ناصر الجابري (أبوظبي)

فضيلة الشيخ أحمد بن عبدالعزيز المبارك، رئيس دائرة القضاء الشرعي في أبوظبي قبل دولة الاتحاد، يعتبر أحد فرسان جيل الرواد، وشاهداً على قصة الاتحاد، التي عاش تفاصيلها، كما يعد رمزاً وطنياً، ومثالاً للإمام الفاضل الذي تشرّب العلم منذ صغره، وطبق مفاهيم الإسلام السمحة، وأدرك جيداً أهمية العدالة والقضاء في نهضة الشعوب والأمم، وترك عطاءً حافلاً وكنزاً من المؤلفات التي تتهادى بين ثناياها آيات وأحاديث، ما يجعله أحد أبرز المساهمين في تأسيس القضاء الشرعي بإمارة أبوظبي.

  • أحمد المبارك.. وجه العدالة
    المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، خلال استقباله هيئة القضاء الشرعية برئاسة فضيلة الشيخ أحمد عبدالعزيز المبارك لتهنئته بأداء فريضة الحج عام 1979. (الاتحاد)

ارتبطت حياة فضيلة الشيخ المبارك التي بدأت بالسطوع في عام 1910 بمنطقة الأحساء، منذ أيام النشأة ببيوت العلم والحكمة والمعرفة، فكان لصيقاً بوالده الشيخ عبدالعزيز المبارك، متتلمذاً على يديه، حيث كان الأب على علاقة وثيقة بالمغفور له الشيخ زايد بن خليفة آل نهيان «زايد الأول»، باعتباره أحد رجال القضاء المعروفين والذين وهبوا علمهم الشرعي في سبيل المنطقة وسكانها، وهو الأمر الذي لم يكن غريباً على أسرته التي لطالما ارتبطت بالقضاء وعلومه لترسّخ علماً شرعياً يستند إلى صحيح الدين عبر العقود المتلاحقة التي شهدت استمراراً للدور الرائد لأفراد الأسرة في تسلم مفاتيح العدالة والقضاء.
هذا الإرث الزاخر والتاريخ العظيم لوالد وأجداده من قبله، جعل من فضيلة الشيخ أحمد بن عبدالعزيز المبارك، في سباق مع الذات، لتلقي العلم منذ الصغر، يرى أباه فيتمنى أن يغدو مثله، وتعود به الحكايا إلى أسلافه من الأوائل فيعلم أن قدره إكمال الرسالة والمضي قدماً في خير الدروب، لا يكف عن التعلم، ولا يتململ من النهل وملاصقة الكبار، بل يجد راحته في عز طفولته بين صفحات القرآن الكريم، وتفاسير الأحاديث الشريفة، وسكونه وطمأنينته بين جدران المسجد والمنزل وداخل مجالس الكبار، يستقي منهم قصص الأوائل ويروي عقله الظمآن بالمعرفة والعلم.

فطنة وذكاء
عالمنا الجليل مالكي المذهب، تميمي النسب، وبرهن على فطنته وذكائه في بدء حياته العلمية عبر «الكتاتيب» والتي تختص بتعليم القرآن الكريم والعلوم الشرعية، كما واصل ذلك في دبي بعد حين، رفقة والده والذي كان كثير الزيارة لها بهدف نشر العلم بين سكانها، والتعريف بالأحكام الشرعية وبأداء العبادات وغيرها، وإبان دراسته العلوم العربية والدراسات الإسلامية في المدرسة الأحمدية، كشف عن ذكاء حاد وأخلاق فذة وصفات إنسانية نبيلة، فكان خير طالب في الاجتهاد والعطاء والبذل والسعي لتحصيل العلم، فحظي باحترام الشيوخ الأفاضل وتقديرهم نظراً لسؤاله المستمر وبحثه المتواصل في علوم القضاء الشرعي.

