إبراهيم الملا

«شِدَهني زمان العِسِرْ وأمسيت حاير                            كما حارت النفس اللّزيمة بدينها
وقمت أفتكر من حين ما عَسْعَسْ الدِّجى                 وأطالع خيار الناس من دون شينها
وكلما عقد الهزر في حدٍ أنثني                              بصدٍ ونفسي ما أقوى في هجينها
ولمّا طويت الياس ردّت هواجسي                             إلى من للشكوى فطين فهيمها»

تترقّق الكلمات وتينع وتزهو عندما يصيغها الشاعر الكبير «محمد بن ثاني بن زنيد السويدي» - مواليد دبي 1888 - 1979 - مسترشداً في ذلك بألمعيّة تخصَه، وانتباهات مسدّدة نحو جريان الوقت، وتبدّل الأمكنة، وانحياز الحال نحو ما يُلفِت من حوادث وتحوّلات، وميل العاطفة نحو ما يُبهرّ، وما يكتسي بالدهشة والانجذّاب والتودّد، وفي القصيدة أعلاه، نتحسّس الشكوى اللاهبة في دواخل الشاعر، تجاه «زمان العسر»، الذي سبب له الحيرة وأورده مسالك التيه، فكلما رأى شخصاً قادراً على نجدته وتخليصه من عذاباته، تردّد ثم توقف عن طلب المساعدة، خوفاً على نفسه من التذلّل وجرح النفس، ليطوي يأسه وحيداً بين جوانحه، راجياً أن تكون علامات الألم البادية عليه، هي دليل الفاهم والمستبصر والفطين، القادر في النهاية على مساعدته، دون أن يصرّح الشاعر وبشكل علني عن مدى حاجته لمن يسعفه.

تؤكد هذه القصيدة القدرة اللافتة لابن زنيد على التحليل السيكولوجي، والحفر عميقاً في بواطن النفس الإنسانية، وانشغالاتها، مستعيناً بظرفه الخاصّ، للبوح عن مكامن نفسه، وأشواق ذاته، في المواقف الصعبة التي يمكن لها هزيمة أقوى الرجال، وأكثرهم حرجاً من الشكوى، ومداراة آلامهم، وعدم رغبتهم في التعبير اللفظي عن حالة القصور والعَوز التي يعانون منها.
تتقاطع المفردات الواردة في قصائد «ابن زنيد» مع مفردات الشعر النبطي بالإمارات، المستخدمة نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، من حيث التأثر والارتباط الواضح باللغة الفصيحة، والتخفّف من تراكيب اللهجة الدارجة وأنساقها، وهذا الميل التعبيري نحو الفصيح، مع التقشّف في استخدام القول الدارج، كان جليّاً في مواضع كثيرة من شعر «ابن ظاهر» - أيقونة الشعر النبطي في الإمارات- وكان سِمَةً ملحوظة لدى معظم شعراء النبط في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، والتي دُوِّنت قصائدهم في عدد من المخطوطات النادرة، إضافة لما حفظه الرواة القدامى من هذه القصائد، ونقلها تالياً لمن أتوا بعدهم.
تذكر السيرة الحياتية لابن زنيد أنه عرف اليتم مبكراً، حيث فقد والده وهو في الثانية عشرة من عمره، وهذا البتر العاطفي المتمثّل في الفقد المبكر، كان قد خبره الكثير من شعراء النبط الإماراتيين، ويبدو أنه يخلق حالة من الحساسية المحفّزة على التعويض الإبداعي، وذلك من خلال توليف شعر يذهب بعيداً إلى أقاصي الروح المبتلاة بالفقد، وإلى شواهد الطفولة الناقصة، والاستعاضة عنها بحالة بديلة يستقوي بها الشاعر ليشدّ بها عزيمته، ويرمم بها حطام نفسه، وتقوّض أركانه، وانهدام ذكرياته.
ويشير الباحث الدكتور عبدالعزيز المسلّم أن ابن زنيد امتهن الغوص وهو صغير، وعمل «تبّاباً»، أي كان يساعد الغاصة على ظهر السفينة المبحرة إلى «الهيرات» أو مغاصات اللؤلؤ، ويسمى التباب بالوِليد أيضاً، وإذا تطوّر الوِليد في مهنته - كما يوضّح المسلّم - يُطلق عليه: «اليلّاس»، أي الذي يتخّذ وضع الجلوس لفلق المحار وتصنيف اللؤلؤ حسب نوعه وحجمه.
وهذه المهن التي مارسها ابن زنيد وعوده ما زال طريّاً، لا شكّ أنها أكسبته المهارة الذاتية في التشارك الاجتماعي، والتفاعل الإنساني، والتزوّد بالحكمة والصبر، والاستمتاع بالحكايات والأهازيج والمواويل البحرية التي يردّدها الغاصة في رحلاتهم الطويلة وسط الأزرق الكبير، ولا شك أيضاً أنها مهن قاسية، ولكنها أسّست في دواخل «ابن زنيد» شخصية قوية وقارئة للأحداث، ومستعدة لمجابهة التحديات، والتأقلم مع المستجدّات، وهو الأمر الذي حدث لاحقاً عندما سافر ابن زنيد إلى منطقة «الدمّام» بالمملكة العربية السعودية، للعمل هناك والبحث عن مصدر رزق آخر، بعد كساد تجارة اللؤلؤ وانقراض مهنة الغوص، وفي «الدمّام» كتب ابن زنيد أجمل قصائده وأكثرها ارتباطاً بالشوق والحنين إلى مدينته وحاضنة تكوينه الذهني، ووعيه الإبداعي، وهي مدينة دبي العزيزة على قلبه، والتي قال فيها شعراً يَرِدُ فيه:

