خاض فيكتور فرانكل تجربة مريرة في معسكرات الاعتقال النازية، وشهد هول المعاناة ومقدار الألم النفسي، وهو يعصف بمن حوله، دون رحمة، وخرج بنظرية «العلاج المعنى» التي جعلته في مصاف أبرز علماء النفس في القرن العشرين، والتي تتلخص في أن وجود معنى لحياة الإنسان، هو حائط الصد المنيع ضد الانهيار النفسي، واستشهد في كتاباته بفلسفة نيتشه ومقولاته عن أهمية معنى الحياة. 
لكن مهلاً.. أنتحدث عن نيتشه؟
كان أدولف هتلر يعشق فلسفة نيتشه، واستلهم منها أفكار التفوق العرقي والإبادة الجماعية، لدرجة أنه كان يمتلك تمثالاً رخامياً له في منزله، بل لدرجة حرصه على زيارة أخته إليزابيث التي أهدته عصا نيتشه الراحل، كهدية. 
كيف يلهم نيتشه الضدين؟ شخصاً قاد حركة معاداة للسامية، وشخصاً عانى تحت وطأتها؟
هل تلهم فلسفة نيتشه الارتقاء بالبشر، أم تدمر إنسانيتهم؟
فلسفة نيتشه كانت واحدة.. لكن كلا الرجلين انتقى منها ما يوافق طريقة تفكيره.
ليس التطرف أيدلوجيا، بل استعداد نفسي.. التطرف طريقة تفكير يلبسها صاحبها ثوب الأيدولوجيا المتاح في بيئته ليبرر تطرفه.. نرى هذا في صفحات السوشيال ميديا، حين تجد تعليقات الجمهور الغاضب في أحد البلدان العربية، اعتراضاً على فتوى متسامحة مستنيرة من مؤسستها الدينية الرسمية. هؤلاء المعلقون لم يتطرفوا بسبب الخطاب الديني، بل بالعكس، يرفضون الخطاب المتسامح، طالما لا يتسق مع نظرتهم المتطرفة للدين. 
في البوذية تحريم صريح لإيذاء أو قتل أي كائن حي، حتى الحشرات، لكن هذا لم يمنع مذابح ميانمار التي أججها الكاهن المتطرف آشين ويراثو، الذي أسمته مجلة تايم وقتها (وجه الإرهاب البوذي)، وندد به الدلاي لاما قائلاً: إن البوذية بريئة منه.. هل يبدو هذا الموقف مألوفاً؟
الأيدولوجيا هي الوقود الذي يحرك المتطرف، لكن الماكينة العقلية ذاتها، هي التي تحدث الضرر الحقيقي.. فنفس الوقود الذي يدير آلة قتالية، قد يدير أيضاً ماكينة زراعية.. المشكلة في الآلة النفسية البدائية التي لم يتم الارتقاء بها بشكل منهجي لتستوعب ذاتية المعرفة وحق كل إنسان في اختيار حياته، وتتسع لفكرة تقبل الاختلاف والتعددية، كحتمية منطقية وأخلاقية. 
كل إنسان ينتقي من أيديولوجيته ما يتسق مع مستواه في النضج النفسي والمعرفي، وأياً كان مدى رقي الفكرة، فإن التطرف لها قد يفسد الغاية منها.
منع خطاب التطرف لن يجعله يختفي، بل سيحمي البعض من التطرف لأيديولوجية بعينها، كي يحظوا بتطرف بديل متاح!