هناء الحمادي (أبوظبي)

الزواج في زمن كورونا أصبح مختلفاً في كل تفاصيله عما قبل انتشار فيروس كورونا المستجد، خاصة في ظل نصيحة منظمة الصحة العالمية بضرورة تجنب التجمعات، إلا أن مقبلين على الزواج لم يسمحوا للجائحة بمنع فرحتهم، فانتهجوا أسلوباً آخر للاحتفال أقرب إلى الافتراضي، فقد قررت شيماء الحمادي مع زوجها أن يعقد قرانهما في ظل هذه الظروف لكنهما اتفقا على أن يتخذا جميع الإجراءات الوقائية خلال تواجدهما في حفل بسيط في المنزل وسط عدد محدود من أفراد الأسرة.
تقول الحمادي «قررت اتخاذ أهم خطوة في حياتي، وإسعاد أفراد أسرتي رغم الخوف من عدوى فيروس كورونا لكننا اتفقنا على الالتزام بالنصائح والتوجيهات الصادرة لتجنبها». وتوضح «تم عقد قراني في شهر يناير الماضي، وأقمت حفل «الملجة» (عقد القران) في قاعة حرصت على إقامتها بأقل التكاليف حتى لا أضع أعباء مادية على أكتاف زوجي، ولأنني صاحبة محل لتصميم الهدايا نسقت الكوشة بنفسي».
وتضيف «مع تزايد حدة الوباء ومرور الأشهر واقتراب موعد زفافي الذي تم تحديده في شهر يونيو تغير الوضع، فهل سأؤجل الزفاف لأتمكن من إقامته في قاعة فخمة تضم المعازيم وكل متطلبات العرس من فرقة موسيقية وكوشة بآلاف الدراهم وبوفيه طعام عامر، أم أتخطى كل تلك الأمور، وأرسم صورة مغايرة لمراسيم الزفاف، حيث يقتصر الحضور على عدد قليل جداً من أفراد الأسرة، لتكون الخطوة الثانية هي القرار الذي اتخذته مع زوجي».
وبالعودة إلى تفاصيل الاحتفال بالزفاف، تقول الحمادي «الجميل أنني أعددت ترتيبات الحفل بنفسي بعد أن ألغينا حجز قاعة الأفراح، فقد أعددت كوشة صغيرة ولبست الفستان الأبيض مع جلسة تصوير قامت بها أختي ذات الخبرة الطويلة في هذا العالم، وتم إعداد الضيافة في المنزل بأقل التكاليف».

قناعة زوجتي
ولم يكن من السهل على علي الصريدي (22 عاماً)، من وادي السدر في منطقة مسافي، التخلي عن حلمه بالزواج ممن اختارها قلبه في ظل الظروف التي أفرزتها أزمة «كورونا» التي عصفت بخطط كثير من المقبلين على الزواج كالتنازل عن إقامة حفلات الزواج في أرقي الفنادق، فقرر الصريدي أن يتزوج وسط تفاصيل بسيطة جداً، لصالح الجميع.
إلى ذلك، يقول «كما يقال «خير البر عاجله» فبعد استشارة زوجة العمر وأخذ مشورة الأهل تم عقد الزواج «أون لاين» مع المأذون، ولتكتمل فرحتي لم نقم بأي احتفال يذكر من تجهيز الكوشة أو نصب الخيم أو الولائم فقد ذهبت إلى بيت العروس وأخذتها وهي مرتدية العباية، لا فستان زفاف، إلا أن فرحتنا كانت مكتملة بمباركة الجميع لزواجنا وتقطيع كعكة، واستقبال مكالمات هاتفية للتهنئة»، مضيفاً «قناعة زوجتي بهذا الزواج البسيط زادتني تعلقاً بها».

العيد عيدان
ولم تتردد ميثاء الفلاسي، من إمارة دبي، الحائزة ماجستير استراتيجية موارد بشرية، في الاحتفال بزواجها مع اتخاذ التدابير اللازمة لتجنب فيروس «كورونا»، ولا سيما مع إغلاق صالات الأفراح وصالونات التجميل.
تقول الفلاسي «مع تطبيق الإجراءات الاحترازية ووجود كبار سن في العائلة وخوفاً من تعرضهم لأي مكروه فضلنا أن نقيم زفافاً بسيطاً من دون فستان أو حفلات أو ولائم». وتضيف «تم عقد قراني في شهر رمضان، وقد تم تصوير لحظة قبولي لزوج المستقبل أثناء توقيع الموافقة على سجل المأذون الشرعي وتم تصوير ذلك عن طريق تطبيق «زووم» الذي جمع الكثير من الصديقات المقربات، لتهنئتي إلكترونياً».
كانت الفلاسي تحلم بأن تقيم حفل زواجها في حديقة المنزل أو في مزرعتهم. لكن كل تلك الأحلام الجميلة لم تتحقق، إلا أنها لم تشعرها بالحزن، وأتمت الزواج في أول أيام عيد الفطر السعيد، مرتدية ثوباً جميلاً تحت العباية السوداء لتخرج من بيت والدها إلى بيت الزوجية بعيداً عن المباهاة.

