إبراهيم الملا

هو صاحب الإيقاع الشجي، والبوح الماتع، وهو الذي تفرّد بمناجاة الصحراء والتباهي بها في أبياته العذبة والنقيّة، الشبيهة بنسائم «البرّ» عندما تهبّ من عليائها وتحطّ في مستقرّ هواه ولبّ فؤاده، إنه الشاعر الكبير خليفة بن مترف الجابري الذي عشق الصحراء، وتفاخر «بالمزيون»، وكانت كلماته وفيّة وحاضنة لمنظر الرمال الوادعة، والكثبان العالية التي ترعرع في جنباتها، فبادلته الصحراء هذا الهيام العفيف والشفيف، الصادر من قلب محبّ، ومن عاطفة ريّانة، ومغسولة بندى الفجر وقت اندلاعه، ومن انبثاق الضوء وقت انهماره، كي تؤسس في دواخل شاعرنا وهجاً إبداعياً راقياً، وألقاً فنياً ساطعاً، وروحاً مفتونة بالتلال المهيبة والطيّعة في آن، تلك التلال المصاغة في كنف الرقّة، والمطرزة بأنامل العزلة، بانتمائها العميق للحدس والتأمّل والترحال البصري في الدروب الفسيحة والممتدة للجمال والبهاء والسحر.

ولد خليفة بن مترف في منطقة الجيمي التابعة لمدينة العين في عام 1945، ورحل عن دنيانا - رحمه الله - عندما كان في مدينة الذيد التابعة لإمارة الشارقة في العام 2006، وبين ولادته وغيابه عن المشهد الشعري والحياتيّ، كانت موهبته المبكرة، وهو في الثانية عشرة من عمره، دليلاً على ارتباطه المعرفي بالأجواء المحيطة به، وإشارة إلى اغترافه من معين القصيدة النبطية التي كان يستمع إليها من الشعراء القريبين منه، ما ساهم وبقوة في تميزه وبروزه لاحقاً، وبالتالي قدرته على منافسة أقرانه ومعاصريه عندما كان في أوج الشباب، وفي فورة النضج الإبداعي، حيث حقق شهرة واسعة في أرجاء الإمارات ودول الخليج، وتصدّرت أبياته الأغاني الحافلة بالصور البديعة، وبالتراكيب الرشيقة، حيث وصف المتابعون لشعره، بأنه شعر يميل إلى الأوزان المجزوءة التي تعين المطرب على الطرب والإيقاع السريع، كما أن حروف المد الشائعة في أبياته والقوافي المردوفة يراها المغنون أدوات معينة لهم على تأدية مقامات وونّات وشلاّت وآهات، وقالوا: إن آهات ابن مترف المبثوثة في شعره ما هي إلا صدى عصره وشكواه التي يبثها أبناء جيله بحثاً عن نقاء البداوة، وصفاء السريرة، ورقيّ الأصالة، وشموخ التراث.

«أحب البرّ والمزيون»

ومن أشهر قصائد بن مترف، قصيدة: «أحب البرّ والمزيون» التي وصل صداها للجميع وتعلّق بها الصغير والكبير، وتفنّن في أدائها الكثير من المطربين الشعبيين، وعلى رأسهم الفنان القدير ميحد حمد، وتقول كلماتها:

أحب البرّ والمزيون.. وأحب البدو والأوطان
أحبك قبل لا يدرون.. هلي وأهلك ولا الجيران
وأحب العذري المخزون.. في مجرى الدم والشريان
وأحبك والمحبة عون.. محبٍ عاشق ولهان
ولأجلك كل شي يهون.. على شانك رفيع الشأن
ولو تطلب نظر العيون.. عطيتك منّي الصفطان
ببيع الروح لو يشرون.. ونرضي الخاطر الزعلان

