إبراهيم الملا

اختاره الشعر منذ طفولته، وأحاط به، واحتضنه، فكان لزاماً عليه أن يبادر هو الآخر، باستكشاف ماهية هذا النزوع الشعري الساكن فيه، والمتشكّل حواليه، والذي يسمع صوته وصداه في أنين البحر المحاذي لمنزله، والمتهادي على سواحل أحلامه البكر، وخيالاته الغضّة، إنه ذات النزوع الشعري الذي تصدّره أفواه وصدور وتباريح الشعراء الرائعين الملتمّين في مجلس والده، وفي مجالس الحيّ الصاخبة بوهج القول الجميل، والبوح الجليل، شعراء، مثل: راشد بن سالم الخضر، وراشد بن محمد المكنّي بصفوان، وغانم بن راشد العصري، وراشد بن يوسف المخيمري، وحمد بن علي بن سليمان، وسالم بن حميد البحري، وناصر بن محمد الشامسي، وغيرهم من الشعراء الذين أثروا المناخ التعبيري، والمحتوى الإبداعي في إمارة عجمان بدايات القرن الماضي، وساهموا أيضاً في إضفاء الصيت الأدبي الرفيع على هذه المدينة، التي أثثها الشعر وسكن بيوتاتها وتجوّل في «سكيكها» وحواريها القديمة، فصار جزءاً من شخصيتها الثقافية، وبصمتها المعرفية، المصاغة على أوزان الشعر، ودقة قوافيه، وبريق تجلياته المضيئة في 

الروح والذاكرة.
إنه الشاعر ماجد بن علي النعيمي (1924 - 1947) المولود في إمارة عجمان، وسليل الشعراء، وابن القصيدة الحانية، والذي كان الشعر بالنسبة له قدراً ومصيراً وظلاً وموئلاً، تشكّلت على ضفافه كل المعاني المكثفّة للوجود والمعرفة والمحبّة والترحال والحنين، بحثاً عن الذات، وبحثاً عن الحياة ذاتها، والتي لم تمهله طويلاً، فغادرها وهو ابن الثالثة والعشرين، مكتملاً بنضجه الإبداعي، ووهجه الشعريّ، الذي أبهر الشعراء الأكبر منه سنّاً وتجربة، وجعلتهم في حيرة من أمرهم، إزاء فتى الشعر هذا، الذي امتلك وعياً مكتنزاً فاق عمره، وحاز قدرة استثنائية على سبك القصيدة المدهشة جاوزت سنوات عمره، هذه السنوات القليلة في كمّها، والمديدة والوارفة والجامحة في نوعها ومعدنها، وتأثيرها على المتلقي منذ ثلاثينيات القرن الماضي وإلى اليوم.
أطلق ماجد النعيمي قصائده الأولى والواعدة، وهو ما زال في الثالثة عشرة من عمره، فأطلق عليه الناس لقب: «ماجد الشاعر»، وهذا الرأي الجامع على موهبته الشعرية أسبغ عليه شرعيّة مبكرة لخوض غمار التجربة الإبداعية المتعددة الأنساق والمستويات، بثقة ودراية وتمكّن، كيف لا ووالده «علي بن سالم النعيمي»، كان من المجيدين في توليف الشعر والخوض فيه، ولوالده قصيدة شهيرة يقول فيها:
هلّ الشهر وانصف عليّه
والأهل ما يوني من الذيد
جيف الفكر ف اسعيد وعبيد
يا اسرور جرب لي مطية
خبا اسناما يمزر الإيد
الزين لي يطرى عليّه
ذاك الذي لابس مساوييد

وفي إحدى رحلاته عندما كان والده عائداً مع أسرته من منطقة الذيد التابعة لإمارة الشارقة، وبعد أن هبط الليل، وغالب الأسرة النعاس، قرروا المبيت في منطقة تسمى «غامص»، فردد الأب الأبيات التالية:
بت ابسهر في بطن «غامص»
حرام يا نومي فلا يا
خايف من الحاسد الباهس
يرمس خطا يازم قفايا
وعندما تذكر نجله «ماجد».. المغترب عنه، أنشد الأب:
«مايد» لفاني في منامي
ابخير شفته، ويهه ابخير
شفت المهبّ كله غرابي
والسفن تلفيني من الصّير