بأقل التكاليف
 وبسبب «كورونا» تحول الزواج التقليدي الذي يتم فيه حجز قاعة في الفندق، وتصميم كوشة خيالية، وبطاقات دعوة إلى زواج في قمة البساطة، في حياة صهيب إسحاق داود (27 عاماً)، موظف في الدائرة الاقتصادية في دبي، يقول «قبل أن يجتاح العالم فيروس «كورونا» كنت أخطط لإقامة حفل زواجي في أرقي الفنادق، والسفر إلى أوروبا لقضاء شهر العسل، إلا أن انتشار الفيروس بخر تلك الأحلام وتزوجت بأقل التكاليف بعد أن ألغيت جميع ترتيبات حفل الزواج السابقة».
وعن تفاصيل الزواج، يذكر صهيب «أخذت عروسي من بيت أهلها من دون حفل ولا مدعوين تلبية لتعليمات البقاء في المنزل». ويضيف «أخواتي قمن بالدور فقد رتبن المنزل بأشياء بسيطة من ورود وحلويات واحتفلنا وسط فرحة لا توصف بعيداً عن حجز الفندق والكوشة والدعوات والبوفيهات».

إيجابيات «كورونا»
تقول شما محمد، طالبة جامعية «على الرغم من كل السلبيات التي حملها تفشي (كورونا)، إلا أنه حمل إيجابيات أيضاً، وجعلنا نراجع كثيراً من تصرفاتنا، حيث اكتشفنا أنه بإمكاننا الاستغناء عنها من دون أن تؤثر على حياتنا، ومنها إقامة حفلات الزواج ببذخ، لذلك وبعد تفكير وأداء صلاة الاستخارة، وافقت على إقامة حفل زواج بسيط في البيت، وبذلك حققنا هدفين، هما توفير مبالغ كبيرة كنا سنخسرها في إقامة حفل زواج في صالة فندقية، والهدف الثاني هو نشر الفكرة والتأكيد عليها ومحاولة إقناع الناس بها».
 وعن رد فعل الأهل، تقول «الأهل أصحاب الكلمة الأولى في مسائل الاتفاق على أمور الزواج، ولقد أبدوا تفهماً كبيراً لقراري، وساندوني وباركوا خطوتي، وقد ورد في الحديث عن الرسول الكريم: أقلهن مهراً أكثرهن بركة، كما أن قراري كان يحد من الإسراف الذي هو صفة مذمومة».

تغيير نوعي 
يقول المستشار الأسري خليفة المحرزي «أبرمنا عدة عقود زواج على الرغم من التباعد الجسدي الذي فرضه تفشي الجائحة، ما عطل الكثير من العادات الاجتماعية، وأدى إلى إلغاء إقامة الحفلات والتجمعات والولائم، للتأقلم مع الأوضاع الاستثنائية التي فرضتها الظروف الراهنة»، مضيفاً«إتمام إجراءات عقد الزواج عن بعد، أحدث تحوّلاً إيجابياً كبيراً في تسجيل وثائق الزواج بما يخدم الأزواج الجدد، وسهل على أفراد المجتمع إتمام إجراءات عقود النكاح، واعتمادها من قبل المأذون الشرعي من دون الحاجة إلى مراجعة المحاكم، ومغادرة البيت، وحتى من دون الحاجة إلى دعوة جميع الأطراف إلى مكان واحد».
ويوضح «هذه الخدمة وفرت مميزات أهمها إحداث تغيير نوعي في القيم السلبية لتحل محلها قيم الاعتدال والحكمة والاقتصاد في الإنفاق، حيث ساهمت الجائحة في تخفيف الالتزامات المالية عن كاهل الزوج، فكثير من الأعراس تتسم بالمبالغة التي لا مبرر لها من قبل معظم الأسر الإماراتية بهدف التفاخر الاجتماعي، على الرغم من أن حفلات الأعراس الباذخة ليست من العادات الموروثة في مجتمع الإمارات، بل هي ظاهرة دخيلة على المجتمع». ويشير إلى أن متوسط تكاليف زفاف الشاب المواطن تتجاوز 700 ألف درهم، معظمها قروض من البنوك. 
ويوضح أن «الزفاف الافتراضي» ساهم في إبعاد الشباب عن الاقتراض من البنوك لتسديد تكاليف صالات الأفراح والصالونات النسائية والرجالية، فضلاً عن الفرق الموسيقية وما يتبعها من ولائم، وساهم كذلك في إيقاف ثقافة التخطيط للسفر خارج الدولة لقضاء فترة شهر العسل. 
ويقول المحرزي «قمت بإجراء عقد زواج لشاب، قال لي إن هذه الجائحة كانت نعمة عليه، لإنها أنقذته من تكاليف الزواج التي كانت ستتجاوز 200 ألف درهم، وقد تقبلت زوجتي وعائلتها تلك الخطوة، والتزمنا بالإجراءات الاحترازية، وارتداء الكمامات والقفازات، كما أبلغنا المدعوين بالاكتفاء بإرسال التهاني عبر وسائل التواصل الاجتماعي». 
ويرى أن «الالتزام المجتمعي صحياً ومادياً واجتماعياً أدى إلى نتيجة مرضية للجميع، وقد عززت الأعراس الافتراضية التي غلبت عليها البساطة مفاهيم وإجراءات الوقاية للحفاظ على صحة كبار المواطنين والأهل والأقارب، وتأتي امتثالاً لتعليمات القيادة الرشيدة وسياستها الاحترازية حيث يقتصر حضور الزفاف الافتراضي على أقارب العروسين من الدرجة الأولى بينما يلتزم البقية بالتهنئة عبر تقنيات الاتصال الذكية، وصولاً إلى تكوين أسر إماراتية متماسكة».