  • أحمد المبارك.. وجه العدالة
    المغفور له سماحة الشيخ أحمد عبدالعزيز المبارك، يتفقد جناح مؤسسة الاتحاد للصحافة والنشر خلال افتتاحه المعرض الدولي الأول للكتاب الإسلامي في عام 1981

العلوم الشرعية
استمر فضيلته في تلقي العلوم الشرعية، مرتقياً في سلالم ميادين القضاء، مقدماً شخصية متفاعلة مع المنطقة الخليجية، مثالاً للنزاهة والعدل والحكمة، حيث كان يستشرف مستقبل المنطقة عبر ما يراه من تأصيل لأهمية القضاء في مؤسسات الدولة وضرورة أن يكون القاضي قدوة لغيره، بحيث لا يقتصر دوره على إصدار الأحكام بقدر أن يكون جزءاً مكملاً للجهود المجتمعية في حينها، عبر التدريب والتطوير لغيره من القضاة والعمل على تعريف شرائح المجتمع بأهمية العدالة والتحلي بأخلاقيات الإسلام في المعاملات اليومية والتقيد بالقوانين المتبعة والحرص على اتباع التوجيهات الدينية الحميدة.

نقلة نوعية
السيرة العطرة، لفضيلة الشيخ أحمد بن عبدالعزيز المبارك شهدت نقلة نوعية في عام 1969، عندما أصدر المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، قراراً بتعيين فضيلته رئيساً لدائرة القضاء الشرعي في أبوظبي، حيث ساهم في تأسيس القضاء الشرعي في الإمارة. كما ساهم في بناء مجمع المحاكم الشرعية التابعة له، ومنذ يومه الأول سعى إلى تقديم خلاصة تجاربه وخبراته وعلمه الغزير في تأسيس القضاء وغرس اللبنة الأولى للإدارة القضائية، عبر وضع المفاهيم العامة لدور القضاء والعدالة في تأسيس المجتمع المتلاحم والمترابط والملم بحقوقه وواجباته.
هذا الدور، امتد مع الإعلان عن قيام الاتحاد، مستشاراً شرعياً في الدولة، حيث تتلمذ على يديه العشرات من القضاة الذين وجدوا في معلمهم منارة يحتذى بها، بنهجه ومسلكه وطريقته في ترسيخ المعلومة، حيث ساهم في توطين القضاء واستقطاب الكفاءات من العالم العربي وتدريبهم، فاستمر رمزاً من رموز المذهب المالكي وعلماً من أعلام الحكمة والمعرفة، بجهود متواصلة لم تتوقف خلال شغله لمناصبه المتعددة في القضاء الشرعي، باعتباره مرجعاً في المجال الحقوقي والعدلي، ومصدراً ملهماً يستمد منهم القضاة في المحاكم آلية عملهم ونهجهم.

  • أحمد المبارك.. وجه العدالة

تقدير مجتمعي
حظي فضيلته بحب المجتمع من كباره وصغاره، حيث كان الشيخ أحمد بن عبدالعزيز المبارك إماماً لمسجد الإمام مالك بن أنس في أبوظبي، وكان يخطب الجمعة في جامع زايد الأول بأبوظبي، وكانت خطبه تنقل عبر الإذاعة والتلفزيون، ويؤم الناس في صلاة العيدين، فكان قريباً من الجميع، يهتم بتفاصيل شؤونهم الحياتية ويحرص على تقديم العلم لكل صاحب مسألة حتى تتوضح جميع المسائل الشرعية لدى الجميع، وليساهم في الوعي المجتمعي وإبراز أهميته في شؤون الحياة.
ويروى عنه، أن منزله كان مفتوحاً للجميع ليستقبل فيه الزوار من مختلف القبائل، حيث حرص فضيلته على التوفيق والمصالحة بين أصحاب الخلافات، إيماناً منه بضرورة الوحدة المجتمعية في مواجهة التحديات المشتركة، وانطلاقاً من قناعته بأهمية الدور المجتمعي لرجل الدين والقضاء في تقديم الصورة الحسنة لمفاهيم الدين السمحة، فلا يرضى خلافاً إلا وساهم في العمل على تلاشيه، ليرسخ مفهوم التسامح في أبناء المجتمع عبر تقديم المصلحة العامة على حساب المصلحة الخاصة واستذكار نقاط التوافق والاشتراك على حساب نقاط الاختلاف والفرقة.
كانت صلة فضيلته بالعلماء كبيرة جداً ومحببة إلى قلبه، فقد كان يستشيرهم ويتبادل معهم الرأي والمشورة في الكثير من القضايا الفقهية والمسائل المستجدة على الساحتين العربية والإسلامية، كما عمل على بث الوعي والثقافة من خلال مؤلفاته التي اتسمت بالإيجاز في إيصال الرسالة.
من مؤلفاته رسالة المسجد، نظام القضاء في الإسلام، الفتاوى الفقهية، الأساس الإسلامي لمناهج التربية والتعليم وغيرها من المؤلفات التي لعبت دوراً بارزاً في إثراء المكتبة العلمية وتعزيز المعارف الدينية، لتشكل مصدراً ومرجعاً ومحتوى للباحثين عن المعرفة.

