق وإنارتها وتنفيذ شبكات الصرف الصحي والأراضي والأملاك، والعديد من الخدمات الخاصة في الإمارة، حيث ضم التشكيل الأول للمجلس العديد من الشخصيات البارزة من الذين استطاعوا ترسيخ مكانة أبوظبي، وقدموا بجهودهم مثلاً وقدوة لغيرهم، بحضورهم وتواجدهم وحرصهم على التفاعل مع الشرائح المجتمعية. 

  • المجلس البلدي الأول لمدينة أبوظبي
    المجلس البلدي الأول لمدينة أبوظبي

الاستشاري الوطني
في عام 1970، تم اختياره عضواً في أول تشكيل للمجلس الاستشاري الوطني، حيث كان حاجي الخوري أحد المشاركين والمساهمين خلال مختلف اجتماعات وأعمال المجلس، عبر تقديم الرؤى التي ترتقي بمستويات جودة الحياة للمجتمع والتوصيات التي لها بالغ الأثر في رفد القطاع التنموي بالأفكار، إضافة إلى تقديم خلاصة تجاربه عبر المشاركة في إعداد التقارير التي تتناول مختلف الدوائر والجهات المعنية ودعمها بالمقترحات والحلول، حيث حرص على أداء دوره كاملاً، وأن يكون على قدر الثقة والمسؤولية التي وقعت عليه، إيماناً منه بأهمية دور المجلس وضرورة المساهمة المجتمعية التي تتنوع أشكالها، ومنها المساهمة في الدعم والبناء عبر الأفكار والتجارب والرؤى التي تتوافق مع تطلعات أبناء المجتمع. 
 
لجنة الأراضي
وكان حاجي الخوري عضواً في لجنة توزيع الأراضي في بلدية أبوظبي، برفقة عدد من كبار التجار ورجال الأعمال، والذين وثق بهم الوالد المؤسس وبرؤيتهم وسداد رأيهم نظراً لنجاحاتهم التجارية في الإمارة، حيث لعب دوراً مؤثراً خلال عضويته في اللجنة، والتي تولت مهمة توزيع الأراضي بقيم الأمانة والنزاهة والإخلاص. 
وبعد قيام الاتحاد، لعب حاجي الخوري، دوراً هاماً في تمثيل الإمارات في العديد من المؤتمرات والمحافل الهامة حول الشؤون التجارية، حيث حرص خلال مشاركاته المختلفة على إبراز الأثر الاجتماعي الإيجابي الذي حل بإمارات الدولة بعد الإعلان عن قيام الاتحاد، كما كان مستفيضاً بالتعريف بالدولة وتطلعاتها تجاه المنطقة، وحريصاً على جذب الأعمال وتنمية الاقتصاد لدى الدولة، إضافة إلى المشاركة للتعريف بوجهة نظر الدولة وجهودها الإقليمية الداعمة للأشقاء والأصدقاء، فكان خير ممثل للدولة في تلك المحافل، ولطالما حظي بالإعجاب والتقدير من ممثلي الدول المشاركة في تلك المؤتمرات. 

محطات نجاح
تميزت سيرة حاجي الخوري بالعديد من محطات النجاح في الشأن الاقتصادي، حيث عمل مع والده المرحوم عبدالله حسين الخوري في توريد النفط من جزيرة داس وطريف، ضمن 3 محال رئيسية في أبوظبي والعين وطريف خلال فترة الأربعينيات مع مطلع استكشاف النفط، ليوسع حاجي الخوري من التجارة في العديد من القطاعات والمجالات لتشمل ميادين مختلفة، نجح من خلالها في توظيف الفرص المتاحة وبالرغم من حداثة الشأن الاقتصادي حينها في الإمارة، إلا أنه كان متصفاً بالحلم والأمل والبذل والعطاء للوصول إلى المستهدفات المطلوبة من المشاريع المختلفة. 
وقام حاجي الخوري بتأسيس شركة أبوظبي الوطنية للمواد الغذائية خلال بداية السبعينيات، والتي عكست الوعي والحكمة بضرورة وأهمية وجود المخزون الاستراتيجي للسلع الغذائية في الإمارة، حيث، وبتوجيهات من الوالد المؤسس، اهتمت إمارة أبوظبي بأهمية المخزون الاستراتيجي للسلع عبر تأسيس المطاحن والمنشآت وضمان الغذاء لكافة السكان، ولعبت الشركة التي أسسها حاجي الخوري دوراً محورياً في ذلك. وكانت رائدة في ترسيخ مفاهيم الاكتفاء الذاتي من الغذاء والحفاظ على الأمن الغذائي في الدولة. 
على الصعيد التجاري يعد حاجي الخوري مؤسساً لبنك الإمارات التجاري عام 1976، والذي يعد من أوائل البنوك في الدولة، والذي أصبح فيما بعد بنك أبوظبي التجاري بعد اندماجه عام 1984، حيث ساهم البنك في دعم الشأن الاقتصادي بالإمارة عبر دوره المؤسس في توفير بيئة، ساهمت لاحقاً بتأسيس بنوك أخرى، كما توالت نجاحاته في العقارات والأسهم وغيرها من المجالات التجارية، ولعب دوراً رئيسياً خلال عضويته في غرفة تجارة وصناعة أبوظبي. 

التسلح بالعلم والمعرفة
ارتبط حاجي الخوري، المولود في مدينة أبوظبي عام 1941، بالعلم والمعرفة، حيث تعلم القرآن والقراءة والكتابة عند جدته سكينة حسين الخوري، فوجد في العلم اتساعاً لمدارك الأفق، ونهل منها أهمية التحلي بالسلوكيات الحسنة والمبادرة المجتمعية، وترسخت لديه مفاهيم المشاركة والعطاء، وضرورة أن يكون الشخص متسلحاً بالعلم والمعرفة والدراية، لما لها من دور في بناء الإنسان وأفكاره، فالعلم هو الطريق نحو شطآن الارتقاء على سلالم النجاح، وبه دروب الحكمة والبصيرة، فكان ملازماً للتعلم وإتقان القراءة والكتابة والتبحر في الكتب، والتمعن في آيات الله ودلالاتها، ومواصلة ذلك بهمة واجتهاد ورغبة في الوصول إلى أعلى درجات الدراية.

مسيرة مستمرة
تستمر مسيرة العطاء لأبناء المرحوم حاجي عبدالله الخوري، من خلال الأبناء المنخرطين في قطاعات خدمة الوطن، حيث يشغل محمد حاجي الخوري، منصب مدير عام مؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان للأعمال الإنسانية، كما يتبوأ يونس حاجي الخوري منصب وكيل وزارة المالية، والعميد عثمان حاجي خوري منصب مدير إدارة البعثات في القيادة العامة لشرطة أبوظبي، ويشغل خالد حاجي الذي يعد رجلاً للأعمال عضوية مجلس إدارة بنك أبوظبي التجاري وعضوية مجلس إدارة شركة أبوظبي الوطنية للفنادق، سائرين على نهج والدهم الذي يعد أحد أعمدة التجارة والخير في الدولة.

صفات حسنة
في عام 1979 انتقل حاجي عبدالله حسين الخوري إلى الرفيق الأعلى، بعد سيرة ملأى بالنجاحات التجارية والاقتصادية، ودور مجتمعي بارز من خلال المساهمة والتفاعل الاجتماعي، مخلداً تركة من الأخلاق الحميدة والصفات الحسنة حول التأثير المجتمعي لرجل الأعمال المحب لوطنه والمخلص لقيادته.