أما شقيق شاعرنا الأكبر «سالم»، فعّرف بأنه شاعر فحل، وله قصائد تداولها حفّاظ الشعر ورواته على مرّ السنين، ومنها قصيدة يرثي فيها شقيقه «ماجد» قائلاً:
الشعر ما ياك منقادي
حلو في الديوان تقرونه
لي عضيدٍ تحت للحادي
مايد» الشاعر اتعرفونه
لو اتوفى مايد اسنادي
نار في قلبي ومدفونه
حيث رحل «فتى الشعر» في الغربة التي ابتلعته روحاً وجسداً، أثناء عمله في «رأس تنورة» بالمملكة العربية السعودية، وهي المنطقة استقطبت العديد من أهالي بلدان الجزيرة العربية للعمل بها في شركات التنقيب عن النفط، وكان الحادث المأساوي المترتب على سقوط براميل النفط في المخيّم، الذي يعمل به شاعرنا سبباً لغياب شاعرنا عن حياته القصيرة التي عاشها على ضفتي البهجة والحسرة، والبقاء والرحيل، والاستقرار والغربة، والمكابدة والحنين، وذلك أثناء ليلة هاجت فيها الرياح والعواصف في العام 1947، وأخذت معها موهبة شعرية في أوج تشكّلها، وفي فورة نضجها، ذلك أن شاعرنا كان على موعد للسفر إلى البحرين في اليوم التالي والعودة إلى عجمان، واستكمال مشروعه الشعري الواعد، الذي لم يكتب له الاستمرار، ولم تتح له الفرصة لمزيد من التألق والانتشار، ولكن ما يشفع للنعيمي، أنه ترك لساحة الشعر النبطي في الإمارات، كنوزاً ودرراً من القصائد المتفردة في معالمها وتراكيبها، خصوصاً تلك القصائد الطافحة بالشوق، واستعادة تفاصيل المنزل الأول، والحب الأوحد، واللحظة الأسعد، تلك التفاصيل التي افتقدها ماجد النعيمي طويلاً، فكتب فيها أجمل أشعاره وأكثرها بهاءً وطلاوة وجزالة، ومنها القصيدة التي يقول فيها:
«ذكر الوطن هيَّج غرامي
 وأشفقت وزداد الولع بي
أبات في همّ أو ملامي
 والغير في غيٍّ أو لعبي
حيد الوصل صابه هيامي
 فزّْ أوْ بلا لفزه ربع بي
واتشاكل أمري يا عمامي
 مذهن ولا اعرفت اشوقع بي
لُوْ سيِّدي تابع جلامي
 ما ضقت والفيّْ اتسّع بي»

تلخّص هذه القصيدة توجسّ شاعرنا من آثار الاغتراب المكاني الذي يعيشه، بعيداً عن وطنه وأحبابه وأصدقائه، إنها ذكرى الوطن التي هيّجت مشاعره، وأدمت دواخله، فازداد ولعه بعد أن تكاثرت عليه الهموم، وطوّحت به الأفكار والهواجس، بينما الآخرون مسترسلون في لهوهم ولعبهم، غير مبالين بهجمة الحنين وأوجاعه، غير أن شاعرنا ظلّ منشغلاً بمصابه الشخصي، وهيامه الحارق الذي حوّل الفيافي الواسعة أمام ناظريه، إلى حيّز ضيق جداً في ذهنه الغائب عن الواقع، وعن قلبه الذاهل عمّا يجري حوله، لأنه مشمول بهذا الوجد الكبير، الذي لا فكاك من أسره، ولا أمل في الفرار منه.

لوّل معي زايد غلاكم
من القصائد الشهيرة أيضاً للشاعر ماجد النعيمي، تلك التي حملت عنوان: «لوّل معي زايد غلاكم»، والتي أداها الفنان القدير ميحد حمد، وذاع صيتها بين المستمعين، وظلت حاضرة دوماً في ذاكرة الفن المحلي، ويقول فيها النعيمي:
لوّل معي زايد غلاكم .. افدي بروحي واشتريكم
احرق واشني من شناكم .. ما ارتضي بالشّين فيكم
وانتو تجافونا اصدقاكم .. من دون زلاّت تجيكم
كدّرتو الخاطر تراكم .. واعرفت قاصي أوّليكم
واليوم مالي في معناكم .. حشا وكلاّ ما عنيكم
والقلب حاله انعاف ماكم .. يوم إمْلَحَت شِربتْ طويكم
ولهذه القصيدة قصة يرويها العارفون بتفاصيلها، حيث كان أصدقاء الشاعر يغتابونه بعد تركه لمجلسهم، وعندما سمع بما يقال عنه وراء ظهره، أصيب بصدمة، وانفعل بشدّة، وبسبب حساسية الشاعر المفرطة، تضاعفت في داخله آثار الصدمة، فكتب هذه القصيدة المتضمنة وخزات الألم والوجع، تجاه تصرفات لم يحسب أنها تصدر من أقرب أصدقائه، وبث فيها شكواه والأثر السلبي العميق الذي عكسته أقوالهم غير المسؤولة، وإشاعاتهم المغرضة.