في القصيدة، يصبح استعادة اللحظات والمواقف والأزمنة والأمكنة المرتبطة بهذه القصيدة الغنائية الرقيقة، هي الاستعادة الطازجة لذكريات لا تنسى، ولمشاعر متدفقة لا يصدها وقت، ولا يحجزها غياب، لأنها قصيدة تتفتح معها آفاق من الوجد والشوق والذوبان في ذلك الزمن الجميل الذي تشكلت فيه صنوف الأمنيات، وتبلورت فيه أنواع المسرّات، زمن اللحظات الجذلى، وزمن الهيامات الفائضة.
ونشعر أن ابن مترف أنتج هذه القصيدة وهو مشغول بإيقاعها قبل كلماتها، ومهموم بلحنها قبل مفرداتها، وأنه وضع القالب الغنائي لها، ثم ملأ القالب بأعذب البوح وأكثره خفة وانتشاءً كي يصل لأسماع المتلقين، ويطرق أبواب قلوبهم وعواطفهم بأريحية بالغة، وحنوّ غالب، واستئذان شفيف.
يربط ابن مترف في هذه القصيدة المرنة والرشيقة، بين صنوف الهوى المختلفة، والتي تتجول وتتحرك في فضاء متعدد الأبعاد، وفي مناخ متشعّب الآماد، حيث يربط بين حب البرّ أو الصحراء، وبين حب الأوطان، وحبّ المتآلفين في الغرام، وكأنه يستحضر الحالة الشاملة للمحبة، ثم يوزعها بمقادير متساوية كي يسترسل في التفاصيل اليومية والحياتية التي قد لا ننتبه لها، ولكنها تتحول بين يديّ الشاعر وفي مخيلته ودقة وصفه، إلى تفاصيل تنبض بحضورها، وتتباهى بأهميتها، باعتبارها علامات دالّة على التمازج بين الذات والموضوع، وعلى التداخل بين المادة والروح، نظراً لوجود العلائق غير الملموسة التي تضعنا في المساحة العاطفية الواصلة بيننا، وبين الأشياء المحيطة بنا، والتي تقع في المنطقة الافتراضية، وفي نفس الوقت هي المساحة التي تشكّل وعينا، وتكوّن الشبكة الواسعة لحواسّنا.
وتذكر السيرة الذاتية والإبداعية لشاعرنا أنه ينتمي لعائلة مرموقة في عشيرة المتارفة، وأنه عشق الصحراء حتى اكتسب منها صفات البدوي الكريم، صاحب النخوة والشجاعة، الذي يملك صفة الطيبة وصفاء النفس والتواضع الشديد الذي تشعر به من خلال سجاياه الرائقة، وفي ثنايا أسلوبه الشعري الذي يدلف إلى قلوب القراء والمتذوقين للشعر النبطي الأصيل.
ونقرأ في سيرته أيضاً أنه التقى بمجموعة من الشعراء الإماراتيين: منهم راشد الخضر، والجمري، وابن سوقات، ومحمد بن صبيح، وعلي بن رحمة، وربيع بن ياقوت، وكانت له بعض القصائد المتبادلة بينه وبين مجموعة من الشعراء وهي ما تسمى بالمشاكاة، ومن هؤلاء الشعراء محمد بن سالم الظاهري، سهيل بن مبارك الكتبي، وإبراهيم الحديدي.

