إبراهيم الملا

«تِغْزَر عيوني في المغطّاي.. وتعاف شيّ دوم مكشوف»

هذا البيت الذي أبدعه شاعر العين الكبير سعيد بن هلال الظاهري (1920 - 2001) - رحمه الله - يعتبر من الأمثلة الواضحة والبيّنة على مدى الحكمة التي طرزّت قصائده، وعمق الخبرة الحياتية التي زوّدته بالبصيرة العارفة، والنظرة الفاحصة لأحوال الناس وتصرفاتهم وسلوكياتهم.
هذا البيت الذي ألّفه شاعرنا ضمن قصيدة طويلة، تحوّل إلى مثل شعبي إماراتي متداول بين أبناء مجتمعنا المحلي، وذاع وانتشر باعتباره مثلاً معبّراً عن فضول الإنسان ورغبته الدائمة في البحث والتقصي والاكتشاف، خصوصاً فيما يتعلّق بالأمور الغامضة والمبهمة والمستورة، التي تكمن وراءها أسرار وكنوز تم دسّها وتغطيتها خوفاً وحذراً من تلصّص العيون وتلهّف القلوب.
وهذا المَثَل يُشْبِه المَثَل القائل: «سحناه مغطّايه ولا حلاوة مكشوفة». وكلٌّ منهما يُضرَبُ غالباً في المرأة المحتشمة ولو كانت بسيطة المال والجاه والجمال، ذلك أنها امرأة تخفي ما يستعصي على الوصف، فتثير الخيال وتوقظ صنوف الظن والتأويل، ما يجعلها محل تقدير وإجلال، وما يجعل الشاعر خصوصاً، مسترسلاً في استكناه هذا الغموض، ومجاراة الحيلة بالحيلة، وإبدال الوهم بما يضنه حقيقة، كي يوثقها في شعره ويزيّن بها أبياته.

يؤكد هذا النموذج الشعري من التراث الكبير والغزير للظاهري، أنه ينتمي لطينة الشعراء الفطاحل في المشهد الشعري النبطي بالإمارات، وأنه حاز المكانة العالية والرتبة السامقة في هذا المشهد، حيث ظلت قصائده محفورة في الذاكرة المحلية، خصوصاً لدى الشغوفين والمتتبعين والباحثين والمنقبين عن النفائس والدرر في ثنايا الموروث الشعري بأصدائه وانعكاساته على الأجيال اللاحقة.

التواضع والكرم
ويشير الدكتور راشد أحمد المزروعي الباحث والمتخصص في التراث الشعري الإماراتي، إلى أن الشاعر سعيد بن هلال الظاهري عُرف عنه التواضع والكرم، وعند تولّي المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيّب الله ثراه - مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي وتوابعها، عيّنه مديراً لإدارة الجنسية والهجرة والجوازات، واستمر في منصبه إلى أن تقاعد سنة 1976م، مضيفاً أن الظاهري تزوج ورزق من الأولاد سبعة، ودارت بينه وبين الشعراء الذين عاصرهم العديد من المساجلات الشعرية، أمثال: الشاعر مطر بن خادم المهيري، والشاعرة عوشة بنت خليفة السويدي المعروفة بفتاة العرب.
وعندما توفى، رحمه الله، في العام 2001م ، خلّف الكثير من القصائد الشهيرة التي ذاع صيتها في الإمارات خاصة، وفي بلدان الخليج عامة، وتميّزت قصائده بالتجديد في صورها، وسهولة وصولها إلى المتلقّين، وسرعة انتشارها بينهم، كما تبدو ثقافته المتعلقة بالبيئة والتقاليد والظواهر الإنسانية وتغيّر الأزمان وتطور الأمكنة، حاضرة في شعره البعيد عن التكلّف، والمشمول بالأسلوب السهل الممتنع.

