ناصر الجابري (أبوظبي) 

حمودة بن علي الظاهري، رمز وطني في الانضباط، والالتزام المهني، عبر مسيرة حافلة تشكلت صفحاتها بين مهام ومسؤوليات شرطية وأمنية متعددة، وأشرقت أيامها بالمنجزات والأوسمة، وتلألأت بحكايا عن أحد الرجال الذين بذلوا وأعطوا كل تفاصيل حياتهم، لبناء وطن وإعماره وتأسيس القاعدة الأساسية التي تضمن وقوفه في وجه التحديات، فلم يتراجع أمام المصاعب، ولم ينحز سوى لقيم الوفاء والعطاء التي رافقته خلال سنوات حياته التي شهدت محطات غزيرة من الوطنية والإخلاص والتفاني. 

هذه السيرة التي بدأت ملامحها بالتشكل في عام 1940، تحديداً بمنطقة الجيمي في العين، حين ولد حمودة بن علي الظاهري، لأسرة عرفت بالكرم ومد يد الخير لكل من أنهكته سبل الدنيا إيماناً منها بضرورة المنح والبذل وتقديم العون والمساهمة المجتمعية، كما كانت غيرها من الأسر التي تتفاعل فيما بينها، تواجه ذات التحديات وتتكاتف وتترابط جميعاً، حيث وجد بين ثنايا الأشجار مساحته في صغره ليتأمل المنطقة التي هو فيها، وليرسم في مخيلته صورة للمستقبل الذي يود أن يكون جزءاً منه. 
لم تكن الحياة التي عاشها حمودة بن علي في صباه، خالية من المصاعب والتحديات التي واجهها أهل الإمارات خلال العقدين الخامس والسادس من القرن الماضي، إلا أنه وجد في كنف أبيه الرجل الفاضل علي بن غانم الظاهري، قيماً نهلها في أيامه الأولى وحكاية عرفها عن أجداده وتاريخ المنطقة، حيث بدأ في محاكاة أبيه، الرجل الذي أدرك بأن الحياة تمضي والتاريخ يبقى، ولا خير في الرجال دون بصمة يتركونها في ممرات الزمن، وهي المعاني التي جسدها حمودة بن علي خلال فترة لاحقة، حين كان يستحضر توجيهات والده وحكمة كبار منطقته، والذين شكلوا تفاصيل الشخصية التي شكلت إرثاً في تاريخ دولة الإمارات وأبوظبي. 

  • حمودة بن علي.. بصمة تاريخية في «الداخلية»

 ملامح الطموح
جعلت القيم من حمودة بن علي، راغباً في التعلم والعمل، حيث ظهرت ملامح الطموح في صغره، حين كان يتعلم القرآن الكريم آنذاك في منطقة العين، وعرف سماحة الدين وأدرك القيم الإنسانية التي يدعو إليها، وحرص على تطبيقها في حياته حتى مع أقرانه الصغار، فكان مثالاً للطفل الطموح الملتزم بمواعيده والحريص على الوقوف مع الأصدقاء والأقارب، كما كان يواصل العلم سواء في العين أو غيرها من المناطق والتي عرف خلالها أهمية التأهيل العلمي في توسيع مدارك الأفق، فالعلم هو الركيزة الأساسية التي ينبغي الاستناد عليها لتطوير المجتمعات والشعوب، ولذلك كان شغوفاً بالعلم منذ اللحظة الأولى لتلقيه الكتاب، فكان كثيراً ما يبهر غيره بإصراره ومثابرته.