مجموعة وحيدة 
صدرت للشاعر ماجد النعيمي مجموعة وحيدة، حملت عنوان: «ديوان الشاعر ماجد بن علي النعيمي»، حققها وراجعها الشاعر ناصر النعيمي، وورد في مقدمتها أنه شاعر نمت معه كوامن العشق والموهبة منذ الصغر، وأنه أخذ من معين الشعر أنقاه وأعذبه، وبدأ في نظم القصيد وعمره لا يتجاوز الثالثة عشر عاماً، وكانت أبياتاً يلقيها بين الفينة والفينة، على رفاق طفولته.
وورد في مقدمة الديوان، أن الجو الأدبي المحيط بالشاعر ماجد النعيمي في تلك الفترة، كان محوره الاهتمام بالكلمة الشعبية، كأسلوب وحيد للتعبير عن المشاعر الضاربة الجذور في أعماق المنتجين لفن الشعر في إمارة عجمان منذ القدم، ما ساهم كثيراً في إظهار العديد من الأسماء التي - شاركت بلا ريب - من خلال معاصرة «ماجد النعيمي» لها، في تشكيل موهبته الشعرية، ومنظومته الإبداعية.

مشاكاة عذبة
للشاعر ماجد النعيمي مشاكاة عذبة، وحوار جمالي رفيع مع الشاعر الكبير راشد الخضر، من خلال قصيدة شهيرة أدّاها المطرب عليّ بن روغة، وصارت حديث المجالس، واسترعت انتباه الكثير من متلقي الشعر الشعبي عند صدور الأغنية، حيث يقول النعيمي:
يا حبيب القلب عذّبت الحشا
 وانقضت ليَّام عنا والدهور
الصبي من نور خدِّيك اعتشا
 من جمالٍ فيك تحتار النظور
يسلب العشاق لي مر ومشا
 به سكر لكن في السير امحظور
حارت الانظار في لون الرشا
 سيّد الاحرار عاليين الشبور
من حسن لونه ترى القلب اغتشا
 ما يطيج البعد لكنه صبور
ثيبني يا الخضر مطعون الحشا
 م الوزى والله ما أقدر اثور
مركبي في الطرح ما حصَّل نشا
 تقرشه الأسنان والمايه ثبور

إن براعة الوصف التي امتلكها شاعرنا الشاب، واستخدامه لقافية صعبة متمثلة في حرفي الشين والألف بالشطر الأول من القصيدة، والواو والراء في الشطر الثاني، جعلها بمثابة قصيدة تحدٍّ ومنافسة لنوعية القصيد الذي يكتبه الخضر نفسه، ومعه شعراء آخرون فطاحل في هذا المجال، الأمر الذي دفع الخضر لمجاراة هذه القصيدة العجيبة في مقاصدها، والغريبة في تكوينها اللغوي والتعبيري، فكان رد الخضر متمثلاً في القصيدة التالية:

حيّ جيلك عد ما مزن نشا
واعشبت أرضٍ محيله بالمطور
أو عدد ما يورد البير الرشّا
 أو عدد ما يوفي المسلم نذور
رمز خط مثل درّيز الوشا
 يقمش الخوار دور فوق دور
لك ابحال ومال جند إمجيّشا
 والزعيم الخضر وابشّر بالسرور

مشاكاة رائعة من شاعرين رائعين، أسسا لنمط فنّي يسحر الألباب، ويطيل التفكّر، في الأشكال الظاهرة، والمعاني الباطنة، لقصائد تفوح بعبق الأصالة عند تزيين الكلام، وعند توصيف الحال، ضمن إطار مجتمعي، وفضاء معرفي، يسكنهما طيب الألفة، وحسن الصحبة، ونقاء المعشر، رغم بعد المسافات المستجّدة، والغيابات الممتدة، إلاّ أن الذكرى الجامعة والواصلة بين الشاعرين، جعلتها في مقام مشترك من السموّ في التعامل مع أوجاع البعد، ومع مشاق الحياة بتحوّلاتها وتقلّباتها.