أن تكون لديك رغبة مُلحّةُ للكتابة، هذا أمر، وأن تكتب ما تشعر به، أو تترجم ما يختلج داخلك من مشاعر وأحاسيس وآراء وأفكار تترجم الآخرين من خلالك، هذا أمر آخر، الكاتب الحقيقي لا يتصنّع الكتابة، بل يترك للكلمات فرصتها، ولوميضها وقته الذي يحتاجه، فالكلمة تشبه كثيراً كرة اللهب التي إن لمستها لسعتك، وإن أهملتها انطفأ وهجها وانكفأت محتارة، وفي دهشة وحاجةٍ للصمت.
 الكلمة هي النصل الحاد النابت بين ضلوع الأبجدية، وهي السر وراء أن تكون مبدعاً أو لا تكون، عندما تمارس وعيك بحرية، أو حينما يصطدم إبداعك بجدار يسمى «لا»، وبعض «التابو» أو المحاذير التي تتكسر عندها أجنحة وعيك، ويضيق فضاء بوحك، وتتسع حدقة الأسئلة، تتركك في فوضاك وحيرتك، وحاجتك للانزواء؛ ولأنك كاتب، فأنت تحتاج إلى سماء، مثلما تحتاج إلى الهواء والماء لتستمر الحياة، فتنشر الفرح، وتبث الأمل والتفاؤل والحب، ما إن تقبض على فكرتك، ويفِض القلم بفحواه.
تسكننا الكلمات، وتغادرنا وحدها هكذا، كيفما ووقتما تشاء، لا نعلم أي سلوك تمارسه معنا، ولا ندرك الأثرٍ الذي نتركه في ذهن المتلقي ووعيه بِنا، وبما يدور في رؤوس أقلامنا وعقولنا التي في لحظةٍ ما، تشعرك بأنها في حاجة للتحدث معك، وقبل أن يشاغبك الآخر وتنتقل من مُدن الأحلام إلى الواقع، يُدرك حينها معنى الكلام، وأي جرح ينكأ، أو أي حبرٍ يسيل على طرف ورقة، وعند رصيف انتظارك الطويل المنهَك.
في الكتابة شيء من سحر يداخلنا، ويعربش في ستائر أدمغتنا، ليحيل العتمة ضوءاً يتألق على الورق الصديق الوحيد الذي يحتمل أوجاعنا، سكوننا، صخبنا، حنيننا، رغبتنا في الكلام، حاجتنا إلى البوح المسكون بالدهشة، الكتابة فنْ، فلماذا يستعصي هذا الفن رغم وفرة الألوان؟ لماذا كلما أسدلنا ستار الصمت لنخرج إلى البوح، وجدنا الأبواب موصدة، والعقول مترهلة، والفكر في حالة جمود، فأين الخلل؟ وفي أي زاوية تسكن الإجابة.
ينتابنا الكثير من القلق والخوف، وشيء من الفرح الموشَى باللوعة حين نبحث عن الفكرة فلا نجدها، ولمّا أن تحضر، نفاجأ بأنها ليست التي نريد، أو نتوقع، عندها تنحسر الرغبة في اجتياح اللحظة واللغة والحالة والحاجة إلى التحليق، ليضج السؤال: هل نقدرُ على الكتابة؟ ماذا نكتب؟ ما خطابنا؟ من نخاطب؟ إلى ما نرمي؟ أي وجع يسكن كلماتنا؟ كيف نخرج من اللحظة المحاصرة بالخمول والكسل والرغبة في اللاشيء، وكيف يمكن التصالح مع الكلمات لتخرج الحروف من روح الكاتب وهي أكثر نشوةً وعذوبةً وفرحاً؟