مسارات عملية
في عام 1956، كانت بداية الارتباط بين حمودة بن علي والمسارات العملية المتتابعة والتي استمرت لعقود طويلة، حيث بدأ في العمل بدائرة الجوازات والجمارك في أبوظبي، وبدأ يكتسب سمعته في العمل، والتي كانت تتلخص في الجد والاجتهاد والحرص على إتمام العمل، وهي المواصفات التي كانت المناسبة للالتحاق فيما بعد بشرطة أبوظبي عام 1958، حيث انخرط في قوة شرطة أبوظبي، والتي جاء تشكيلها بهدف أن تحافظ على سيادة الأمن والأمان والاستقرار في الإمارة وحتى ينعم أهلها براحة البال والطمأنينة، وهو الأمر الذي جعله منذ البداية حريصاً على التحلي بقيم العمل الشرطي، قريباً من زملائه مطبقاً لمفهوم روح العمل الجماعي، كما كان في ذات الوقت متسائلاً حول إمكانية تطوير مهاراته العملية ليتمكن من رفدها لمسارات الوطن لاحقاً. 
رغبته في التطور والمعرفة، جعلته أحد 4 أشخاص، تم ابتعاثهم من شرطة أبوظبي للالتحاق بكلية الشرطة في دولة الكويت، بهدف اكتساب التجربة والخبرة الدراسية المعروفة عن الكلية في ذلك الوقت، وليكون هؤلاء النواة الأولى في نقل شرطة أبوظبي لمرحلة أخرى من مراحل التأسيس والبناء، خاصة مع تزايد المتطلبات لاستكمال قوة شرطية قادرة على التعامل مع تحديات المنطقة المختلفة، وهي الأمور التي أدركها حمودة بن علي خلال التحاقه بالكلية، فلم يفوت يوماً إلا وتعلم أمراً جديداً عن مفهوم العمل الشرطي، ولم يرض بلحظة ضائعة من وقته، مشدداً دوماً على أن ابتعاثه جاء للتحصيل والمعرفة ومن ثم إفادة الوطن لاحقاً، ليتخرج عن جدارة في عام 1961 برتبة ملازم ويعود إلى أبوظبي. 

حس أمني
فور عودته من الكويت، تم إسناد مهام عملية مختلفة له في الشؤون الإدارية والتحقيق الجنائي بشرطة أبوظبي، حيث ذاع صيته سريعاً بما يمتلكه من مهارات عملية وعلمية خاصة، وحس أمني رفيع المستوى بوجود الحافز الذي يدفعه دوماً إلى الأمام وهو تقديم المساهمة المجتمعية التي تتيح له أن يكون جزءاً من مسار البناء والتنمية، وهو الأمر الذي جعله على رأس من يتولون المسؤوليات المتعددة، إدراكاً من مرؤوسيه بأنه قادر على إتمام كافة ما يوكل إليه، فلا يتقاعس ولا يتخاذل ولا يؤجل، بل لا يهدأ له بال إلا بعد إتمام المهام التي تسند إليه، إدراكاً منه أن راحة النفس من راحة المجتمع. 
هذه الخصال والصفات والمواقف والتميز، جعلته يتقلد منصب مساعد قائد الشرطة، ومن ثم نائباً لقائد الشرطة والأمن عام 1969، ثم وكيلاً بوزارة الداخلية في حكومة أبوظبي 1971، حيث ارتقى في تقلد المهام الشرطية بالنجاح اللافت الذي حققه، وبالمحبة المجتمعية التي امتلكها، حيث وبرغم الانضباط والالتزام الذي اتصف به خلال مهامه إلا أن ذلك ترافق مع شعوره بالرحمة والعطف على الصغير والكبير والحرص على المشاركة في مختلف المجالس والتذكير بدور الأفراد في حفظ الأمن والأمان في أبوظبي، وأن الإمارة والمنطقة على أعتاب حلم كبير وهو قيام دولة الإمارات. 

قيام الدولة
إن قيام الدولة المرتقب كان حلماً لطالما تشكل في وجدان حمودة بن علي، والذي يدرك جيداً دور العمل المشترك والتعاون الكثيف والرؤية الوحدوية في الإنجاز والإعمار ومواجهة التحديات، فكان كثيراً ما يعلن عن دور الدولة الوليدة في تحقيق تطلعات شعبها، وأن هذه الدولة تحتاج إلى الرجال الأشاوس القادرين على حفظ أمنها العام ودعم قطاعاتها المختلفة بالأفراد الذين يضعون المصلحة العليا فوق مصلحتهم الشخصية، وبذلك أدرك العديد من فئات المجتمع أهمية الدولة وأثرها الإيجابي الذي سيكون على حياتهم المعيشية، ليكون علماً مجتمعياً من أعلام التأسيس والبناء. 