ردّ الكرى للعين من بعد ما كانْ
حريبٍ لها والسهد في منزله كانِ
وزالت هموم القلب من باطنِ الحشا
على حين ما عيّنت بالعين الأوطانِ
عروس الخليج أعني «دبي» العزيزة
بلادٍ أفضلّها على كل بلدانِ
بلادٍ ولدت بها وقلبي يحبها
كما حب والدةٍ على طفلها حاني».

ويبدو أنها قصيدة كتبها ابن زنيد بعد انقشاع غربته الطويلة في الدمام، وعودته إلى ملجأ أحلامه، وأرض أهله وأحبابه وأصدقائه، ومستودع ذكرياته في المرحلة الثانية من عمره، والتي جاوز بها المرارات والصعوبات التي رافقت طفولته المبكرة، حيث استطاع استثمار مأساته الذاتية التي أحاطت به في الصغر، ووظّفها لصالح القصيدة المتفرّدة شكلاً، والمّبهرّة مضموناً، ليكون واحداً من روّاد الشعر النبطي المحلّي، ورموزه السامقة، ذات الحضور الآسر والمكانة الجليلة، التي ضمنت له لقب «الشاعر المُلهِم»، الذي اقتدى به الآخرون وساد بنتاجه النوعيّ على الساحة الأدبية والثقافية، وشكّل منعطفاً مهماً في التجربة الشعرية بالإمارات، ذلك أنه امتلك قصب السبق في الارتقاء بفن الشعر من خلال مسيرة حافلة بالترحال الافتراضيّ والجسدي، واستقاء المعارف الجديدة من منبعها الأصيل، واعتبار القصيدة جزءاً لصيقاً بالمحيط الاجتماعي، وبمكابداته وأفراحه وأتراحه المتصلة بلواعج النفس وتطلعاتها، ومِن ثَمَّ ترجمة الوجد الساكن فيها، إلى أبيات متوهجة دائماً في فضاء الذاكرة الشعبية وفي سجلات الحياة الثقافية بالمكان.
ومن القصائد الشهيرة لابن زنيد تلك التي يقول فيها:

«البارحة من زايد الهمّ
النوم ما يا حول اليفون
متغثبرٍ بمفارق العمّ
سيد العذارى طيّب اللون
غِروِ عليه أتيرّع السِمّ
من حيث ما خَذْني على خون
لا فيه لِطْفٍ ولا تِرِحِّم
خلّانيِهْ في حالة ينون
يا عزّ تالي كمّ بكتم
سدّي وأنا حايرْ وممحون
وأكثر بِيِهِ زادِ التألّم
ليلة ربوعي با يشلّون
سرت بحزن «يعقوب» وأعظم
بفراق «يوسف» والله العون
ومن التَلَفْ ما أظنّي بسلَم
جانِه على ها الفِعِلْ بيكون
خِلٍّ إذا ييته تبسّم
وبشوفتي ما زال ممنون
ولكنّه مطلوبي تعسّم
عنده وأنا به صرت مفتون».

