هناء الحمادي (أبوظبي)

عشقت أسماء يوسف البلوشي الطبيعة وصاغت عشقها بلمسات أصابعها، فأخرجت من الطين قطعاً خزفية تنطق بكل حب، تعمقت في أغواره وجواهره، وأكدت للجميع أنها قادرة على التميز والإبداع، لم تجلس قابعة خلف جدار المنزل، إنما تعدّت ذلك لإثبات وجودها، فقد استطاعت أن تصنع لنفسها طريقاً تبدع فيه لتصبح مثالاً للفتاة الإماراتية المبدعة.
أسماء خريجة ماجستير علاقات دولية من جامعة كوين ميري - لندن، لها اهتمامات خاصة بالثقافة والفن بشكل عام، لكن من منظورها الخاص ترى أنها تشكل علاقة وجسراً للدول وللعالم.. ومنذ طفولتها تسترجع بذكرياتها، وهي تسكن في منطقة قرب الجبال، فكان دائماً ما يتشكل الطين بعد هطول المطر بيديها بأشكال جميلة، فكان من المسليات المتواجدة دائماً آنذاك.
متاحف
وتقول: مع سرعة عجلة الحياة، نسينا الطين وحلّ محله اهتمامات أخرى، ولكن رجع مجدداً من خلال زياراتي للمتاحف حول العالم، حيث كان دائماً يجذبني قسم الفخاريات في أي متحف أزوره، ودائماً تلفتني شواهد الحضارات التي بقيت منحوتة في قطع الطين، وهي في تلك المتاحف غالباً ما تتوارد في أذهاننا الكثير من التساؤلات، تقول: كيف استطاع الإنسان أن يخلد الماء والرمل «الطين» وأن يحول اللاشيء إلى شيء مبهر وشاهد عليه؟ من هذا المنطلق بدأت في تجربة تشكيل الطين ومحاولة الخروج بقطعة جميلة من العدم.
وتضيف: «بداياتي كانت بالاتجاه إلى عالم قطع المائدة والديكور، وكان ذلك عام 2014، لكن فعلياً أنتجت قطعي الخاصة يدوياً منذ عام تقريباً، حيث كنت أستخدم الطين المحلي من جبال الفجيرة والمخلوط مع الطين الباكستاني، وهذا يستخدم لأعمالي التجارية، بينما في أعمالي الفنية أستخدم البورسلين الإيطالي، وهذا عادة ما أحصل عليه من مورد للقرطاسية».
وعن سبب التوجه لقطع المائدة تذكر البلوشي: «كان توجهي لإنتاج قطع المائدة في البداية بسبب اختياري شخصية الأم، كحافظ ومؤتمن لهذه القطع، حيث في ثقافتنا ينتشر اهتمام الأم بقطع المائدة أكثر من أي شيء آخر، ويعود ذلك بسبب ارتباط قطع المائدة بقيمة يشتهر بها العرب، وهي إكرام الضيف، وبسبب اعتزاز الأمهات بها أكثر من لوحة فنية ما».
مراكز الفخار
تشكيل الطين يحتاج إلى الكثير من المهارة والخبرة، لكن أنامل البلوشي بدايتها كانت ذاتياً، عن طريق الكتب والإنترنت والمحاولات المتكررة، وتقول عنها: «بعد التمكن البسيط لجأت لأحد مراكز الفخار المتخصصة في ولاية بوسطن لتقييم الأخطاء من شخص متخصص، وبالفعل تعرّفت على الكثير من أسرار هذه الحرفة، وحالياً أستخدم الإنترنت للتواصل مع المتخصصين وعرض القطع عليهم للتقييم».
قطع جميلة وأشكال مختلفة، صاغتها بدمج النقوش والزخارف عليها لتشكل قطعاً فنية مبهرة، حيث من البيئة كانت تستوحي أفكارها، فالبيئة والحياة من حولها هما الملهمان لأغلب أعمالها، وبالنظر في تاريخ الفخار في القرون والعصور السابقة، كان يؤدي دوراً مهماً في حفظ وتوثيق التفاصيل، وهذا ما تسعى إليه أيضاً في أعمالها، وهو استخدام الفخار والبورسلين لتوثيق الحياة من حولها واستخدامها كأداة تواصل بين الشعوب والحضارات، لكن ما يميز أعمالها «الصناعة اليدوية»، ففي الوقت الحالي مع استبدال صناعة الآلة لكل شيء تقريباً، أصبح العمل اليدوي قليلاً جداً ونادراً.
وتسعى أسماء من خلال أعمالها، إلى إيجاد بصمة فنية وثقافية إماراتية في خريطة العالم، حيث تطمح أن تصل كل قطعها للعالم، وتكون جسراً يربط ثقافه المنطقة بالثقافات الأخرى.

  • من جبال الفجيرة إلى جامعة لندن.. أسماء البلوشي.. «عاشقة الفخار»