نشأت رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي في عائلة سياسية؛ فوالدها توم داليساندرو جونيور، كان عمدة مدينة بالتيمور وعضواً في مجلس النواب الأميركي، وشقيقها الأكبر توم داليساندرو الثالث، كان كذلك عمدة لمدينة بالتيمور. 

في هذا البيت شبّت نانسي بيلوسي على السياسة وتشبعت بها. ومن هذا العالم خرجت أول امرأة تتولى رئاسة مجلس النواب في التاريخ الأميركي. لقد كان عالَماً تتطلب فيه السياسة عملاً شاقاً ومضنياً، حيث كان السياسي يعرف ناخبي الدائرة الانتخابية شخصياً، ويسعى لمعرفة احتياجاتهم: التوسط في وظيفة، المساعدة بتوفير محامٍ متخصص في قضايا الهجرة، وربما بعض الفحم من أجل التدفئة في الشتاء. 
وبالمقابل، كان الناخبون يمنحون السياسي أصواتهم. لقد كان عالَماً من دق الأبواب المتواصل، والولاء الثابت، والانتقام من الخارجين عن الصف. ونشأت نانسي داليساندرو بيلوسي في هذا العالم، وكانت تلميذة نجيبة وسريعة التعلّم. «إنها تمتلك مهارات سياسية لا يمتلكها أحد آخر في الكونجرس»، هكذا، قال عنها صديقها الراحل النائب عن ولاية بنسلفانيا «جون مورثا»، مضيفاً: «لا تظنوا أنها من سان فرانسيسكو. إنها من بالتيمور». 
وفي كتابها «بيلوسي»، تصف الكاتبة والصحفية الأميركية «مولي بول» رئيسة مجلس النواب الأميركي بالمرأة القوية مثل الفولاذ. فبيلوسي سياسيةٌ تعرف كيف تحصي الأصوات، وكيف تتفاوض من موقف القوة، ومن موقف الضعف، وكيف تنظّم أعضاء حزبها في الكونجرس، وتعرف ما يمكن أن يمر، مثل «قانون الرعاية الرخيصة»، وما لا يمكن أن يمر. كما تملك الشجاعة لتقول لزميلاتها الأعضاء في مجلس النواب وجهاً لوجه، وقد اغرورقت عيناها، إن عمليات الإجهاض الممولة من الحكومة، ينبغي حذفها من «قانون الرعاية الرخيصة» حتى يتسنى تمريره. هذه مهارات فُقدت في الحياة السياسة الأميركية. إنها مهارات سياسية بعيداً عن الكاميرات. 
وتؤكد «بول»، على نحو مقنع، أن أي امرأة ما كانت لتنجح في الوصول إلى بيلوسي، وتشير إلى أنه قبل أن تدخل بيلوسي عالم السياسة، أنجبت خمسة أطفال في ست سنوات، وخلقت النظام من الفوضى التي تلت ذلك، لكن ذلك لم يكن له أي تأثير سلبي على مسيرتها السياسية اللاحقة. فتفرغت لتربية أطفالها في سان فرانسيسكو مع زوجها «بول»، رجل أعمال ومطور عقاري، وأحبّت الأمومة. لكن حب السياسة لم يفارقها أبداً، ومناصِرة «الحزب الديمقراطي» كانت دائماً موجودة: ففي السنوات الأولى، رفضت شراء منزل أحبته؛ لأنه «أصبح متاحاً» من جمهوري انضم إلى إدارة نيكسون. ومع بلوغ الأطفال سن المراهقة، بدأت بيلوسي تنظّم حفلات منزلية من أجل جمع التبرعات لصالح الفرع المحلي لـ«الحزب الديمقراطي»، فأبانت عن مواهب ومهارات لافتة، وحققت نجاحات مذهلة. وكانت قدرتها على جمع المال لصالح زملائها الديمقراطيين سلاحاً أساسياً في صعودها إلى القمة. 
 كانت بيلوسي شخصية مؤدلجة بطبعها، وكانت نموذجاً لـ«ليبرالية من سان فرانسيسكو»؛ إذ كانت مدافعة قوية عن حقوق المرأة، ومناهضة للحرب، ومناصرة للبيئة، ومناوئة غاضبة للتجارة مع الصين. بيد أن كتاب «بيلوسي» ليس سيرة حياة قديسة. فـ«بول» لا تخفي إعجابها برئيسة مجلس النواب، ولكنها صادقة بشأن عيوبها ونقاط ضعفها: وفي هذا الصدد، لا تتوانى المؤلفة عن الإشارة إلى عدد من الأمثلة عن زلات ارتكبتها بيلوسي، في الماضي والحاضر.
 بعد انتخاب ترامب، مثّل هذا الأخير الهدف المثالي لسياسية من طينة بيلوسي: فهو - في نظرها - غير منظم، وبلا أفكار، وغير مطّلع على الملفات، ولا دراية له باستراتيجيات السياسة وتكتيكاتها. لقد كان تلفزيون الواقع، وكانت هي الواقع. ذلك أن الأمر كان، وما زال يتعلق بمعركة مجازية: ترامب المتحدث المزهو بنفسه والمشوش بالهرمون الذكوري، وبيلوسي النموذج لمستقبل سياسي نسوي.  وهنا، تنقل «بول» عن إيمي كلوبوتشر، السيناتورة عن ولاية مينيسوتا التي انسحبت من الانتخابات التمهيدية «الديمقراطية» مؤخراً، قولتها الشهيرة: «إذا كنتم تعتقدون أن امرأة لا تستطيع إلحاق الهزيمة بترامب، فإن نانسي بيلوسي تفعل ذلك كل يوم». لكنها تفعله بالطريقة الكلاسيكية القديمة: إحصاء الأصوات، ليّ الأذرع، معرفة متى وكيف ينبغي إبرام الصفقة. «إنها أحسن تنظيماً مما كنا عليه»، هكذا، قال أخوها لوالدها في البدايات، وهو يتابع حملة بيلوسي الانتخابية الأولى من أجل الكونجرس. و«جاهزة» أيضاً؛ ذلك أنها إذا تطلب الأمر أن تتصل بـ70 من زملائها في 24 ساعة من أجل الحصول على تصويت، فإنها تقوم بذلك. 
 إن السياسة تتطور بالطبع، لكن ثمة طرق ووسائل تبقى وهي أساسية. وأثبتت بيلوسي أن الأسلوب نفسه، الذي كان ناجحاً في دوائر بالتيمور، يمكن أن يكون ناجحاً - كذلك - في دهاليز السلطة في واشنطن. 

  • بيلوسي.. من البيت لـ«النواب»

كتاب: بيلوسي
المؤلف: مولي بول
الناشر: هنري هوبت آند كو
تاريخ النشر: مايو 2020 
..................................................
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»