محمد الجداوي (أبوظبي)

في الموسيقا والغناء، هناك نجوم في كل عصر، وإذا ذهبت معي في رحلة عبر الزمن إلى عصر المماليك «نحو ستة قرون أو أكثر»، ستتعرف على نخبة من أبرز المغنيات وعازفات العود في تلك الفترة، ومنهن «خوبي العوَّادة» التي ستكتشف أنها تستحق أن تتعرف على سيرتها الفنية ومواهبها، التي جعلتها واحدة من أبرز سيدات الطرب في العصر المملوكي، الذي كان غنياً في مجالات عدة، يصعب نسيانها في تاريخ مصر.

يقف معهد الموسيقا العربية في شارع رمسيس، أحد شوارع القاهرة التاريخية، شاهداً على طراز العمارة المملوكية الجركسية، والذي يعد بمشربياته بديعة الصنع تحفة معمارية وفنية نادرة، حيث يظهر التأثر بموسيقا المماليك على مشيدي هذا البناء؛ ففي عصر دولة المماليك «648 - 923 هجرية/‏‏‏‏‏ 1250 - 1517م»، أخذ الغناء والسماع والموسيقا جانباً من جوانب المجتمع، وكان الناس يستهوون ذلك؛ إذ كتب الرحالة ابن بطوطة «ت: 777 - 1375م» عند زيارته لمصر في عصر المماليك، عن المصريين إنهم: «ذوو طرب ولهو»، فكانت تقام مجالس للطرب تعزف فيها الموسيقا وتنشد الأغاني، ويأتي الناس لمشاهدتها، حيث كانوا يحبون الموسيقا والغناء، ويذهبون إلى الأماكن التي تقام فيها، وحتى عند خروجهم بالمراكب في النيل كانوا يأخذون معهم الآلات الموسيقية والمغاني، وكانت هناك قاعات مخصصة لإقامة الأفراح.
ووفقاً لكتاب «الغناء والسياسة في تاريخ مصر»، للدكتورة ياسمين فرَّاج، ظهرت في العصر المملوكي أنواع مختلفة من الغناء والموسيقا، ومارس الغناء والعزف الرجال والنساء، وكان يطلق على المغني الأستاذ، والمغنية الريسة، وتشير المراجع إلى أن سلاطين العصر المملوكي غالوا في حبهم للاحتفالات بشتى أنواعها، بل إنهم كانوا يختلقون احتفالات وموالد جديدة، لحبهم الغناء والفن.

مجالس مفتوحة
وكانت معظم مجالس الطرب مفتوحة، تقام في مواضع المتنزهات والفرجة لمشاركة الشعب فيها، وقد ظلَّ الشعب المصري محافظاً على إحياء هذه الاحتفالات عبر الحقب الزمنية اللاحقة على عصر المماليك، واستمر بعضها حتى الآن، وذلك حسبما ذكر كتاب «وصف مصر».
وبرزت في العصر المملوكي العديد من المغنيات وعازفات العود، اللاتي نلن شهرة واسعة في أوساط الشعب والطبقة الحاكمة آنذاك، ومن هؤلاء «خوبي العوَّادة»، التي تعد واحدة من رموز الطرب والغناء في مصر المملوكية، حيث اشتهرت بجمالها وحسن طلتها، وكانت سلطانة للطرب في عصرها.

صفحات نادرة
في كتابه صفحات نادرة من تاريخ العوالم «سيدات الطرب والغناء.. من أيام المماليك حتى أوائل القرن الماضي»، والصادر عن مركز الهلال للتراث الصحفي، يروي عمرو علي بركات، قصة خوبي إلى جانب عدد من سيدات الطرب في مصر المملوكية، حيث يقول: «خوبي»، بضم الخاء المعجمة، وسكون الواو، وبعدها باء موحدة، وياء آخر الحروف، من مغنيات منتصف القرن الرابع عشر الميلادي.
ذكرها «صلاح الدين الصفدي» «1292 - 1362م» في كتابه «أعيان العصر وأعوان النصر»، قائلاً: «كانت جارية الأمير «سيف الدين بكتمر الساقي»، (ت: 732 هـ /‏‏‏‏‏ 1331م)، اشتراها بعشرة آلاف دينار مصري، كانت مغنية عوادة، بادية الحسن والطرب، لم يكن دخل مصر لها نظير، ولا غَنَّى الحمام على مثل قدها النضير. اشتراها وهام في هواها، وأسكنها في داره على بِركة الفيل، التي ما اقتنى أحد مثلها ولا حواها، إذا جست أوتارها، أخذت من القلوب أوتارها، وجرى من لطف أناملها الماء في العود، وقيل هذا البدر في السعود، فإذا غنّت أغنت عن الأطيار، وإذا عنت عنت قلوب البررة الأخيار».