تكشف هذه القصيدة الغزلية الرائعة لابن زنيد عن تمكنه من الترجمة الدقيقة لأحوال العاشق وأسقامه غير الظاهرة للعيان، إنها تلك الأحوال المتأرجحة بين الهجر والوصال، وبين النأي والاقتراب، وبين الخوف والرجاء، متحرّقاً وسطها، ومترجماً تلاوين الهوى فيها، وتنوّع صنوفها ومجرياتها، صائغاً إيّاها بلغة سيّالة ورشيقة، رغم صعوبة وقعها عليه، محوّلاً أوجاعه الدفينة إلى أبيات تضجّ بالتولّه والأنين، حيث هموم البعد عن الحبيب تكون مساوية لتجرّع السمّ، إثر المعاناة الشديدة من الغمّ والفراق، وغلّبة التلَف على كيانه ومشاعره، مستعيناً بثقافته القرآنية التي نهل منها في صغره، ليشبّه حاله بحال النبي يعقوب بعد فراق ابنه يوسف، متمنياً أن تهبّ عليه رياح جديدة ومبشّرة، كي تخبره باجتماع قريب مع الحبيب، الذي لا زال محتفظاً بوفائه، وبابتسامته المعهودة التي طالما رآها الشاعر وهي تزيّن وجه محبوبه.

الصيد بالصقور 
عُرف عن الشاعر محمد بن زنيد شغفه برياضة الصيد بالصقور، رفقة الشاعر والوجيه أحمد بن سلطان بن سليّم، أحد رجالات دبي المعروفين في مجالات العلم والأدب والتجارة، ووثّق ابن زنيد أجواء هذه الهواية المحبّبة إليه في شعره، واصفاً في قصائده المرتبطة بهذه الرياضة التراثية، شموخ الصقر وحالة الطرائد من الطيور المختلفة التي يتم قنصها، مثل «الحبارى» و«الكروان» و«الصفرد»، وكيف أنها طيور جميلة، ولكنها تنفر ممن يقنصها وتبدي تصرفات عدوانية تجاهه.

مرحلة الأسفار
الباحث الدكتور عبدالعزيز المسلّم، يوضّح أن الشاعر ابن زنيد تأثرّ بمرحلة الأسفار الصيفية إلى مناطق «المقيظ» في الإمارات، والتي دائماً ما يكون فيها ذكر للجري - بالجيم المشدّدة - والجافلة «القافلة»، والجري أصلها الكري؛ أي من المكاراة أو الإيجار، والمكاري هو البدوي الذي يأتي بالمطايا لأهل الساحل ويؤجرها عليهم في رحلة المقيظ، ويكون هؤلاء «الجري» عارفين بالدروب وبالمطايا، وعارفين بالغناء «السيع أو الحدا» لتسلية المسافرين أثناء توجههم لمناطق «المقيظ» البعيدة.
كان النتاج الشعري لابن زنيد موزعاً على بعض المدونات والمخطوطات، إلى أن تم جمعه في ديوان بسيط، ثم في ديوان أكبر فيما بعد، حيث صدر له من أكاديمية الشعر بأبوظبي ديوان بعنوان: «ديوان محمد بن ثاني بن زنيد، حياته وأشعاره، وقصائد لشعراء من أسرته»، جمع الديوان وحقّقه وشرحه الشاعر والباحث سلطان العميمي، وضمّ الديوان اثنتين وستين قصيدة، إضافة إلى ثلاث وعشرين قصيدة لأفراد من أسرته، وقسّم العميمي عمله عن ابن زنيد إلى فصلين ومجموعة ملاحق، تناول الأول، سيرة حياة الشاعر وتجربته الشعرية، مروراً بنظمه الشعر ومرحلة شبابه وسفره إلى الدمام، ونتاجه الشعري ومساجلاته مع شعراء عصره، ومكانته الشعرية، وقصائده التي فقدت في أثناء حياته، وانتهاء بوفاته التي كانت في عام 1979م.
أما الفصل الثاني - وهو الجزء الأكبر في الإصدار - فضم قصائد الشاعر التي صاحبها شرح وافٍ لمفرداتها، إلى جانب ذكر مصدر كل قصيدة ومناسبتها، وتم تدعيم الإصدار بعدد من الصور لمخطوطات ومدوّنات حفظت إبداع ابن زنيد، واعتمد المؤلف في تقصّيه سيرة حياة الشاعر وقصائده على روايات أفراد أسرته، وما ورد في المخطوطات الشعرية والمراجع المتوفرة.