عطاء ممتد
لم يتوقف عطاء فضيلة الشيخ أحمد بن عبدالعزيز المبارك بوفاته عام 1988، حيث بقيت مؤلفاته وكتبه وذاكرة من عايشه واقترب منه، شاهداً على سيرة عطرة متلألئة بالمواقف الزاخرة التي تجسد النظرة الثاقبة والرأي السديد والقول الصريح لفضيلته، ليؤدي الرسالة التي آمن بها في صغره واستمسك بها في كبره، ونشرها لمن حوله وغرسها في محيطه.
إننا نستطيع أن نستخلص من سيرته الممتدة، التأثير المحوري للأب والعائلة في التنشئة السليمة والقويمة ودور مجالس العلم في صقل الشخصية وتنمية حب العلم بها، إضافة إلى أهمية دور القضاة في غرس المفاهيم والأخلاقيات الحميدة وبث الوعي والمعرفة في نفوس فئات المجتمع.

  • أحمد المبارك.. وجه العدالة

إسهامات متعددة
إسهامات فضيلة الشيخ أحمد بن عبدالعزيز المبارك المتعددة في إمارة أبوظبي، جعلته من الرجال الذين اقتربوا من المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، حيث زار الوالد المؤسس منزل فضيلته في أبوظبي بتاريخ الرابع عشر من أبريل في عام 1981، تقديراً منه للإسهامات البارزة التي قدمها خلال العقد الأول من بعد قيام الاتحاد، وتأكيداً على المكانة الخاصة لفضيلته في مجتمع دولة الإمارات والتي ترسخت بفعل المسؤوليات التي تولاها والمهام التي أوكلت له والمنجزات التي تتابعت بعد ذلك.
ومن هذه المهام عدم الاقتصار على الدور المحلي بل امتدت لتمثيل إمارة أبوظبي في العديد من المؤتمرات العالمية ذات الطابع العلمي والديني، والتي شارك خلالها فضيلته بهدف تعزيز الجوانب العملية والتأكيد على الرسالة الدينية السمحة، ولنشر مفاهيم التسامح خاصة عبر مشاركته وتمثيله للإمارة في أحد مؤتمرات الحوار بين الأديان، بما يعكس أن جوهر التسامح لم يكن وليد اليوم في مفهوم دولة الإمارات، بل هو غرس بدأت جذوره بالنمو خلال العقود الماضية، بإسهامات رجال الدين الأفاضل، ومنهم الشيخ أحمد بن عبدالعزيز المبارك.
وكان فضيلته عضواً في عدد من المجمعات البحثية العالمية، منها ما كان متعلقاً بالحضارة الإسلامية، حيث واصل خلال الثمانينيات دوره وصفاته الحميدة التي عرف بها ومنها سعة الصدر وسؤاله عن أحوال الكبير والصغير والعطف على الفقراء، وبيان المواقف الشرعية والنصح والإرشاد لمختلف الفئات المجتمعية، والتواصل المستمر مع العلماء عبر المراسلات المتعددة حول مستجدات الأمور، إضافة إلى التأكيد على دور المحاكم والقضاة في ترسيخ مبدأ سيادة القانون والعدالة.
إن هذا الدور العام لم يؤثر على دوره الخاص في تربية وتعليم أسرته، الذين غرس فيهم مقومات الشخصية المحبة للعلم والمعرفة والقادرة على تقديم يد العون والمساعدة للآخرين، حيث قدم لهم ما قدمه له والده من قبل، من علم شرعي ومفاهيم حميدة صقلت شخصياتهم، وهو الأمر الذي تجسد من خلال الدور البارز لابنه خليفة أحمد المبارك، والذي كان رمزاً لدبلوماسية دولة الإمارات حتى استشهاده في عام 1984، حيث استقبل فضيلته الخبر بإيمان مطلق بالقضاء والقدر، مجسداً بذلك مثلاً في الصبر والتحمل مهما بلغت السنين، معرباً عن فخره واعتزازه بابنه الشهيد الذي لطالما خدم وطنه في المحافل والمؤتمرات، حريصاً على أن يقدم لأحفاده خلال سنواته الأخيرة قبساً من نور الحكمة والعلم.