خوبي وبكتمر
وذكر «المقريزي» «ت: 1441م» في مسالكه، أن قصر «بكتمر الساقي» من أعظم مساكن مصر، وأحسنها بنياناً، وقد بناه «السلطان الناصر محمد بن قلاوون» «1285 - 1341م» على بركة الفيل، ليسكن فيه أكبر أمراء دولته «بكتمر الساقي»، وهو الذي تزوج أخت السلطان «الناصر محمد»، وأنجب منها «أحمد»، كما تزوج «أنوك» ابن «الناصر» من ابنة «بكتمر»، وأدخل في القصر الميدان الذي أنشأه «السلطان العادل كتبغا المنصوري» «1294 - 1296م»، كما أخذ قطعة من بركة الفيل ليتسع لإصطبل الأمير «بكتمر».
وعندما اشترى «بكتمر»، «خوبي» العوَّادة المغنية، قالت له: «أريد أن أنزل إلى دارك التي على بركة الفيل لأتفرج هناك»، وكانت زوجته أم الأمير «أحمد» تسكن القلعة، وقد علمت بأمر «خوبي»، وطلبت زيارة قصر الأمير على بركة الفيل، فأدرك «بكتمر» ما تقصده «أم أحمد»، فوافقها على طلبها، إلا أنه نبه على «خوبي»، قائلاً: «إذا الست جاءت إلى هنا، اجلسي على يديها والعود في حجرك، واضربي قدامها، وغنى لها نوبة مطربة»، أي غناء محتشم من دون «الهئ، والمئ» «الغناء الشعبي»، ولا تسرفي في الزينة.

  • خوبي العوَّادة.. سُلطانة الطرب
    في عصر المماليك شهدت مصر ازدهاراً في مجالات عدة (أرشيفية)

ليس لها مثيل
ذكر الدكتور عمار محمد النهار في دراسة له بعنوان: «الموسيقا والغناء في عصر المماليك»، «نُشرت في مجلة جامعة دمشق - المجلد 32 - العدد الثاني - 2016»، أن «خوبي العوَّادة»، كانت من المغنيات والعازفات المشهورات في مصر المملوكية، وذكر عنها ابن حجر العسقلاني أنه لم يدخل مصر مثلها في الغناء وضرب العود.

الغناء المرتجل
ظهر الغناء المرتجل، المبني على الفطرة، في أشكال كثيرة، كظاهرة ثقافية في العصر الحديث، إذ انتشر الشعراء المتجولون في عصر المماليك في الريف والمدن، يتغنون بأبطال العرب وأساطيرهم وأمجادهم. كما انتشر الموَّال ذو اللحن البسيط انتشاراً كبيراً، ليس فقط في القرى ونجوع الريف وفي المدن؛ بل امتد ليصبح إحدى العلامات البارزة في الغناء الشعبي، مخاطباً وجدان المجتمع، ومعبراً عن أفراحه وأحزانه.

خشداشتي
نزلت زوجة «بكتمر الساقي»، «أم أحمد» إلى القصر، توجهت إلى الشباك المطل على البركة، فنظرت حولها، فوجدت جارية بيضاء، جميع ما عليها أبيض من دون زركشة أو حلي، فسألت: «من هذه؟»، فقامت «خوبي» و«باست» الأرض وقعدت، ووضعت العود في حجرها، وقالت: «دستور»، وغنَّت كما أمرها الأمير «بكتمر» نوبة كاملة مطربة، فسألت الست عنها مرة أخرى؟ فقالوا: «هذه جارية الأمير»، فقالت: «هذه خشداشتي»، وهي كلمة فارسية تعني «زميلتي وصديقتي»، ثم أخذت بيدها، وأجلستها إلى جانبها، وأحضرت لها بدلة كاملة مطرزة ومزركشة، ومنحتها حلياً ومصاغاً، فقد كان «بكتمر» داهية بتنبيهه على «خوبي»، حتى أن «أم أحمد» قالت لصديقتها المقربة: «والله لما قالوا اشترى الأمير جارية بعشرة آلاف دينار وأسكنها في داره على البركة، ظننت أنها تكون مثلي في الحشم والخدم والجواري، والملبوس»، وعادت إلى قصرها في القلعة، ولم تعد «خوبي» مصدراً للقلق، واطمأنت «أم أحمد» إليها، ولما توفي الأمير «بكتمر الساقي»، وهو في طريق العودة من الحجاز صحبة السلطان، أمر السلطان بأن يحولوا بين «خوبي» وبين عودها، عند إبلاغها بخبر أميرها، إلا أنهم لم يتمكنوا من ذلك، فما كان منها أول ما سمعت خبر «بكتمر»، إلا أن كسرت عودها، فغضب السلطان عليها، وباعها للأمير «بشتك» بستة آلاف دينار، ولكنه لم يحبها، فوهبها لمملوكه «طنبغا»، فخبأ نجمها، وانقطعت سيرتها حتى توفيت.