أشرف جبريل

«هدف مشروع وأسلوب خاطئ».. وصف دقيق أطلقه علماء جامعة كوينزلاند الأسترالية على ما يدور في منازل الأمهات الجدد خلال الأسابيع التي تعقب عملية الولادة، فمنذ اللحظة الأولى لقدوم المولود، تبدأ نصائح الأمهات والجدات والجارات وحتى الزائرات، ويدلي رجال العائلة بدلوهم، ويقدمون إرشادات وأحياناً أوامر وتعليمات، فيما يطلق الطبيب في كل زيارة سيلاً من التوجيهات والتحذيرات.. الجميع يتحدثون في نفس الموضوع ويرددون بصوت واحد: «ارضعي صغيرك، فإنه يحتاج حليبك»، والنتيجة توتر حاد وإحباط، يصيبان الأم غير القادرة فسيولوجياً على الإرضاع الطبيعي، ومع زيادة الضغوط تتفاقم الحالة وتصل إلى حد الاكتئاب.

ووجه باحثو الجامعة أصابع الاتهام إلى الحملات التي تستهدف تشجيع الأمهات على الرضاعة الطبيعية باعتبارها أفضل وسيلة لتغذية حديثي الولادة، وأكدوا أن مضامينها غير دقيقة، وتنطوي على أخطاء منهجية في صياغة النصائح، بخلاف تجاهلها لحقائق يصرخ بها الواقع.. وأكدوا أهمية بناء الحملات التي تروج للرضاعة الطبيعية على أسس التعاطف والرحمة.
وتؤكد الدكتورة كاترينا موس، المشرفة على الدراسة، أن شريحة كبيرة من الأمهات يتوقفن عن الرضاعة الطبيعية لأسباب خارجة عن الإرادة، فكثيرات يعانين نقص الحليب، فيما تمنع صعوبات عضوية أخريات من القيام بعملية الإرضاع، منها التهاب أنسجة الثدي، التي تمثل خطراً على الرضيع، وتهدد سلامته إذا ما انتقلت إليه العدوى.
وتضيف الدكتورة موس: تواجه الأمهات ضغوطا شديدة للقيام بعملية الإرضاع الطبيعي، وهذه الضغوط تترك آثاراً سلبية للغاية على حالتهن النفسية، وللأسف يغض الجميع الطرف عن حقيقة واضحة، مفادها أن الرضاعة الطبيعية ليست الخيار الأفضل للجميع، مؤكدة أن توقف الأم عن الرضاعة الطبيعية حال واجهت مشاكل أو صعوبات في ممارستها أمر منطقي، خاصة في ظل وجود حليب صناعي وبدائل ومكملات.
وتؤكد الدكتورة موس أهمية مراعاة أن ما لا يقل عن 20% من الأمهات يعانين من التوتر والاكتئاب في فترة ما بعد الإنجاب، ويحتجن إلى مزيد من الرعاية والتعاطف، وليس الضغط والجدل حول الرضاعة الطبيعية اللذين يؤديان إلى تفاقم تلك حالتهن النفسية، وبالتالي الصحية.
واختتمت الدكتورة موس قائلة: يجب أن يراعي منفذو حملات الترويج لأهمية وفوائد الرضاعة الطبيعية الفروق الفردية بين النساء، وأن يعتمدوا على معلومات مثبتة علمياً، وأن يعترفوا بوجود تقلبات طبيعية في إنتاج حليب الثدي، بدلاً من مجرد الاكتفاء بالتأكيد أن «الرضاعة الطبيعية هي الأفضل» فحسب.