تامر عبد الحميد (أبوظبي)

يرى الموسيقار والعازف العالمي نصير شمّة، أن حفلات الـ«أون لاين»، التي ينظمها «بيت العود»، ضرورية لمواصلة الحياة في ظل جائحة «كورونا»، التي تأثر بها العالم، ورفع معنويات الناس في كل مكان، خصوصاً أن الموسيقى في الأساس هي علاج للروح، لا سيما بعد مواصلته لتقديم سلسلة من الجلسات الموسيقية الافتراضية بعنوان: «بيت العود في ضيافتك»، بتنظيم دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي، كان آخرَها حفلٌ بعنوان: «كلاسيكيات الغناء العربي».
أوضح شمّة، في حواره الخاص مع «الاتحاد»، أنه لم يندهش عندما شاهد عبر السوشيال ميديا خروج الناس من «الشرفات» يغنون ويعزفون، ليعبروا من خلال الموسيقى عن حبهم للحياة، رغم ما يعانونه من قلق وتوتر وخوف بسبب «القاتل الخفي»، وقال: الشعوب على مر العصور اهتمت بالموسيقى لأنها علاج روحي ونفسي، (أصبح معتمداً بكليات الطب في ألمانيا وسويسرا من خلال 40 شكلاً، ينال عنها الطالب شهادة البكالوريوس)، فهي تزن معدلات الانفعالات لدى الإنسان من حزن وكآبة وفرح وسعادة، مشيراً إلى أنه من خلال «بيت العود» بمدارسه ومواقعه في أبوظبي والقاهرة والإسكندرية وبغداد، التي يشرف عليها جميعاً، يحاول قدر الإمكان أن يصل بالموسيقى إلى كل بيت، من خلال الموسيقيين المخضرمين والجدد والخريجين، لإعادة الروح والحالة المعنوية للناس، ودفعهم للقدرة على مواجهة تداعيات هذا الفيروس.

إرث غنائي
وعن تقديمه الحفلات الافتراضية «بيت العود في ضيافتك» قال: تحتفي سلسلة الحفلات التي تنظمها دائرة الثقافة والسياحة- أبوظبي، بالإرث الغني للغناء العربي الكلاسيكي، حيث يشارك فيه نخبة من خريجي «بيت العود» الموهوبين، وباعتباره يشكل جزءاً لا يتجزأ من التراث الموسيقي والهوية الثقافية للعالم العربي، حيث تعيد هذه الحفلات إحياء تقاليد الغناء العربي، بمشاركة المعلمين المتميزين وخريجي «بيت العود»، وتحت إشرافه، يقدمون جميعهم تجربة مذهلة تمتزج فيها الأصوات العذبة مع الألحان الرائعة، لتكون بمثابة عربون تقدير لأجمل الأصوات العربية التي عرفها التاريخ.

موسيقى موزارت
وكشف شمّة، عن أن الحفل المقبل ضمن سلسلة «بيت العود في ضيافتك»، 17 يونيو الجاري، ويشارك فيه مجموعة من خريجي ومعلمي «بيت العود»، بتقديم مقطوعات للموسيقي النمساوي الشهير موزارت، بآلات موسيقية عربية، منها القانون والعود، موضحاً أن اختياره لموزارت جاء تحية لذكراه، وفي الوقت نفسه لأن موسيقاه مصنفه للعلاج، وهي المناسبة لتقديمها في ظل هذه الجائحة التي نعيشها، منوهاً إلى أن هذه النوعية من التأثيرات كان لها الأثر الإيجابي علي الناس، لذلك فإن معظم فناني العالم خاضوا تجارب موسيقية وغنائية افتراضية، وساعدت هذه الحفلات على وجود حالة من الحياة والحراك في العالم كله، مؤكداً أن هذه التجارب ستظل مستمرة بتقديم أشياء جديدة ومبتكرة، حتى تنتهي تأثيرات فيروس «كورونا».

زرع السلام
ووجه شمّة، شكره لدائرة الثقافة والسياحة- أبوظبي، على تنظيم هذه السلسلة الناجحة من الحفلات الموسيقية، وأضاف: منذ تأسيس «بيت العود» عام 2008، أصبحت الدائرة شريكاً إدارياً رسمياً معنا، لذلك عندما تواصل معي مسؤولوها حول فكرة هذه الحفلات وتقديمها «عن بُعد» وافقت من دون تردد، حيث أريد أن أنتهي من عبء التفكير في «كورونا» وتوقف الحياة، وفي الوقت نفسه دعم الحالة المعنوية والنفسية لدى الجمهور، فكانت هذه الحفلات بمثابة العامل المساعد لي ولكل المشاركين من «بيت العود» وكذلك الجمهور، للخروج من الحالة الصعبة التي كنا نعانيها. 
وعن تقديمه حفلات للمرة الأولى في مسيرته الموسيقية من دون جمهور، أشار إلى أنه عندما يبدأ في العزف، ينفصل تماماً عن المكان والزمان، ولا يعي إذا كنت يعزف في غرفة مغلقة أو مسرح كبير مليء بالجمهور، ولا يشغله إلا أن يقدم موسيقاه للناس، وأن يحقق الهدف الأسمى منها وهو زرع السلام في منظومة العقل، من طمأنينة وسلام داخلي، وعلاقة الإنسان بالأسرة، وخلق مجتمع صحي.