شبابه وصباه
أبدع شاعرنا في عنفوان شبابه وصباه، فكتب أجمل قصائده في تلك المرحلة، واشتهر بالشعر الغزلي وكذلك شعر المديح والتغرودة، ووصف الباحثون شعره بأنه جزل الألفاظ، متعدّد الجوانب في معالجته الشعرية ويحفل بالعديد من المظاهر الاجتماعية والفنية ويمتاز بتعبيراته التي يتناولها من حيث البيئة البدوية، وتكاد تكون غزلياته مدرسة أدبية بذاتها.
تطرق الظاهري أيضاً لقصائد المدح، خاصة مديح الشيخ زايد، طيّب الله ثراه، وله قصائد كثير في الوطنيات، وكذلك في الأعياد الدينية والرسمية، كما تطرق في شعره الفصيح للمزايا التي خصّ به وطنه، وذلك في أواخر سني حياته.
ضم ديوان «بن هلال» لسعيد الظاهري ستة أقسام، وهي قصائد الوطنيات والمدح «20 قصيدة»، وقصائد الاجتماعيات، «4 قصائد»،، وقصائد الشكاوى والمجاراة، «26 قصيدة»، وقصائد الغزل، «30 قصيدة»، وقصائد الفصحى، «8 قصائد»، وقصائد الرثاء، «9 قصائد»، بإجمالي «97 قصيدة».
وفي قصيدة له بعنوان «كتب الوصل» يخاطب بها صديقه الشاعر مطر بن خادم المهيري، يقول سعيد الظاهري:
كتب الوصل وتباعد الناي.. أقفى الخليل وخله يشوف
بوغيث كيف الشور والراي.. ودّي جداهم مرّة نلوف
صِوّبْ خِويّك بام مزلاي.. أمس الضحى والعالم وقوف
من بو خدود كنهّن عاي.. راعي الكواشي لي له تنوف
يك القماش اللي منقاي.. هو ذاته الشحّي بالوصوف
ريجه نبات حِطْ في ماي.. كالثلج وسطه صار مديوف
نستكشف في هذه القصيدة القدرة العجيبة على الوصف لدى الشاعر سعيد الظاهري، وكيف أنه برع في شعر النسيب والتشبيب، التي يسرد فيها وقائع أشبه بلقطات درامية، تتضمن مشاهد حركية وتشخيصاً مبهراً لأوصاف المحبوب، حيث ينقل لهفته وحرارة شوقه ويترجمها في أبيات مطرّزة بجماليات البيئة ومفرداتها وخصوصيتها المتمثلة في أدوات الزينة مثل: «الكواشي» و«يك القماش» التي تحيلنا للبيئة البحرية بمكوناتها الساحرة، وعطايا بحرها الزاخر، ويصدّر هذه القصيدة لصديقه الشاعر مطر المهيري، كيّ يبث فيها لواعج قلبه، وهموم فكره، طالباً منه الصحبة عند ذهابه إلى ديار المحبوب، كي يشاركه هواجسه ويخفّف عنه وطأة الوحشة والعزلة في طريق الترحال هذا والمحفوف بالريبة والمخاوف، حيث يصف الطريق هنا بأنه صعب ولكنه قادر على اجتيازه، ويقول في ذلك مكملاً باقي القصيدة:
باسري ولو حافي ومشّاي.. وأبدا الغضي عن كل مصروف
تمّت ويسعدني يا مضناي... لرضاك يا مخضوب الكفوف
وعُرف عن الظاهري استخدامه لبعض المفردات الهجينة في شعره، ومثال ذلك استخدامه لكلمة «شابوش» في إحدى قصائده والتي يقول فيها:
ما يصير زيّ بغير شابوش.. فيه البنات بصوت تلعيّ
والشابوش هنا تعبير عن الفرح والسعادة، ويقال شوباش بالمعنى نفسه، ويقال خل فلان يتشوبش أي دعه يفرح ويسعد، كما يقال فلان متشوبش أي فرحان، واللفظة من المفردات القليلة الدخيلة في اللهجة بهذا المعنى.

«تغنّي»

من القصائد الغزلية الشهيرة للظاهري، قصيدة بعنوان: «تغنّي» تتضمن تراكيب شعرية مدهشة، وإحالات حسيّة وعاطفية مصاغة بدفق وجداني تعكس تمكّن الشاعر من ترجمة ما يعتمل في دواخله ونقل خبايا جروحه وانكساراته إلى المتلقي، بلغة رشيقة، وبإحساس مرهف، وذكاء متوقّد، حيث يقول في هذه القصيدة المتميزة التي اشتهرت بين الناس:

يا زين ليش تسج عني
ولد ناس عمّي هوب مجبور
ما كان هذا فيك ظنّي
حاشاك يا مهضوم لخصور
لي صابني هب منك منّي
لكن جنابك فيّ معذور
أتبعك وأترك لي يبنّي
أنجع من الوسمي جدا خطور
أسمي الليالي عاقبنّي
ماخوذ ما فادتني حذور
ما أجبرك باللازم اتغنّي
إن كنت هب طرّاب معذور
بسيط هذا ما يعنّي
بالطيب طبعه هوب بالزور
درب الهوى والحب فنّي
أميّز الوافي مِ لِقصور

هنا أيضاً نلاحظ التجديد والتطوير الذي مارسه الظاهري في شعره من حيث استعانته بمفردات متداولة في السياق الحياتي اليومي، والتي يضيفها وسط السبك القوي والمحكم للمفردات الشعرية الأصيلة، كلمات مثل: «جنابك»، و«فنّي»، و«اتغنّي» والتي تخبرنا عن قدرة الشاعر في المزج بين ما هو بسيط وبين ما هو مركّب، وكذلك تهيئته للانسجام اللفظي بين الواضح والمبهم، وبين الغريب والمألوف، واضعا كل هذا المزيج المدهش في قالب شعري حيّ وحيوي ونابض بالأخيلة الجميلة، وبالمشاعر الجامعة بين الإمكان والاستحالة، والطيّع والعصيّ على القبض، مانحاً للمتلقي مساحة بصرية خصبة تتعانق فيها الأضداد، ويتفارق فيها المتآلف، وكأننا أمام لوحة يتفنن الشاعر في ضخها بالصور الماتعة، والمعاني المتباينة، التي تخلق أبعادا تنتشي بحضورها الخلّاب، وتتباهى بنسقها المراوغ، الذي يحيّر الألباب.

ديوان «بن هلال»
ولد الشاعر سعيد بن هلال الظاهري في حيّ الخريس بمنطقة الجيمي بالعين، ويصفه الدكتور راشد أحمد المزروعي الباحث والمتخصص في التراث الشعري الإماراتي، والذي أعد وحقق ديوان الظاهري، وسماه: «ديوان بن هلال»، بأنه أحد أشهر شعراء إمارة أبوظبي في القرن العشرين، وترعرع في كنف جده أحمد بن محمد الظاهري، ثم التحق بالكتاتيب فدرس مبادئ اللغة العربية من نحو وصرف، كما تعلم مبادئ الحساب وحفظ القرآن الكريم، وبانت ملامح موهبته الشعرية في عمر مبكّر، فقرض الشعر بمختلف صنوفه وألوانه ما بين (الونّه) و(التغرودة).