الشعر الغزلي
برع الشاعر ابن مترف في الشعر الغزلي، وتكاد تكون كل قصائده في هذا الجانب، وكان يأتي بالكلمات السهلة التي يتفاعل أي إنسان معها لكي يفهم ما يعنيه، وتطرّق شاعرنا إلى فنون أخرى، كالونّة والردح والعازي والقصائد المثلوثة والمربوعة.
وخاطب أصدقاءه الشعراء أمثال الجمري، كما في قصيدة (طوير الورق)، أما المطربين الذين لحنوا وأدوّا قصائده من غير ميحد حمد وابن روغة، فهم كثر ونذكر منهم: حارب حسن، وسعيد سالم، مالك العامري، وسالم سيف، وفتى شمل، وأحمد الشيباني، ومعضد سالم، وغيرهم، ورغم ابتعاد الشاعر ابن مترف عن الإعلام وندرة ظهوره في البرامج التلفزيونية والإذاعية، فإن القيمة الثريّة لقصائده، والطابع الغنائي لأشعاره، وجزالة طرحه مع سهولة مفرداته، كانت عناصر كافية لانتشار كلماته الجاذبة، وأحاسيسه المرهفة، بين فئات المجتمع المختلفة، وبين الشرائح المتنوعة من متابعي ومتذوقي الشعر النبطي بمختلف مرجعياتهم واختياراتهم.
ومن القصائد الشهيرة لخليفة بن مترف، تلك التي يقول فيها:
آه يا من ونّ والجفن محروم.. من صوابه ما يغضّي بالمنـــــــــــــــام
كنّ في وسط الحشا نار السموم.. تكوي الأضلاع وتبثّ العظــــــــام
ما شكت نفسي من الدين الركوم.. لا ولا تشكي من العلّة إسقـــام
شكوتي من ليعة الحب الظلوم.. لي دعا روحي من الفرقا حطام
وتتجلى في هذه القصيدة قدرة ابن مترف على الغوص عميقاً في بحور النفس البشرية، وما يعتمل فيها من آلام وأسقام، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالفراق وانعكاساته الواضحة والأخرى الخفية التي يستشعرها المصاب بلوعة الحبّ، إنه ذلك العاشق المحروم الذي نفذت منه الحلول لتفادي ويلات هذا الفراق وتوابعه المتمثلة في حطام المشاعر، وازدحام الخيبات، وجلاء الصبر، وهجمة الحيرة والالتباس على كيان المحب، ما يجعله في النهاية أسيراً لعذابات ممتدة، لا شفاء منها سوى بعودة اللقاء، وتجديد العهد، واكتمال الوصال.

128 قصيدة
صدر لشاعرنا ديوان بعنوان: «ديوان بن مترف» حققه وراجعه الدكتور راشد أحمد المزروعي، الباحث في التراث الشعري المحلي، والذي قسّم الديوان إلى ثلاثة أقسام، وهي قصائد المدح والاجتماعيات (37 قصيدة) وقصائد الغزل (56 قصيدة)، وأخيراً قصائد الردود والشكاوى والمجاراة (35 قصيدة) بإجمالي (128 قصيدة).
ويرد في الديوان أن الشاعر تغنّى بشعره أبناء الإمارات منذ بداية السبعينيات وما زالوا، وأنه كان، رحمه الله، مثقفاً ومتعلماً ونبيهاً، وعرف أنه ذو خط جميل كان يكتب به شعره، وأنه من الشعراء المجددين في الشعر النبطي في دولة الإمارات، حيث يعتبر من الذين طوروا بأشعارهم الجميلة الأغنية الإماراتية، وأعطت قصائده دفعة قوية للغناء على العود، مما شجّع الفنان علي بن روغه للاستمرار على هذا النهج، وكذا الفنان ميحد حمد الذي غنى له الكثير من قصائده، كما له قصائد تراثية في الإبل والخيول وغيرها.

مرارات وانكسارات

من الإسهامات الشعرية المميزة لخليفة بن مترف، القصيدة التي يصف فيها لحظة الرحيل بما تتضمنه من مرارات وانكسارات، وهي القصيدة التي تحمل عنوان: «وداع الله يا اللي رايحين»، وفيها يخاطب المحبوب لحظة مغادرته الديار، مستعيناً بأبيات ذات إيقاع متخم بالحزن وبحسّ الوداع، حيث يختار الشاعر عنا المفردات المتناوبة بين الثقل والخفّة، ليرسم مشهداً بصرياً تتدرج فيه ألوان الحالة الداخلية وردات الفعل الضمنية المستترة خلف الرجاء المُلِحّ، والرغبة القوية في أن يكون هذا الوداع مؤقتاً، وأن تعود الأمور إلى حالتها الأولى قبل الرحيل، مستمسكاً بالأمل في ورود أخبار لاحقة تكون بمثابة البشرى، وتجسّد عودة المحبوب مرة أخرى إلى دياره، وفي ذلك يقول ابن مترف:

وداع الله يا اللي راحلينَ
عساكم في أمان وفي هنايه
رحلتوا بالفؤاد وبالضنينَ
ومعلوق الحشا بين الحنايه
أمانة عندكم يا رايحينَ
والأمانة ما بيه منها الرسايه
ترفّق يا وليف الرايفينَ
ترانا فوق حرّات الوهايه
نسال الريف لي نسنس علينا
ونتخبر عنه نوُدْ الصبايه
عساه ييب علم ويحيينا
وينعش قلب ينزف بالدمايه