في عام 2001، عندما كانت مادلين أولبرايت تستعد لترك منصبها كوزيرة للخارجية الأميركية الذي شغلته بداية من عام 1997، سُئلت حول كيف تتمنى أن يتذكرها الناس، فكان جوابها: «لا أريد أن يتذكروني. فأنا ما زلت هنا، وهناك الكثير من الأشياء التي أنوي القيام بها. على الرغم من أن ذلك قد يبدو صعباً، فإنني أريد أن تكون كل مرحلة من حياتي أكثر إثارة من سابقتها». 

في تلك الفترة الانتقالية، كانت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة تبحث الخيارات المتاحة لها: الكتابة، التعليم، السفر، إلقاء الخطابات، إطلاق المشاريع، النضال من أجل الديمقراطية، المساهمة في تمكين النساء، مناصرة المرشحين السياسيين المفضلين، قضاء وقت أكثر مع الأحفاد. لكن، بدلاً من تفضيل خيار أو اثنين، قررت أولبرايت القيام بذلك كله. وهكذا، ظلت أولبرايت في حركة دائمة طيلة العشرين عاماً الأخيرة، وكأن لسان حالها يقول: إذا كانت أولبرايت غادرت منصبها، فإنها لم تغادر المشهد. 
 أولبرايت كتبت مذكرات حول سعيها للاستمرار في لعب دور مفيد خلال عشرين عاماً تقريباً، منذ أن غادرت مكتبها في الطابق السابع بمقر الخارجية الأميركية في حي «فوغي بوتوم» بالعاصمة واشنطن للمرة الأخيرة. كتاب مؤثر وحافل بالدروس وبالنكت المضحكة أيضاً، وفيه تتحدث عن مسؤولياتها الجديدة، بينما تتنقل من قاعة الدرس إلى قاعة اجتماعات مجلس الإدارة في بورصة نيويورك، إلى المواقف المحرجة لكون المرء «مسؤولاً سابقاً». 
وعلى سبيل المثال، قصدت أولبرايت المستشفى مرة، بعد أن سقطت وأصيبت بجرح في جبهتها. كانت تنزف ومن دون بطاقة التأمين الخاصة بها، فشعرت بالإحباط بسبب بطء موظفة الاستقبال في المستشفى التي كانت تقوم بتسجيلها وتأخذ وقتاً طويلاً في القيام بذلك. ومن أجل تسريع العملية قالت لها: «ربما عرفتني، أنا مادلين أولبرايت، كنت وزيرة للخارجية». فحدثتها موظفة الاستقبال وقالت لها: «كولن باول هو وزير الخارجية». فأكدت أولبرايت كلامها، موضحةً أنها كانت الوزيرة قبل باول. فكان أن قالت لها موظفة الاستقبال بصراحة قاسية: «إذن، هذا يعني أنك من دون عمل الآن». والحقيقة أنها كانت تشغل أكثر من وظيفة واحدة. فقد أطلقت أولبرايت شركتها الخاصة للاستشارات، وباتت إحدى الشركات الغريبة في واشنطن التي تستغل قدرتها على الاتصال بمسؤول في بلد أجنبي لحل مشكلة، أو استشراف أزمة جيوسياسية. وفضلاً عن ذلك، فأولبرايت تدرّس مادةً ذات شعبية حول مهارات قيادة الدول في جامعة جورج تاون، وأنشأت منظمة تضم وزراء الخارجية الأميركيين السابقين تلقبها «مادلين وسابقيها»، يمثلون مؤسسة لم توجد منذ أواخر التسعينيات، لكنهم ما زالوا يحاولون ممارسة بعض النفوذ من على الأطراف. 