دراسة إلكترونية 
كما أوضح أن الدراسة متوقفة حالياً في مقر «بيت العود»، لكن المعلمين مستمرون في إعطاء الدروس الموسيقية إلكترونياً، منوهاً إلى أن الدراسة الإلكترونية ستبقى أحد روافد المستقبل بعد «كورونا»، خصوصاً أنها حققت نتائج إيجابية ولها مزايا كثيرة، وقال: «كورونا» قلب الموازين، وتعلمنا منه الكثير، وأعطانا العديد من البدائل المهمة في الحياة.
وتابع: أرى أن الكوكب الذي نعيش عليه بدأ يصلح نفسه في عصر «كورونا»، فالطيور عادت ترفرف وتغرد، والزهور والنباتات بدأت تتنفس من جديد، خصوصاً بعد أن كان الإنسان ضاغطاً على كل شيء في الحياة، ولكن عندما عاد إلى بيته بدأ كل من يعيش على الأرض يتنفس من جديد.

تطور العصر
أما بالنسبة للتغيرات والتطورات الحديثة التي طرأت على الموسيقى والأغاني، وقدرة الموسيقى القديمة في مواجهة العصر الحديث، فقال شمّة: مهما تبدلت طرق العلم والمعيشة، فهناك أسس في الحياة لن تتغير أبداً، وستظل هناك أمور يدوية لا يمكن أن تتبدل مع تطور العصر، فعلى سبيل المثال آلة العود التي ظهرت في العصر الأكادي عام 2350 قبل الميلاد، فهي إلى يومنا هذا تُعد الآلة الموسيقية الأولى في كل حضارات بلاد بين النهرين وحضارة وادي النيل وما بينهما، وتنقلت من عصر لآخر ومن دولة إلى أخرى، ما جعل العود آلة متجددة من جيل إلى جيل، ثم ظهرت بعدها عائلة جديدة من الآلات الموسيقية الوترية، لكنها خرجت من رحم العود، لذلك فمهما تطور العصر ستبقى الموسيقى القديمة والآلات الوترية هي الأساس، لذلك فإننا في «بيت العود» نعنى بصناعة هذه الآلة وتأسيس عازفيها، ووضع كل مناهجها الموسيقية، لكي تصبح جزءاً من الحراك الثقافي والفني.

أفكار جديدة
شمّة الذي عزف على آلة العود بـ8 أوتار، وقدم مقطوعات موسيقية بالعزف بيد واحدة، صرح بأنه دائم التفكير في كل ما هو جديد في عالم الموسيقى والعزف، وفي مرحلة «كورونا» جاءته العديد من الأفكار التي سجلها حالياً، حتى يعود إلى الاستوديو لاحقاً لتنفيذها، وقال: موسيقى ما بعد «كورونا» لن تشبه الموسيقى قبلها، خصوصاً بعدما عشنا اختبار الحياة والموت بسبب هذا الفيروس، لذلك فإن أسلوبي في العزف سيختلف تماماً، وسأعود بعمل موسيقي مختلف سيرى النور في أكتوبر المقبل، بمشاركة عدد من رموز الموسيقى من العالم العربي والغربي، مصرحاً أنه يستعد للمشاركة في مهرجان «أيام الموسيقى العربية» في برلين، في دورته الخامسة، سبتمبر المقبل.

سنوات الشقاء 
عن التجربة التي يعتز بها، والعمل الذي ندم عليه، أوضح أنه نادم على كل يوم مر عليه من دون أن يقدم فيه شيئاً جديداً أو يتعلم أمراً مختلفاً، أما بالنسبة للتجربة التي يعتز بها، فأكد أن النظرة المحترمة التي ترسخت عند الناس بمختلف ثقافاتهم، ودفع ثمنها سنوات طويلة من الشقاء والتعب، هي الرضا بحد ذاته، موضحاً أن أهم شيء حققه في حياته أن ابنته ستسمع دائماً أن والدها لديه إضاءات منتشرة في كل مكان عبر مسيرته الفنية.

داخل الاستديو
كشف الموسيقي العالمي نصير شمّة، عن أنه بصدد التفكير في إقامة حفل موسيقي كامل داخل استوديو، يعرض على الهواء مباشرة مع الالتزام بالإجراءات الوقائية والاحترازية والتباعد الجسدي، وسيتم نقل الحفل عبر كاميرات وأجهزة احترافية ليبث إلى العالم كله، بتوقيع مجموعة من الموسيقيين العالميين.