بسبب كورونا المستجد أصبح العزل المنزلي السلوك الأكثر انتشاراً في عالمنا اليوم.. لكن، إلى أي مدى يؤثر فينا البقاء طويلاً في المنزل على المستوى النفسي؟

احتياج عاطفي 
يعتبر الشعور بالانتماء للآخرين من الاحتياجات النفسية الأساسية.. قدرة الإنسان على أن يطلق لفظ «نحن» على كيان اجتماعي ما يشعر فيه بالدعم والأمان والثقة.. بدءاً من الأسرة والعائلة، وصولاً لدوائر انتماء أكبر، كالأصدقاء وفريق العمل والوطن.. ويشكل التقارب ملمحاً بارزاً في التعبير عن هذا الانتماء.. ففي تجارب علم النفس الاجتماعي يبدي الناس استعداداً أكبر للتواصل مع الأشخاص الذين يشبهونهم، وهو ما نراه في كل التجمعات البشرية التي يربطها انتماء مشترك، مثل الخروج مع الأصدقاء، أو الجلوس في المدرجات مع مشجعي نفس الفريق، وفي الأحوال العادية، كان مقدار التواصل المباشر يعبر عن مقدار التقارب النفسي.. كنت تسلّم على الغرباء من بعيد، بينما تصافح الزملاء وتحتضن وتقبّل الأصدقاء والأقارب.. ورغم اختلاف مقدار التلامس الملائم عبر الثقافات، إلا أن الحرمان منه تماما يعتبر نوعاً من الحرمان العاطفي الذي قد يؤدي لتداعيات نفسية وجسدية (حسب دراسة «كي فلويد» التي شملت 17 دولة ونشرت ونشر جورنال أوف كوميونيكيشن نتائجها)..
وفي مثل هذه الظروف التي نعيشها اليوم، لا شك أن للعزل المنزلي آثاراً نفسية يعاني منها بعض الناس دون غيرهم.. باعتبار أن الكثيرين يعانون أصلاً من الوحدة قبل الجائحة.. فما العمل؟
تغيير المفهوم
يرى الباحث، من جامعة ساسيكس، جون دروري وزملاؤه في دورية ذا سايكولوجيست... أن في الإمكان تغيير نظرتنا للعزل المنزلي بطريقة تخفف من آثاره النفسية.. عن طريق: 

أولاً: إيصال فكرة أن العزل لا يعني أن كل منا قد أصبح وحيداً، بل بالعكس.. هو تعبير عن ترابطنا وانتمائنا لبعضنا.. نوع من الترابط الاجتماعي المعنوي.. فكر في أن العزل للصالح العام، شيء يعبر عن هويتنا، نفعله لأننا مواطنون صالحون، ندعم طواقمنا الطبية، حريصون على بعضنا البعض.. والتركيز على مثل هذه الرسائل في الخطاب الإعلامي. 
ثانياً: تقديم البديل.. تتطلب الظروف الراهنة تعديل سلوك الناس عن طريق التطبيع مع نموذج بديل، تقدمه الأعمال الفنية والدرامية ووسائل الإعلام.. فعلى سبيل المثال من المهم تعليم الناس الطرق الجديدة للتحية (وضع اليد على الصدر أو التسليم بالكوع...إلخ) من خلال فيديوهات توعوية وتثقيفية على الإنترنت، فالمطلوب تقديم بدائل توضح «كيف تفعل.. وكيف تتصرف.. وكيف تتواصل» كي لا ينتج عن العزل شعورا بالرفض الاجتماعي. 
بما أننا لا نعرف متى تنتهي الجائحة، علينا من الآن فصاعداً..  التعامل مع البعد المكاني كأمر واقع يمكننا التغلب على آثاره أو تخفيفها.. عن طريق تعويض العزل المنزلي بتكثيف التواصل عبر الاتصالات الهاتفية ووسائل التواصل الاجتماعي ومكالمات الفيديو، فهذه الوسائل الآمنة تساعدنا على إظهار اهتمامنا بمن نحب.. 
فهذا العزل في حقيقة الأمر نوع من التقارب.