محمد وقيف (أبوظبي) 

طالب وزير الدفاع الأميركي السابق روبرت غيتس بثورة في السياسات، راديكالية وعملية في آن معاً، وهي مقاربة واعدة تستطيع أي إدارة أميركية مقبلة تبنيها. 
صدر لغيتس مؤخراً كتاب جديد بعنوان «ممارسة السلطة»، يبحث فيه السلطة بكل تمظهراتها، وكيف مورست من قبل الرؤساء الأميركيين في عالم ما بعد الحرب الباردة، ظاهرياً.

قد يبدو الكتاب تقليدياً، إذ يبدأ بذكر قائمة من الأدوات التي يستطيع صنّاع سياسات الأمن الوطني الأميركي استخدامها، من القوة العسكرية والعقوبات الاقتصادية إلى الدبلوماسية والمساعدات الخارجية وغيرها، ثم ينتهي بطائفة من النصائح والتوصيات. غير أن ما يميّزه هو مجموعة من الحالات والأمثلة الحية للكيفية التي استخدمت بها الإدارات الأميركية الست الأخيرة تلك الأدوات في تدبير التحديات الأمنية لمرحلة ما بعد الحرب الباردة، بما في ذلك الصين وروسيا والعراق وإيران وكوريا الشمالية وغيرها. قصص قد تكون مألوفة بالنسبة لبعض القراء، لكنها تكتسب حياة واهتماماً جديدين، عندما يرويها شخص كان حاضراً في الغرفة حين اتخاذ القرار.
غيتس يبحث كيف تعاطى المسؤولون الأميركيون مع ما كان يصلهم من ملفات على مدى الثلاثين عاماً الماضية، مسلطاً الضوء على التحديات التي اضطر صنّاع السياسات لمواجهتها، وقائمة الخيارات التي اختاروا منها، وأسباب اختيارهم لها، ثم تقييمه البعدي لتلك الاختيارات. ويدحض غيتس العديد من الهجمات المألوفة عبر توضيح كيف أن اللاعبين المعنيين فعلوا أفضل ما يستطيعون فعله بالموارد التي كانت متاحة لهم. غير أنه كان في أحيان كثيرة لا يتوانى عن توجيه انتقادات حادة أيضاً، مؤيداً تلك الهجمات عبر الإشارة إلى مسارات تحرك بديلة كان يمكن لصناع السياسات اختيارها. 
ويقيّم غيتس السجل العام لواشنطن باعتباره غير مبهر إذ يقول: «لقد كانت ثمة نجاحات أميركية على الساحة الدولية خلال ربع القرن الماضي، لكن الاتجاه العام بالنسبة لنا في الساحة العالمية كان سلبياً، رغم ادعائنا المتعجرف بالعكس». ذلك أن الإدارات الأميركية المتعاقبة بدّدت السلطة والهيبة والرصيد السياسي الداخلي من خلال عدد من أخطاء الفعل وعدم الفعل، ما خلق فرصاً للصين الصاعدة وقِوى أخرى ومكّنها من كسب مساحة متزايدة. 
والحال أن الأمور ما كان ينبغي لها أن تكون هكذا، كما يقول غيتس. ومع تقدم فصول الكتاب، تظهر تدريجياً الخطوط العريضة لمقاربة بديلة للسياسة الخارجية والأمن الوطني الأميركي، مقاربة كان ينبغي لواشنطن أن تتبناها وينبغي أن تبحث بجدية إمكانية تبنيها الآن، كما يقول المؤلف. لم يستخدم غيتس مصطلح «أممية محافظة»، وهي مدرسة للسياسة الخارجية الأميركية يعود تاريخ إنشائها إلى أكثر من قرن مضى، غير أنه يستشف من الأفكار التي يعبّر عنها أنه مثال معاصر لهذه المدرسة. فعلى غرار أنصار «الأممية الليبرالية»، يفضّل غيتس زعامة أميركية قوية للعالم، وتعاوناً وثيقاً مع الحلفاء والشركاء من أجل حماية المصالح المشتركة ودعمها.. لكنه يسخر من فكرة أن واشنطن تستطيع تحويل بلدان أخرى ضد إرادتها أو تحت شروط معينة، كما يسخر ممن يوكلون للجيش مهام كبيرة لا يمكن تحقيقها. 
«الأممية المحافظة» التي يبدو أن غيتس يتبناها هي من النوع الذي يستخدم القوة بشكل محدود وحذر، لكن بشكل حاسم أيضاً، لحماية المصالح الوطنية الأميركية الرئيسية التي تواجه تهديداً مباشراً. وبمقتضاها تحاول الولايات المتحدة أن تكون جاراً جيداً للعالم، ترسل مساعدات إنسانية وإغاثية، وتعبّر عن دعمها للإصلاحيين الديمقراطيين، وتحاول تشكيل بيئتها الأمنية بكل الطرق المتاحة. لكن واشنطن لن تتدخل عسكرياً من أجل «دفع التاريخ إلى الأمام» أو من أجل تحمل المسؤولية عن النتائج السياسية الداخلية لبلدان أخرى. وهكذا، يمكن تلخيص عقيدتها العسكرية في المقولة التالية: «لا تقاتل أبداً إلا إذا اضطررت للقتال، ولا تقاتل أبداً بمفردك، ولا تقاتل أبداً لفترة طويلة». 
أما بخصوص المستقبل، فالمقاربة التي يقترحها غيتس ربما تمثّل طريقة معقولة للبدء في إصلاح الضرر الذي لحق مكانة أميركا الدولية في السنوات الأخيرة: جهاز تنفيذي يحدّ من التدخلات العسكرية بينما يوسّع أشكالاً أخرى من التعامل مع العالم، ويحافظ على موارده ويستخدمها بشكل فعال، كما يستخدم الأدوات الصحيحة الملائمة لكل وضع. 
الكتاب يفند فكرة أن مؤسسة السياسة الخارجية عبارة عن «كتلة لزجة» عالقة في «تفكير القطيع» وغير قادرة على تحول مبتكر. والواقع أن روبرت غيتس يوصي بثورة في السياسات تكون راديكالية وعملية في آن واحد، وهي مقاربة واعدة للاستراتيجية تستطيع أي إدارة أميركية مقبلة تبنيها. لكن المشكلة الوحيدة ربما هي أنها تعتمد على الانضباط الذاتي الرئاسي و«زعامة حكيمة وشجاعة»، والحال أن الحكمة والشجاعة خصلتان أصبحتا نادرتين في واشنطن منذ سنوات.

كتاب: ممارسة السلطة.. الإخفاقات والنجاحات الأميركية وطريق جديد إلى الأمام في عالم ما بعد الحرب الباردة
المؤلف: روبرت غيتس
الناشر: كنوبف
تاريخ النشر: يونيو 2020

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»