  • تجربة من القرن الـ 21.. مذكرات أولبرايت

وإلى ذلك، تؤلف أولبرايت كتباً، بل الكثير من الكتب. فقد ألفت كتاب «السيدة الوزيرة»، وهو عبارة عن مذكرات حول الفترة التي كانت فيها عضواً ضمن إدارة بيل كلينتون، وكتبت «شتاء براغ»، القصة المذهلة لنشأتها، كلاجئة تشيكية، قبل أن ينتهي بها المطاف في دينفر بولاية كولورادو الأميركية، حيث كان والدها أستاذاً (وكان من بين طلبته كوندوليزا رايس، ثاني امرأة تتولى حقيبة الخارجية في الولايات المتحدة). ومؤخراً، أصدرت كتاباً يحذّر من عودة الفاشية. 
 ومع الكتب، طبعاً، تأتي مفاجآت جولات تقديم الكتب وتوقيعها، ومن ذلك المرة التي شاءت الصدف أن يقضي برنامج مؤتمر لأصحاب المكتبات بأن تتحدث عن كتاب لها حول تدبير عالم ما بعد الاتحاد السوفييتي مباشرة بعد مؤلف كتاب «حان وقت التبول!»، وهو كتاب حول تدريب الطفل الصغير استخدام «القعادة». وانسجاماً مع هذه التيمة، تحدثت أولبرايت عن أوجه الشبه بين إدارة الحلفاء والخصوم والتفاوض مع طفل يبلغ عامين. 
 لكن هناك لحظات أكثر تعبيراً ودلالة تجد لها صدى في اللحظة السياسية الراهنة، ومن ذلك شكوكها الذاتية أثناء مناصرتها في الانتخابات التمهيدية لهيلاري كلينتون في 2008، وعندما شاهدت زملاءها السابقين يستخفون بمرشحتها ويؤيدون باراك أوباما. تكتب أولبرايت: «قلت: عار عليهم، لكن من جهة أخرى، ها أنا ذي على التلفزيون الوطني أتهمُ أوباما بأنه ساذج لأنه يدعو إلى محادثات مباشرة مع زعماء إيران. والحال أنني نفسي تفاوضت مع كوريا الشمالية». 
ويُعد كتابها تذكيراً كذلك بأنه على الرغم من كل التعقيدات التي وسمت الفترة التي أمضتها في منصبها، فإن تلك الفترة كانت آخر لحظة نتذكرها عن التفوق والهيمنة الأميركيين. فآنذاك، كانت روسيا ما زالت تتحدث عن الاندماج في أوروبا، ولم يكن فلاديمير بوتين قد صعد بعد. وكانت الصين اقتصاداً ناشئاً ما زال يشق طريقه بصعوبة. ولم تكن كوريا الشمالية قد امتلكت القنبلة النووية بعد، وكان برنامج إيران النووي في مرحلة النشأة. وكان عقدان من الحرب في أفغانستان والعراق لا يزالان أمام الولايات المتحدة.
ولئن كانت المشاكل التي واجهتها أولبرايت كبيرة، فإن حلفاء الولايات المتحدة كانوا لا يزالون أصدقاء مقربين، وكانت الحروب السيبرانية والأوبئة العالمية من نوع السيناريوهات التي يؤلفها «قسم تخطيط السياسات» في وزارة الخارجية. وطيلة معظم السنوات التي أعقبت تركها منصب وزيرة الخارجية، بدا أن تجربتها وخبراتها في الحياة والسياسة شيءٌ يعتقد كثير من الجمهوريين أنه يمكن أن يكون مفيداً. وكان اعتقاداً صحيحاً، إلى أن تلقت مكالمة في 2017 من مايك بومبيو، مدير وكالة الاستخبارات المركزية («سي آي إيه») الجديد آنذاك الذي سرعان ما رقي إلى منصبها السابق على رأس الخارجية. وكانت أولبرايت قد خدمت ضمن المجلس الاستشاري الخارجي للوكالة لفترة طويلة. وعن تلك المكالمة تقول: «لقد شكرني على خدمتي، ثم طردني». 
...........
ينشر بترتيب خاص مع خدمة نيويورك تايمز

كتاب: الجحيم ووجهات أخرى.. مذكرات للقرن الحادي والعشرين
المؤلفة: مادلين أولبرايت 
تاريخ النشر: أبريل 2020