  • حمودة بن علي.. بصمة تاريخية في «الداخلية»

كبار الشخصيات
حرص على الاجتماع دائماً مع كبار الشخصيات في المجتمع للمشورة والتباحث في العديد من شؤون المجتمع، كما كان مستمعاً جيداً لمقترحات المواطنين وتوصياتهم وملاحظاتهم، يحرص على التطبيق الفوري والعملي لكافة النقاط التي من شأنها تحسين بيئة العمل الشرطي، كما كان قريباً من الأفراد والضباط في لقاءاته اليومية معهم، ودائماً ما يذكرهم بأن الشرطة هي لحماية الشعب وحقوقه وممتلكاته وللحفاظ على العدالة المجتمعية مع مؤسسات الدولة الحيوية الأخرى، فكان خطيباً مفوهاً ينتقي مفرداته القادرة على إحداث التأثير الإيجابي على نفوس كل من يعمل لديه. 
وشهدت السنوات اللاحقة مواصلة الدور المؤثر لحمودة بن علي شرطياً وأمنياً، كما كان له دور آخر ممتد على المنطقتين العربية والدولية، حيث ترأس الاجتماع السادس لوزراء الداخلية في دول مجلس التعاون الخليجي في أبوظبي عام 1987، كما كان حاضراً بقوة في مختلف اجتماعات وزراء الداخلية العرب، حيث ترأس اجتماعات المؤتمر عام 1986، كما كان له دور فاعل في اللجان المشتركة في المجالات الأمنية تحديداً، حيث تم منح وسام مجلس التعاون الخليجي خلال القمة العاشرة في مسقط عام 1989 تقديراً لدوره البارز في المجالات الأمنية، وهو الوسام الذي أضيف لوسام آخر تقلده عام 1988 وهو وسام الخدمة المخلصة، بقرار من المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، إثر العمل الوطيد الذي بذله لأجل دولة الإمارات وبناء مؤسساتها وحرصه على التمثيل المشرف للدولة في كافة المنصات والمؤتمرات التي شارك خلالها. 

مكانة خاصة
في عام 1972، وجد الوالد المؤسس، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في حمودة بن علي الظاهري، الرجل المناسب ليتقلد منصب وزير الدولة للشؤون الداخلية، حيث كان يحظى بمكانة خاصة في قلب المؤسس نظراً لمعرفته الشديدة بنجاحاته المتتالية في الحفاظ على أمن أبوظبي ولقدرته على الانتقال من المهام المحلية والتي نجح فيها إلى المهمة الأهم والأشمل اتحادياً، فحمودة كان معروفاً بالكفاءة والانضباط والأداء العالي، كما كان مميزاً في تدريب الكوادر الوطنية الشرطية القادرة على حماية منشآت الدولة وحفظ الأمن المجتمعي في مختلف المناطق.

العطاء والبذل
في نوفمبر عام 1990 عين حمودة بن علي وزيراً للداخلية، حيث قام حينها بالاستمرار في تقديم تجاربه وخبرته للجيل الجديد من العناصر الشرطية، وفي الاستمرار بتقديم قيم العطاء والبذل، حيث ظل وزيراً حتى عام 1992، ليبدأ مسيرة أخرى حافلة بالعطاء والمنجزات، إثر ترقيته إلى رتبة فريق وتعيينه مستشاراً خاصاً لصاحب السمو رئيس الدولة، فكان كثيراً ما يشارك في الاجتماعات التشاورية حول مختلف شؤون المجتمع، مبدياً رأيه القيم والذي يوصى به ويُعمل على تنفيذه، فهو رأي الرجل الكبير الذي لديه التاريخ الحافل بالمواقف الخالدة. 

قدوة للأجيال
في الثامن من سبتمبر عام 2001، انتقل حمودة بن علي الظاهري إلى الرفيق الأعلى، بعد أن أدى الأمانة التي على عاتقه، حيث لايزال إلى اليوم مثالاً لكافة المنتسبين إلى الأجهزة الشرطية والأمنية، وقدوة يشار إليها، ونهجاً يسار وفقه في مختلف الأعمال اليومية، بما قدمه من بذل حقيقي في ميادين العطاء للوطن، ولشخصيته الفذة التي اتصفت بالقيادة والالتزام مع التواضع والعطف، وهو المزيج الخاص الذي جعله قادراً على تولي المهام بكفاءة واقتدار. سيرة حمودة بن علي لازالت مستمرة، حيث تم إطلاق اسمه على شارع في إمارة أبوظبي تقديراً لإسهاماته المتواصلة، كما توجد المدارس والمساجد وغيرها من المرافق، والتي تشرفت بحمل اسمه الذي يذكرنا جميعاً بأهمية العطاء المتواصل لرد القليل من فضل الوطن.